للذهاب الى صفحة الكاتب   

الايمان والالحاد وحكمة قبول الانسان لأخيه الانسان

د. عامر ملوكا

 

 

منذ ان رفع الانسان عينيه الى السماء لأول مرة، وهو يطرح اسئلة رافقته عبر التاريخ كله: من اين جاء هذا الكون؟ لماذا نحن هنا؟ هل للحياة غاية؟ وهل يوجد خالق لهذا الوجود، ام ان الكون نتج عن قوانين الطبيعة وحدها؟ ورغم آلاف السنين من التفكير والتأمل، وما حققه العلم من انجازات مبهرة، ما زالت هذه الاسئلة الكبرى مفتوحة للنقاش. فقد استطاع العلم ان يكشف لنا كيف تتشكل النجوم، وكيف تنقسم الخلايا، وكيف تتطور الكائنات، وكيف تطور الكون منذ مراحله الاولى، لكنه لا يستطيع وحده ان يحسم السؤال الاكثر عمقا: لماذا يوجد الكون اصلا؟ وهل وراء هذا الوجود قصد وارادة ومعنى؟

 

وهنا تبدأ المساحة التي تلتقي فيها الفلسفة بالأيمان، ويظهر الاختلاف بين الناس في تفسيرهم للوجود. فالعلم يقوم على الملاحظة والقياس والتجربة، ولذلك يستطيع دراسة الظواهر التي يمكن اختبارها وملاحظتها، لكنه لا يملك الادوات التي تمكنه من حسم كل الاسئلة الميتافيزيقية المتعلقة بوجود الله او الغاية النهائية من الحياة. ومن هنا يقف المؤمن والملحد امام سؤال يتجاوز حدود المختبر. فالمؤمن يرى ان وراء هذا الكون خالقا حكيما، بينما يرى الملحد ان تفسير الكون لا يستلزم افتراض وجود خالق. وكلا الموقفين يرتبط برؤية فلسفية اوسع لطبيعة الوجود، وليس بتجربة مخبرية بسيطة تستطيع وحدها ان تنهي النقاش.

 

والعلم نفسه يعلمنا ان الحقيقة لا تقتصر على ما تستطيع العين رؤيته مباشرة. فنحن لا نرى الجاذبية، لكننا نرى آثارها في سقوط الاجسام وحركة الكواكب. ولا نرى المجال المغناطيسي، لكننا نشاهد تأثيره. ولا نرى موجات الاتصالات والانترنت، ومع ذلك نعتمد عليها في تفاصيل حياتنا اليومية. ولا ترى اعيننا الاشعة تحت الحمراء او فوق البنفسجية، لكنها موجودة ويمكن قياس آثارها. وحتى المادة المظلمة التي يعتقد العلماء انها تشكل جزءا كبيرا من محتوى الكون لم يرها أحد بصورة مباشرة، وانما استدل العلماء على وجودها من آثارها في حركة المجرات. كما تنبأت معادلات اينشتاين بموجات الجاذبية قبل ان يتمكن العلماء من رصدها بعد ذلك بعقود طويلة.

 

وهذا كله يقودنا الى قاعدة معرفية مهمة: عدم رؤية الشيء لا يعني بالضرورة عدم وجوده، كما ان عدم قدرتنا على اثباته اليوم لا يعني استحالة معرفته مستقبلا. فالإنسان كثيرا ما يصل الى الحقيقة من خلال آثارها ونتائجها قبل ان يستطيع رؤيتها بصورة مباشرة.

 

وقد جاءت فيزياء الكم لتزيد الانسان تواضعا امام اسرار الكون. فعندما دخل العلماء عالم الذرات والجسيمات اكتشفوا ان الواقع في مستواه الدقيق أكثر تعقيدا من الصورة التي تقدمها لنا حواسنا وتجاربنا اليومية. فهناك جسيمات يمكن ان تظهر خصائص موجية، وهناك ظواهر لا يمكن التنبؤ بنتائجها الفردية الا ضمن اطار الاحتمالات، وهناك التشابك الكمي الذي يكشف عن ترابطات عميقة بين الجسيمات. وهذه الظواهر لا تثبت وجود الله ولا تنفيه، ولا ينبغي تحويلها الى حجج دينية او الحادية جاهزة، لكنها تعلمنا شيئا مهما: ان الواقع اوسع بكثير من حدسنا، وان المعرفة البشرية مهما تقدمت تظل محدودة امام اتساع الكون وتعقيده.

 

كما ان تاريخ العلم يقدم امثلة على ان الرياضيات والمعادلات قد تسبق الملاحظة والتجربة. فقد تنبأت معادلات اينشتاين بوجود موجات الجاذبية قبل اكتشافها تجريبيا، كما قادت معادلات اخرى في تاريخ الفيزياء الى توقع وجود ظواهر وجسيمات لم يكن الانسان قد رصدها بعد. وهذا لا يعني ان كل فكرة رياضية تصبح حقيقة، لكنه يوضح ان ما لا نراه في لحظة معينة قد يكون قابلا للاكتشاف في مرحلة لاحقة، وان حدود الحواس البشرية ليست هي حدود الواقع.

 

ومن هنا ينبغي ان نكون حذرين في استخدام العلم في قضية الايمان والالحاد. فلا يصح القول ان العلم اثبت وجود الله بالطريقة نفسها التي اثبت بها وجود كوكب او جسيم، كما لا يصح القول ان العلم اثبت عدم وجود الله. فهذه القضايا تتجاوز المنهج التجريبي المباشر، وتدخل في اسئلة الفلسفة والميتافيزيقا واللاهوت. العلم يستطيع ان يدرس كيف نشا الكون وتطور، وكيف تعمل قوانين الطبيعة، لكنه لا يستطيع وحده ان يقرر لماذا توجد هذه القوانين اصلا، او هل للكون غاية نهائية، او هل وراء الوجود قصد واع وارادة.

 

ولهذا يمكن القول بصورة مبسطة ان العلم يهتم بدرجة كبيرة بسؤال "كيف؟"، بينما تحاول الفلسفة والدين التعامل ايضا مع سؤال "لماذا؟". العلم يفسر كيف تتكون النجوم، وكيف تتطور الكائنات، وكيف تعمل الخلايا، لكنه لا يقدم بمفرده اجابة نهائية عن معنى وجود الانسان او القيمة التي ينبغي ان يعطيها لحياته. وهذه ليست نقطة ضعف في العلم، بل نتيجة طبيعية لحدود المنهج العلمي ومجاله.

 

لكن المشكلة الاكبر ليست في اختلاف الناس حول هذه الاسئلة، وانما في الطريقة التي يتعاملون بها مع هذا الاختلاف. فالمجتمعات البشرية عرفت دائما تنوعا كبيرا في الاديان، والمذاهب، والفلسفات، والافكار. والاختلاف ليس خطا في الطبيعة البشرية، بل جزء من تجربتها. الناس يختلفون في لغاتهم وثقافاتهم واذواقهم وطرق تفكيرهم، ومن الطبيعي ان يختلفوا ايضا في الاسئلة الكبرى المتعلقة بالله، والكون، والحياة، والموت.

 

غير ان الاختلاف يتحول الى مشكلة عندما يعتقد الانسان انه يمتلك الحقيقة كاملة، ثم يحول قناعته الى وسيلة للحكم على الاخرين واحتقارهم. وكم من صراع بدا باختلاف فكري ثم تحول الى كراهية، وكم من انسان نصب نفسه حكما على قلوب الناس ونواياهم ومصائرهم، مع ان الانسان لا يستطيع ان يعرف ما في قلب انسان اخر بصورة كاملة.

 

وهنا يجب التمييز بوضوح بين نقد الفكرة واهانة صاحبها. من حق المؤمن ان يناقش الالحاد وينتقد حججه، ومن حق الملحد ان يناقش الدين وينتقد بعض تصوراته، ومن حق الفيلسوف ان يسال ويشكك، ومن حق المتدين ان يدافع عن ايمانه. لكن كل ذلك يمكن ان يحدث من دون اهانة الانسان او سلبه كرامته. فرفض الفكرة لا يعني بالضرورة رفض صاحبها، والاختلاف مع المعتقد لا يبرر الكراهية.

 

ومن اكثر الاسئلة التي يمكن ان تجعل الحوار اكثر نضجا ان يسال الانسان نفسه: ماذا لو كنت مخطئا؟ هذا السؤال لا يعني التخلي عن القناعة، بل يعني الاعتراف بحدود المعرفة البشرية. فالمؤمن المتواضع يدرك ان فهمه للدين ليس هو الدين نفسه، وان تفسيره للنصوص قد يحتمل الخطأ والصواب. والملحد المتواضع يدرك ايضا ان عدم اقتناعه بوجود الله لا يجعله مالكا للحقيقة المطلقة في كل ما يتعلق بالوجود. والعالم الحقيقي يعرف ان كل اكتشاف جديد قد يفتح ابوابا جديدة من الاسئلة.

 

والتواضع الفكري لا يعني ان يكون الانسان بلا موقف، بل يعني ان يتمسك بموقفه دون ان يتحول هذا الموقف الى غرور. يستطيع الانسان ان يكون مؤمنا بقوة، وان يناقش الالحاد بقوة، دون ان يحتقر الملحد. ويستطيع الملحد ان يكون مقتنعا بموقفه، وان ينتقد الحجج الدينية، دون ان يحتقر المؤمن. فالحوار الحقيقي لا يحتاج الى الغاء الاختلاف، بل يحتاج الى ادارة الاختلاف باحترام.

 

ولعل المعيار الاكثر انسانية يظهر عندما نضع الافكار جانبا للحظة وننظر الى السلوك. قد يجلس مؤمن وملحد على طاولة واحدة، فيتعاونان على اغاثة محتاج، او علاج مريض، او تعليم طفل، او الدفاع عن مظلوم. وقد يختلف اثنان في كل ما يتعلق بالعقيدة، لكنهما يتفقان على قيمة الصدق والرحمة والعدل ورفض الظلم. هنا ندرك ان الانسان اكبر من التصنيف الذي نضعه له.

 

ليس السؤال دائما: ماذا تؤمن؟ بل ايضا: كيف تتعامل مع من يختلف معك؟ ماذا تفعل عندما تكون قويا؟ هل تستخدم قوتك لإهانة الاخر ام لحمايته؟ وهل تستطيع ان تختلف مع انسان وتحافظ في الوقت نفسه على كرامته؟ هذه الاسئلة تكشف جانبا عميقا من انسانية الانسان.

 

ان الايمان قضية عظيمة، والالحاد قضية فلسفية مهمة، والبحث عن الحقيقة من أشرف ما يمكن ان يفعله العقل البشري. لكن الاعظم من كل ذلك ان يبقى الانسان انسانا. وليس المطلوب ان يتخلى الناس عن قناعاتهم حتى يعيشوا معا، ولا ان يتساووا في افكارهم، بل ان يدركوا ان الاختلاف لا يلغي الانسانية، وان الاقناع لا يولد من الاهانة، وان الحوار لا يحتاج الى التكفير او الاحتقار.

 

فاذا كان الانسان يؤمن بالله، فليكن ايمانه دافعا الى الرحمة والعدل والتواضع. وإذا كان لا يؤمن، فليكن موقفه دافعا الى احترام الانسان والبحث الصادق عن الحقيقة. وفي الحالتين يبقى من حق كل انسان ان يسال ويتفكر ويبحث ويختار، وان يعيش بكرامة ما دام لا يعتدي على كرامة غيره.

 

وفي النهاية، ربما لا تكون الحكمة في ان ننجح جميعا في الاتفاق على اجابة واحدة، بل في ان نتعلم كيف نعيش معا رغم اختلاف الاجابات. فالكون أكبر من عقولنا، والحقيقة اوسع من تصوراتنا، والمعرفة البشرية مهما بلغت تظل محدودة. وكلما ازداد الانسان علما، ازداد ادراكا لاتساع دائرة المجهول. وربما كان هذا الادراك هو بداية الحكمة: ان نبحث عن الحقيقة بشجاعة، وان نحمل قناعاتنا بتواضع، وان نختلف دون كراهية، وان نقبل الانسان الاخر لا لأنه يشبهنا في معتقده، بل لأنه انسان مثلنا، له عقل وقلب وكرامة وحق في ان يبحث عن الحقيقة بطريقته.