
انتخابات 2026: من سيفوز بحكومة المونديال في المغرب؟
عبده حقي
شخصيا لا أرى في انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد استحقاق تشريعي جديد سيذهب فيه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لاختيار نوابهم، ثم تبدأ بعده الحسابات المعتادة لتشكيل الأغلبية وتقاسم الحقائب الوزارية. هذه الانتخابات، في نظري، أخطر من ذلك بكثير، لأنها ستحدد بصورة مباشرة أو غير مباشرة من سيحكم المغرب خلال السنوات الأكثر حساسية في الطريق إلى كأس العالم 2030، ومن سيقف أمام المغاربة والعالم ليعلن نجاح أكبر ورش رياضي وتنموي تشهده المملكة، أو ليتحمل مسؤولية إخفاقاته واختلالاته.
لقد دخل المغرب رسميًا مرحلة العد التنازلي نحو 2030 بعدما أصبح، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، بلدًا مضيفًا لكأس العالم. ومن يظن أن الأمر يتعلق ببناء بضعة ملاعب وتجديد واجهات المدن واستقبال الجماهير لم يفهم حجم التحول الذي نحن مقبلون عليه. المونديال أصبح ورشًا ضخمًا يمتد من المطارات والقطارات والطرق إلى السياحة والفنادق والنقل الحضري والاتصالات والأمن والخدمات والاستثمار وإعادة تأهيل المدن.
ولهذا أطرح السؤال منذ البداية: عندما يدخل المغربي إلى مكتب التصويت يوم 23 شتنبر، هل سيختار فقط حزبًا، أم سيختار أيضًا الفريق السياسي الذي سيشرف على السنوات الأربع الأكثر حساسية قبل مونديال 2030؟
هذا السؤال يجب أن يقلق كل الأحزاب. فمن يصل إلى الحكومة هذه المرة لن يستطيع الاختباء طويلاً خلف البيانات والتصريحات والمؤتمرات الصحفية. الزمن سيكون ضيقًا، والمشاريع ضخمة، والكاميرات الدولية ستقترب يومًا بعد يوم من المغرب. كل تأخر سيُرى، وكل تعثر سيُناقش، وكل تجاوز في الميزانية سيصبح قضية سياسية، وكل مشروع سينجز في موعده سيحاول طرف ما تقديمه بوصفه انتصارًا خاصًا به.
ولهذا بدأت رائحة المونديال تدخل السياسة قبل أن تنتهي الانتخابات نفسها.
الجدل الأخير حول مكان إجراء المباراة النهائية دليل واضح. عندما أعلن فوزي لقجع أن النهائي سيكون في منطقة الدار البيضاء، رد رئيس الحكومة عزيز أخنوش بأن القرار لم يُحسم رسميًا بعد، في وقت أكدت فيه «فيفا» أن اختيار ملعب النهائي لا يزال معلقًا. بالنسبة إليّ، لا تكمن أهمية هذه الحادثة في معرفة من سيستضيف النهائي فقط، وإنما في شيء أعمق: المونديال بدأ يتحول إلى رأسمال سياسي يتنافس الجميع على امتلاكه.
وهنا يبدأ الخطر.
شخصيا لا أريد أن يتحول كأس العالم إلى ملصق انتخابي ضخم. لا أريد أن نرى الأحزاب تتسابق لالتقاط الصور أمام الملاعب والقطارات والمطارات ثم تقدم كل مشروع باعتباره هدية من هذا الحزب أو ذاك. هذه مشاريع دولة وتمول، بصورة أو بأخرى، من إمكانات وطن ومجتمع، ومن حق المغاربة أن يعرفوا كلفتها وجدواها وما ستتركه لهم بعد أن يغادر آخر مشجع أجنبي سنة 2030.
لأن السؤال الذي سيلاحق حكومة المونديال لن يكون: هل بنينا ملعبًا جميلًا؟ السؤال سيكون: ماذا بنينا للمغاربة؟
عندما يرى المواطن مليارات الدراهم تتحرك بسرعة لإنجاز ملعب أو محطة أو طريق، سيكون من حقه أن يسأل لماذا لا تتحرك بالسرعة نفسها لبناء مستشفى محترم، أو إصلاح مدرسة، أو تشغيل شاب يحمل شهادة منذ سنوات.
وهذا ليس عداءً للمونديال. على العكس، أنا أريد للمغرب مونديالًا ناجحًا، وأريد له أن يقدم للعالم صورة بلد قادر على التنظيم والمنافسة والانفتاح. لكنني أرفض أن تتحول صورة المغرب للعالم إلى بديل عن واقع المغرب بالنسبة إلى المغاربة.
ما قيمة أن ينبهر الزائر بالمطار إذا كان المواطن ينتظر شهورًا للحصول على موعد طبي؟ وما معنى أن نعبر بين مدينتين في زمن قياسي بينما لا تزال قرى ومناطق بعيدة تكافح من أجل طريق لائق؟ وما جدوى أن نمتلك أجمل الملاعب إذا ظل آلاف الشباب مقتنعين بأن خلاصهم الوحيد يوجد خلف البحر؟ هذه هي المعركة الحقيقية لحكومة 2026.
لن تكون المعركة بين من يحب كرة القدم ومن يرفضها، بل بين نموذجين في فهم المونديال: نموذج يعتبره واجهة دولية لمدة شهر، ونموذج يحوله إلى رافعة لتحديث البلد لعقود. وأنا أنحاز بوضوح إلى النموذج الثاني.
إذا استثمر المغرب في السكك الحديدية، فيجب أن يستفيد منها المغربي بعد 2030. وإذا جدد المطارات، فيجب أن تصبح السياحة والاقتصاد أكثر تنافسية. وإذا طور النقل الحضري، فيجب أن يشعر به العامل والطالب والموظف كل صباح. وإذا استثمر في التكوين، فيجب أن تتحول المهارات المكتسبة إلى فرص عمل دائمة، لا إلى وظائف مؤقتة تنتهي بانتهاء البطولة. عندها فقط يمكنني أن أقول إن المونديال قد نجح. أما إذا وجدنا أنفسنا يومًا أمام ملاعب مذهلة تحيط بها مشاكل اجتماعية قديمة، فسيكون ذلك أجمل فشل يمكن تصويره بالتقنيات العالية.
لهذا أستغرب أن يتحدث بعض السياسيين عن استحقاق 2030 كما لو أنه حفلة وطنية كبيرة ستصل في موعدها مهما فعلنا. لا. المونديال امتحان دولة، ولكنه أيضًا امتحان حكومة وأحزاب ونخب محلية وإدارات ومجالس منتخبة. وسيكون امتحانًا قاسيًا جدًا.
الحكومة المقبلة ستحتاج إلى إدارة سباقين في الوقت نفسه: سباق مع الزمن لإنجاز الالتزامات المرتبطة بكأس العالم، وسباق مع غضب اجتماعي لا يمكن تهدئته بالملاعب وحدها. وتلك هي النقطة التي أعتقد أنها ستحدد مستقبل حكومة المونديال.
فالمغاربة قد يقبلون الاستثمار الكبير في 2030 إذا شعروا أنهم شركاء في ثماره. لكنهم لن يقبلوا بسهولة أن تصبح كأس العالم عنوانًا لتحديث مناطق محددة بينما تستمر مناطق أخرى خارج الصورة. وهنا ندخل إلى مسألة العدالة المجالية.
هل ستتجه الاستثمارات الكبرى أساسًا إلى الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش وأكادير وفاس، أم تستطيع حكومة 2026 أن تجعل زخم المونديال يصل بطريقة غير مباشرة إلى مدن ومناطق أخرى؟ هذه ليست مسألة تقنية. إنها سياسية بامتياز. فالتنمية التي تترك نصف البلاد يتفرج على النصف الآخر لا تبني تماسكًا وطنيًا.
وأخشى كذلك من تحول مونديال 2030 إلى ورقة في المنافسة الحزبية. الحزب الموجود في الحكومة سيحاول بطبيعة الحال ربط الإنجازات بحصيلته، والمعارضة ستحاول ربط كل تأخر وكل تكلفة وكل اختلال بالحكومة. هذا طبيعي في السياسة، لكن المطلوب ألا يتحول المشروع الوطني إلى غنيمة انتخابية.
المغرب يحتاج بعد 23 شتنبر إلى حكومة تعرف الفرق بين إدارة مشروع وطني واستغلاله حزبيًا. ولهذا فإنني لا أسأل الأحزاب اليوم فقط عن الحد الأدنى للأجور أو أرقام النمو أو المناصب التي ستحدثها. أسألها أيضًا: ما تصوركم لمغرب 2030؟ من سيدفع كلفة المشاريع؟ ما أولويات الاستثمار؟ ماذا سيبقى بعد البطولة؟ كيف ستمنعون ارتفاع الأسعار والمضاربة العقارية؟ كيف ستضمنون استفادة المقاولات المغربية والشباب؟ وكيف ستوازنون بين الرياضة والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية؟ هذه، بالنسبة إليّ، أسئلة انتخابية بامتياز. ومن لا يملك أجوبة عنها لا يملك برنامجًا لحكم المغرب في السنوات المقبلة. لأن الحكومة التي ستتشكل بعد الانتخابات لن تدخل التاريخ لأنها جلست في مقاعد السلطة خلال مونديال 2030، بل بما ستفعله بهذه الفرصة.
قد تكون حكومة المونديال حكومة تحول تاريخي حقيقي، تنقل البلاد إلى مستوى جديد من البنية التحتية والاستثمار والسياحة والخدمات. وقد تصبح حكومة الإسمنت والواجهات، تنجز كثيرًا مما تراه الكاميرا ولا تغير بما يكفي ما يشعر به المواطن. وبين هذين الاحتمالين ستجري الانتخابات.
لهذا لا أرى 23 شتنبر مجرد موعد لتغيير الأغلبية أو تجديدها. أراه لحظة سياسية سيختار فيها المغرب، ولو جزئيًا، الفريق الذي سيقوده إلى واحدة من أكبر لحظات ظهوره أمام العالم. وسيكون السؤال بعد أربع سنوات بسيطًا وقاسيًا في الوقت نفسه: هل نظمنا مونديالًا ناجحًا فقط، أم استعملنا المونديال لبناء مغرب أفضل؟
من يستطيع الإجابة عن السؤال الثاني هو من يستحق أن يحمل اسم حكومة المونديال.
