
الاشوريون في التاريخ/ الحلقة 41
نبوخذنصر وتقسيم إرث الإمبراطورية الآشورية
يعكوب أبونا
كانت نتيجة التحالف الذي تم عام 614 ق. م. بين الميديين ونبو بلاصر، بين أطلال آشور المحروقة، أن توجهت قوات التحالف الميدي والبابلي عام 612 قبل الميلاد إلى العاصمة نينوى. وبعد ثلاثة أشهر من الحصار، سقطت نينوى، وتعرضت للنهب والسلب والدمار والحرق.
انسحب قسم من الآشوريين والعسكريين بقيادة آشور أوباليط الثاني إلى مدينة حَرّان، التي كانت معقلاً آشورياً، ونصّبوا آشور أوباليط الثاني ملكاً عليهم، لكونه من العائلة المالكة.
كان نبو بلاصر، في سنة 611 ق. م.، قد سيطر على مناطق «خزازو» و«شوبا» الواقعتين على مقربة من آشور باتجاه الغرب، وكانتا ذات أهمية استراتيجية استلزمت السيطرة عليهما. وفي خريف السنة نفسها، سيطر على مدينة «روكوتي» في شمال سوريا، قرب تل بارسيب، وكانت لها أهمية في ضرب حَرّان لاحقاً.
وفي عام 610 ق. م.، انضم الجيش الميدي إلى الجيش البابلي، وتحركا صوب حَرّان.
وفي الوقت ذاته، وصلت نجدة مصرية إلى الجيش الآشوري، ولكن الجيشين الآشوري والمصري انسحبا من حَرّان، فسَهُل عملية دخول الجيش البابلي والميدي إلى حَرّان بدون مقاومة، فسُلِبت ونُهِبت المدينة ..
«حياة إبراهيم، ص. 50، نبوخذنصر الثاني».
ولكن بعد عدة أشهر، قام آشور أوباليط الثاني بالتحرك نحو الشرق عبر الفرات لاسترجاع عاصمته «حَرّان»، وكانت تساعده وحدات مصرية أرسلها الفرعون المصري «نيخو الثاني». فحاصرا المدينة شهرين دون فائدة، لأن الحامية التي تركها نبو بلاصر فيها قاومت المهاجمين، فانسحبت قطعات الآشوريين، وانقطعت أخبارهم، وليست هنالك أية إشارات أو معلومات عن الملك الآشوري الأخير.
«د. عيد مرعي، تاريخ بلاد الرافدين، ص. 126».
تؤرَّخ هذه الأحداث بين عامي 610–609 ق. م.
وهكذا، خلال فترة لم تتعدَّ ثلاث سنوات، هوى بشكل مأساوي المارد العملاق الذي جعل العالم يرتعب هلعاً منه طوال قرون.
جورج رو، ص. 505، «العراق القديم»
بعد سقوط نينوى وحرقها، يذكر غبريال هانوتو، في ص. 13 من كتابه «نبوخذنصر: عظمة بابل وحريق نينوى»، تعريب فيليب عطا الله:
«من خلال الثغرة الواسعة التي أحدثها فيضان دجلة في السور الشمالي، اندفعت جماهير الغزاة الفوضوية منقضّةً على نينوى.
وانضم إلى هؤلاء الجنود جموع جشعة ومتعطشة لسفك الدماء. كان الفرح المسعور يدفع بهؤلاء إلى الاعتقاد بأن زمن العبودية قد ولى... دون أن يتبادر إلى أذهانهم بأن ملوكاً آخرين يحلمون بالمجد، وأن مصير الشعوب المغلوبة على أمرها سيكون ثمناً لهذا المجد ".
ويضيف
«صعد إلى القصر الملكي وحده الشاب نبوخذنصر، فيما. "كانت أكداساً من الرمال السوداء، يتصاعد منها الدخان وبعض ألسنة اللهب، فسَعَرَ بطرف حذائه ألسنة اللهب هذه كي تقضي النار على المتبقي، وزاد في نشوته منظر «الزقورات»، تلك الأبراج الضخمة التي كانت معابد الآلهة لدى الآشوريين، وهي تنهار أمامه. وعندما رشق بعينيه جنود المديين الذين كانوا يصعدون باتجاهه، وراء ملكهم «سياكسار»، رأى فوقهم فأل الشؤم.
«انتهى الاقتباس».
ويذكر طه باقر في كتابه «مقدمة في التاريخ والتاريخ القديم»، ص. 205:
«عندما سقطت نينوى في العام 612 ق. م.، بعد حصار دام ثلاثة أشهر، تقاسم الإمبراطورية الآشورية الماذيون والكلدانيون، فصارت حصة المملكة البابلية من وسط العراق حتى جنوبه.
وقد انتهز نبوخذنصر، وكذلك أبوه، انشغال الماذيين في البلاد الآشورية التي صارت حصتهم، فقاما بالغزو والتوسع إلى الغرب، فنشأ في زمن قصير ما يُعرف بالإمبراطورية البابلية الأخيرة...».
وتقول مارغريت روثن، في ص. 40 من كتابها «تاريخ بابل»:
«بعد سقوط نينوى، ركّز الميديون جهودهم على المناطق الشمالية والشرقية من بابل، بينما ركّز البابليون جهودهم نحو الغرب، وكان الاتحاد المصري مع مملكة يهوذا سبباً لخسارتها ولسبي أهلها...».
ويذكر د. عيد مرعي، ص. 126، المصدر السابق:
«قسّما إرث الإمبراطورية الآشورية بينهما، فسيطر الميديون على بلاد آشور الأصلية، وشكّل المجرَيان الأعلى والأوسط لنهر دجلة حدودها الغربية.
أما بابل، فقد شملت بنفوذها جنوب بلاد الرافدين ووسطها، وعيلام، ووادي الفرات كله، وأعالي بلاد الرافدين غرب دجلة...»
وفي ص. 15، يقول غبريال هانوتو:
«كان اقتسام المملكة الآشورية قد أعطى «سياكسار»، ملك الميديين، البلدان الواقعة إلى الشمال الشرقي من بابل.
وورث نبوخذنصر تلك التي كانت إلى الجنوب الغربي من بابل، وغرب الفرات وسوريا، فأصبح ملك «نخو»، ملك مصر، والحالة هذه، متولياً من قبله على المقاطعة التي كانت تخصه.
إلا أن الملك نخو وجدها فرصة كي يرفع نير بابل عن كاهل مصر، فتوجه بجيشه نحو بابل، ولكن جيوش بابل بقيادة نبوخذنصر واجهت جيش المصريين أمام مدينة «كركميش»، وألحقت به هزيمة منكرة أرغمتهم على التراجع. وأخذ يلاحق الجيش المهزوم، وتمكن من إحكام سيطرته على سوريا، واستعادة وفتح فينيقيا وفلسطين ومؤاب وعمون، وتابع زحفه حتى بلغ وادي النيل، ووقف يحدق في قلعة بيلوز وهياكلها، تلك القلعة العسكرية والهامة تجارياً.
وبينما كان يفكر كيف يسيطر على مصر، وصله خبر من بابل بوفاة والده نبو بلاصر، وكان ذلك في الثامن من آب 605 ق. م.
فكان من المناسب له أن يعرض هدنة مع نخو، لأن عرش بابل أصبح من أولوياته، خاصة وأن أخاه الأصغر «نبوشومليشير» كان في بابل، وخشيةً من أن يستغل غيابه عنها فيستولي على العرش.
فتم الاتفاق على هدنة مع «نخو» ملك مصر، وفي خيمة نبوخذنصر ثبتت سيادة بابل على سوريا بأجمعها، وعلى نهر الفرات حتى تخوم العريش.
ولكي ترسخ هذه الهدنة، أعطى نخو ابنته «أنيوتوكريس» له، فكانت الزوجة الثانية.
كان الوقت مهماً بالنسبة لنبوخذنصر، فكان تواقاً إلى غزو عرش أبيه، وليس قلب امرأة مجهولة. فاستعمل أقصر الطرق للوصول إلى بابل، رغم مخاطرها، فوصلها خلال ثلاثة وعشرين يوماً،.
بعد ثمانية أشهر من تتويجه ملكاً على بابل، وفي احتفالات رأس السنة في نيسان عام 604 قبل الميلاد، أخذ الملك بيد مردوخ ونابو إلى بيت الاحتفالات الذي يُعرف ببيت أكيتو، حيث يُقام المهرجان السنوي. ومن هنا كانت السنة الأولى لحكمه، فحكم ثلاثاً وأربعين عاماً، من 604–562 قبل الميلاد ..
هذا التقسيم الجغرافي لإرث الإمبراطورية الآشورية وما آل إليه، يؤكد أن من شمال بابل صعوداً إلى الشمال أصبح من حصة الميديين، ومن بابل وجنوبها كانت حصة نبو بلاصر.
وهذا يعزز خلو شمال بلاد الرافدين من أي وجود لحكم السلالة البابلية الكلدانية، وعدم وجود أي حاكم أو أمير كلداني أو بابلي حكم نينوى أو أطرافها أو شمال العراق الحالي.
وليس هناك أية قرينة على تواجدهم ووجودهم في مدننا وقرانا.
كما لا وجود لهم على المستوى الاجتماعي أو الشعبي، لهذه القبائل الآرامية/الكلدانية، أو حتى أفراد منها انتقلوا إلى الشمال بعد انتصار الجنوب على الشمال أو استوطنوا فيه.
بدليل أننا لا نجد انتماء أي عائلة في قرانا تُسمّى باسم أية قبيلة آرامية/كلدانية كانت تقطن بابل أو جنوبها أو شرقها.
وإلا فليُعرّفنا بأيٍّ من القبائل الآرامية/الكلدانية التي كانت في جنوب العراق، والمعروفة باسمها، ينتمي هؤلاء ؟ .
عجز المدّعين بكلدانيتهم عن القول خلاف ذلك، يؤكد انتماءهم لأرض وشعب آشور، وليس لبابل وجنوب العراق
هكذا تبين الحقيقة التاريخية، فتشابه الأسماء ليست قرينة على وحدة الانتماء او وحدة الجذر.
كل المعطيات تشير إلى أن هناك اسماً قديماً أُعيد استخدامه في سياق جديد، لغرض مختلف عما سبقه ..
وإلى الحلقة القادمة: هل انتهى الآشوريون بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية؟
يعقوب أبونا ................ 15 /9 /2026
