
ثمانون عاما من العمر... ووحدة واحدة
نوال عايد الفاعوري
في الثمانين، لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الأشياء كما كان يحتاج إليها في شبابه.
لا يحتاج بيتا كبيرا، ولا سيارة فاخرة، ولا حسابا ممتلئا في البنك.
يحتاج فقط إلى يد تمتد إليه حين يتعب، وصوت يسأله بصدق: كيف أصبحت اليوم؟
صديقي الذي بلغ الثمانين
أرمل، يعيش وحده في بيت كان يوما عامرا بالحياة واليوم لم يبق فيه إلا صوته وخطواته وذكرياته.
أبناؤه كبروا، تزوجوا، واستقرت حياتهم، وأصبح لكل واحد منهم بيته وعائلته ومسؤولياته، وهم يحبونه بلا شك
يزورونه يوم في منتصف الاسبوع ويدعونه إلى العشاء في آخره ، ويتصلون به من حين إلى آخر.
كلما جلست معه، أشعر أن ثمة شيئا لا تراه الزيارات.
وكلما سألته عن حاله يبتسم ويقول:
"أنا بخير."
لكنني أعرف أن كلمة "بخير" عند رجل في الثمانين قد تخفي وراءها أشياء كثيرة.
ها هو اليوم يحتاج إلى من يمسك بيده.
لكنه لا يدع احدا يرى تلك الحاجة، لأنه لا يطلبها.
الآباء لا يحتاجون إلى الحب اللفظي بل يحتاجون إلى أن يتحول الحب إلى أفعال.
لا يكفي أن نقول: "أبوي غالي".
يجب أن نعرف ماذا أكل.
هل استحم؟
هل تناول دواءه؟
هل يستطيع تنظيف بيته؟
هل ملابسه نظيفة؟
هل نام جيدا؟
هل هناك شيء يؤلمه ولا يريد أن يخبرنا به؟
هو لا يحتاج أن يراه أبناؤه بل يحتاج إلى أن ينتبهوا إليه.
هناك فرق كبير بين أن تسأل أباك:
"بدك اشي يا بوي "
وبين أن تعرف بنفسك ما الذي يحتاجه.
صديقي لا يخبرهم لكي لا يثقل عليهم
لا يقول إنه تعب.
ولا يقول إنه لم يأكل.
ولا يقول إن الغسيل تراكم.
ولا يقول إن تنظيف البيت أصبح مرهقا.
ولا يقول إن الذهاب إلى الطبيب وحده صار أمرا يخيفه أحيانا."
يمضي أيامه بالطريقة نفسها التي يمضي بها رجل اعتاد أن يعتمد على نفسه طوال حياته، لكن نفسه اليوم قد بدأت تتعب.
ابوك لا يحتاج إلى أن تعيش معه طوال الوقت.
ولا يحتاج أن نتخلى عن حياتك من أجله.
لكنه يحتاج أن يشعر أنه ما زال داخل حياتك، لا على هامشها.
أن تزوره لأنك اشتقت إليه، لا لأن اليوم هو يوم الزيارة.
أن تجلس معه أمام فنجان قهوة، وتترك الوقت يمر ببطء.
البر ليس زيارة محددة في الأسبوع، ولا دعوة إلى العشاء في آخر.
البر أن تنتبه.
أن ترى ما لا يقال.
أن تسأل قبل أن يطلب.
أن تقترب قبل أن يشعر بأنه وحيد.
ابوك لا يقول لك: اجلس معي
لكنه يتمنى أن تجلس
لا يقول:رافقني إلى الطبيب
لكنه يفرح حين تذهب معه.
قد لا يقول لكنه يشعر بالأمان حين يجد من يهتم بتفاصيل حياته الصغيرة.
لا يقول: أنا وحيد
لأن الاعتراف بالوحدة، بالنسبة لرجل قضى عمره قويا، قد يكون أصعب من الوحدة نفسها.
سيأتي يوم لن تجده في ذلك البيت.
سيبقى الكرسي مكانه.
وقد تبقى بعض ملابسه.
وقد يبقى فنجان قهوته.
لكن صوته لن يكون هناك.
وحينها لن يكون السؤال: كم مرة زرناه؟
بل ربما سيكون السؤال الأكثر قسوة:
هل كان يعرف، وهو يعيش وحده، أنه كان محبوبا؟
كلما جلست مع صديقي، لا أسأله كثيرا عن الأشياء الكبيرة.
أسأله عن يومه.
عن طعامه.
عن نومه.
عن صحته.
وأحاول أن أكون معه في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو لنا عابرة، لكنها بالنسبة لرجل يعيش وحده قد تعني الكثير.
وأفكر دائما:
وأظن أن هذا هو أقل ما يستحقه أب في الثمانين
ألا يضطر إلى أن يعيش وحده
وأن ينام كل ليلة مطمئنا إلى أن هناك من يراه
ومن يسمعه
ومن يسأل عنه
ومن يقول له دون مناسبة:
"يا صديقي... أنت لست وحدك."
نوال عايد الفاعوري
