
في ظلال مجلة الرسالة
د. عامر ممدوح
كاتب وأكاديمي
في النفس دوماً حنين إلى تلك الصفحات الصفراء، رائحتها، ملمسها، خيالاتها، مضامينها! وهو حنين محمول بدافع النفع كذلك، فليس الترويح رغم مشروعيته غاية بحد ذاتها أو منفردة.
في ظلال مجلة الرسالة المصرية العريقة (1933 ــ 1965م) التي أعيش معها هذه الأيام صحبة مميزة، وأراد لها مؤسسها الأديب الكبير أحمد حسن الزيات (1885- 1968م)، نفحات ولفحات، ولفتات ووقفات، وكثيرٌ من الأُنس وأكثر منه إشراقات وضياءات.
واليكم خلاصة مركزة:
- تلتمس فيها عبق الماضي، وروائح الزمن الجميل، في صورة حرف ما زال بهياً رغم مرور هذا الزمن الطويل على كتابته.
- يقف القارئ وبشكل جلي أمام رصانة المبنى، وفخامة اللغة، وبديع الاسلوب، في لحظة تذكر كيف كانت الكتابة وقتذاك، من التزام وحرص وتشكيل ربما يحمل بعض التعقيد لكنه أمر لازم لتحقيق الغاية المرجوة منه.
- ومن الملفت أن الملاحظة أعلاه يقابلها بساطة المعنى، دون تعقيد وعمق كبير، وكأن العلوم لم تصل مرحلة النضج بعد، والأقلام تهاب كسر سدود التقليدية، والنقاش له حدود ما تزال لم تتوسع آفاقها.
- الانبهار الواضح والطاغي بالغرب، وقلة الثقة بالتراث، وهذا الذي يتضح من رعاية الأسماء المشهورة للمؤلفين الأجانب، والتعامل بكثير من المبالغة في التلقي لأقوالهم ونظرياتهم، رغم أن ذلك ليس متعمداً كما يبدو ولكنه طغيان المرحلة الزمنية التي كانت تصدر فيها الرسالة، ووطأة الاستعمار الثقيلة البائنة.
- تظهر المعرفة الدينية فيها تقليدية وليست إسلامية متحركة ومتجددة، بل يشوبها في بعض الأحيان كدر الزمان الذي لم يصفو، مع عموميات تغيب فيها خصوصية الانتماءات، وخجل من الطرح لدى البعض في لحظات احساس مؤلم بالتراجع والنكوص.
- وأجمل ما فيها تلك الأسماء الكبيرة التي حفرت موقعها باقتدار، فمثلت الرسالة حضناً بديعاً لهم، وقدمت أوليات لمؤلفات قيّمة صدرت لاحقاً وغدت من أركان المكتبة العربية، أو قدمت أجزاء منها عبر صفحاتها.
وختاماً.. في رسالة الزيات الرائع جهد كبير، كتابة وتنضيداً منمقاً في زمن طباعي مبكر، وحرصاً على بث رسالة وعي محمودة، فهي في النهاية (إرث ثمين ينتظر الاحتفاء والاقتداء.
