
يوميات حسين الاعظمي (1496)
مقاميون بلا حدود/ 6
يوسف كربلائي المطرب الظريف
(1883–1961)
ملف عن مطرب المقام العراقي يوسف كربلائي. من كتابي (الطريقة الزيدانية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في كانون ثاني 2013.
ولد يوسف بن رضا بن عزيز الملقب بالحاج يوسف كربلائي في محلة (القرة غول) من بغداد في عام 1877 حسب رواية الباحث التراثي ثامر العامري، وعمل في مستهل شبابه ضمن أجواق الأذكار والموالد النبوية. عشق المقامات العراقية وسجل بعضاً منها على اسطوانات. نزح في أعوامه الأخيرة من بغداد إلى الناصرية وإتخذ منها مستقراً له(هامش1). وفي رواية د. عبد الله المشهداني، ان ولادة يوسف كربلائي في عام (1883) ولقب بالكربلائي لانه استقر زمنا طويلا في محافظة كربلاء وسط العراق(هامش2)، وقد مارس الأداء الديني في المناقب والأذكار وزامل عددا من شيوخها وقرائها، وبجانب ذلك مارس اداء المقامات العراقية والأغاني التراثية منذ عام 1917 حتى سجلت له شركات التسجيل الصوتي الأجنبية عام 1924 ومنها شركة بلفون اوديون عددا من المقامات والأغاني العراقية (يعتبر الحاج يوسف كربلائي اول رائد للتلميع بين القريض والبسة على شكل متقطع وجميل مختلف في ضروبه في المقامات العراقية ومتفق في سياقه في البسته ولعلها تعتبر ظاهرة انفرد بها الحاج يوسف كربلائي بين اقرانه ذلك الوقت)(هامش3).
ولد الحاج يوسف كربلائي وقد عبر عن الحياة التي عرفها صبيا بين ابناء مجتمعه وحياة الناس الذين عاش معهم حياته. وكان الموضوع الذي ألحَّ عليه كثيراً طيلة حياته الفنية، هو التعبير عن هذه الظروف التي عاشها وعايشها وسخرَ منها باسلوب ظريف وفكاهي رصين مع محاولته الالتزام باصول وشروط اداء المقام العراقي كشكل ومضمون غنائي تراثي. وفيما يخص كمية الأنتاج، نجد ان الحاج يوسف كربلائي له مجموعة من تسجيلات الأغاني والمقامات العراقية بصوته لا باس بعددها نسبة الى نتاجات معاصريه. وارى انه يمكنني ان اقول عنه بأنه (مطرب مطبوع). فهو اعتمد نسبيا على الشكل المقامي التقليدي، لكنه ادى هذا الشكل وهذا المضمون باسلوب خاص به تماماً تميز به عن معاصريه من حيث التعابير البيئية ومن حيث الأسلوب الفني الظريف الفكاهي الذي اعتمده. حيث كان وحيدا في هذا الأسلوب..! وعليه فإنه لا يمكننا ان نصفه ضمن اية طريقة ادائية من طرق المؤدين القدماء، بالرغم من انه تعلم منهم الشكل المقامي واستقى التعابير المقامية من بيئته..! لأنه في الحقيقة قد اسس لنفسه طريقة جديدة حقا، ولم يتبع فيها احداً، ولها استقلالية خصوصية اكثر من أي طريقة خاصة اخرى ولأي مؤدٍ كان. ومن ناحية اخرى يمكن ان نضعه في مستوى بعض المؤدين المعاصرين له المعروفين كالمقامي عبد القادر حسون والمقامي محمد العاشق، الا ان هناك فرقا واضحا بين يوسف كربلائي وعبد القادر حسون ومحمد العاشق. فعبد القادر حسون مطرب اصولي يميل باسلوبه الأدائي نحو الطريقة القندرجية، وهو بذلك يهتم بالشكل المقامي وبمضمونه التعبيري. اما بالنسبة الى محمد العاشق فانه قد يتشابه في بعض الصفات بالمطرب الحاج يوسف كربلائي خاصة اهتمامهما القليل بالشكل المقامي، غير ان محمد العاشق يغني المقامات العراقية على هدي الطريقة القبانجية في اسلوب تعابيرها.
ان المقامات والاغاني العراقية التي سجلها الحاج يوسف كربلائي بصوته للشركات الاجنبية، تعتمد غالبا على الاسلوب الفكاهي الكوميدي في طريقة ادائه..! اذ ندرك ذلك عند سماعنا التقطيع الواضح والمتقارب خلال جملة ادائية واحدة. وهكذا يستمر الامر الى نهاية المقام او الاغنية المغناة. وعندما يوغل في الامر، نسمعه يغني بكلام فكاهي ايضا مثل اغنية ياناس.
(ياناس رجلى عمره تسعين سنة/بيضة لحيتة امعفنة وامكَطنة)
(مكروب بيهه وسمه وامدفنّه)
(آه شسوي اوياه المهجوم البيت/نسوان اثنين ويريد ياخذله مرة)
هذه الاغنية التي يعيد ترجمة مقاطعها باللغة الفارسية، وفيها يخرج عن سياق الجدية طلبا لاضفاء الاثارة حول ادائه. في حين نحسُّ في بعض مقاماته التي ابدع فيها ناحية جدّية في الأداء خاصة في المقامات البنجكاه ومقام الدشت ومقام الحجاز غريب. ولنستمع اليه وهو يغني مقام البنجكاه في هذه القصيدة.
(هتف الصبح في الدجى فاسقنيها/خمرة تتـرك الحليم سفيها)
(لست ادري لـــــــرقه وصفاء/هي في كاسـها ام الكاس فيها)
نرى ان الحاج يوسف كربلائي هنا قد ادى الأصول المتبعة في هذا المقام رغم انها سهلة جدا لبساطة اصول هذا المقام الذي يعد من ابسط المقامات العراقية واجملها بنفس الوقت. وفيه يتمتع المؤدي بحرية كبيرة في التصرف. فاذا اصح هذا التفسير، فان امكانية الحاج يوسف تساعده على تحويل هذا المقام الذي غناه بمهارة، الى مجال يؤكد فيه وجود الأبداع او التجديد في تعابير هذا المقام على الأقل من مقاماته واغانيه التي سجلها. ان العلاقة الموجودة بين الحاج يوسف كربلائي ومعاصريه كاجيال متداخلة امثال عبد القادر حسون ومحمد العاشق او غيرهما، تلك الخطوط العامة الموجودة لدى الجميع من تادية الشكل المقامي كاصول لمسارت لحنية تقليدية ولو بنسب متفاوتة. ولكن أسلوب يوسف كربلائي الأعم والمميز عن الجميع، هو تكنيك تلك التقطيعات الموجودة في ادائه بشكل عام للكلمات الشعرية والجمل الأدائية داخل العمل الفني التي توحي على الفكاهه وروح المداعبة التي يحملها الحاج يوسف كربلائي. فخذ مثلا هذه الأغنية.
(واهنا يلـــوعة اهنا/واهنا يبـــــابة اهنا)
(واهنا يبــابة يلولد يبني)
التي ترى فيها الصفات الأدائية التي مر ذكرها قبل قليل. هذا هو التكنيك الأدائي الذي جسّده الحاج يوسف كربلائي ورفعه الى الذروة في المقامات العراقية والأغاني الأخرى التي اداها على هذه الشاكلة، الذي تميز فيه عن الجميع. وهذه الميزة الأدائية تبدو انعكاس لواقعه المعاش.
ان مايضاف الى مميزات الحاج يوسف كربلائي الفنية. هو اداؤه لمجمل اغاني خاصة به، معظمها لم تسمع من غيره، ويعتقد انها من الحانه..! او من الحان غيره. حيث لايوجد دليل مدوّن يثبت حقائق هذه الأغاني التي تعد من الأغاني الجيدة نسبيا في بنائها اللحني والذوقي منها مثلاً اغنية(راح ولفي امنين اجيبه) من مقام البيات. وكذلك الشأن في الأغاني(ياهلال غث جدمك واثنين) واغنية(يايمه لا تنطرين بطلي النطارة) واغنية(وطني وطني) وكذلك اغنية(احرمتني طيب الرقاد) واغنية(ياولفي متكلي بيش روحي الك مطلوبة) واغنيتين اخرى الأولى يبداها بروحية من مقام الخنبات وينهيها ببيات صريح(اكضي وياك والتهي شوية) والأغنية الأخرى من البيات حسيني(ياكلبي اشلون) وهناك اغاني اخرى تكاد تكون وحيدة في الأغاني العراقية التي لحنت من مقام الحجاز غريب وهي اغنية(حبيبي راح وماجانه) والثانية(يا حبيبي يا طبيبي) لا ثالث لهاتين الأغنيتين من هذا المقام..!!؟ وبذلك فان اداؤه للأغنيتين يعد انجازا طيبا حتى لو لم يكن هو ملحنها..! ويذكر ان الحاج يوسف كربلائي قد ادى قبل هاتين الأغنيتين مقام الحجاز غريب الذي يغني فيه هذه القصيدة.
كنت في الزوراء ادعى يوسفا/صرت يعقوبا بارض النجف)
وبحي الكــــــرخ كم من ليلة/تلفـــــت في نغمه العود وفي)
خمــرة مخـــــــــتلفا الوانها/لو سقي ايــــــوب منها لشفي)
كم شربناها وكــــــم من رشأ/قـــــــــــتلت صبا بقده اهيف)
حمبلي الـــــــــــــلحظ الا انه/جعفـــــــري طبعه من حنف)
قسما في حـــــــب من تيمني/وانا في غيـــــــره لم احلف)
رغم ان هذا المقام من حيث شكله او مضمونه، لا يعد مقاما صعب الأداء او صعب الحفظ، الا ان ابتعاد الكثير من المؤدين عن تاديته لأساب غير واضحة على العموم، ما يجعلنا ان نقول ان اداء الحاج يوسف كربلائي لهذا المقام التفاتة جيدة من قبله. اضاف لها الأغنيتين التي تحدثنا عنها قبل قليل والتي هي من صلب هذا المقام، قد زادت من قيمة مبادرته باداء هذا المقام الذي يعتبر مثال جيد على مدى النفع، فالتعبير والأمانه والنغمة وضعت بترتيب ولباقة لتبيان معالم شخصية هذا المقام في حيز مقنع. اما عندما نستمع الى الدشت الذي تحدثنا عنه وقلنا انه جيد من حيث الأداء، بيد ان الغريب في الأمر ان القصيدة المغناة في هذا المقام هي اغرب ما في الأمر..! حيث نراها تشكيلة شعرية مختلطة ومختلفة لا نعرف كيف جمعها الحاج يوسف كربلائي واداها في مقام واحد فالبيت الأول لا علاقة له بالثاني والثاني لا علاقة له بالثالث وهكذا..! اضف الى ذلك بعض من الأبيات صدرها يختلف عن عجزها وكذلك فان الأوزان العروضية مختلفة في معظم الأبيات مارة الذكر حتى لو كان كل بيت على انفراد ..!!؟
ومثل هذا الأمر يؤكد لنا ما قلته في امكنة اخرى سابقة بان الكثير من مؤدي المقام العراقي خاصة في تلك الحقبة الزمنية التي عاصرت هؤلاء المؤدين كانوا اميين سواء في القراءة او الكتابة ومارسوا الأداء بالفطرة وتعلموه شفاها .. على كل حال فيما يلي القصيدة بل الأبيات المختلفة التي غناها الحاج يوسف كربلائي في مقام الدشت
(فلا تسل عن فؤاد الصب حين جوى/يوم الـرحيل بنا هذه النوى)
(فحرام ناديت والدمعمن فوق الخدود جرى)
(استودع الله في بغـداد لي قمرا/في الكرخ من تلك الأزرار مطلعه)
(عشقتك طفـلا حتى اشتهيت/فطورا عــدلت وطورا عبثت)
(فلــما وعاني اليك الرقيب/مــــللت ونــلت وانت القصيب)
(اجيراننا ان صرف الزمان/قــــضى بالــــتفرق امر فكان)
(فردوا فـؤادي فالصبر خان/نعم فخذوا من دموع الأمان)
(فقد قطـــع السيل تلك السبل)
في هذا المثال من الكلام الشعري الغنائي المختلط، نرى ايضا ان في حقبة الحاج يوسف كربلائي الزمنية، كانت التسجيلات المقامية للمؤدين المقاميين بشكل عام منذ ان بدا التسجيل الصوتي بداية القرن العشرين، في احسن حالاتها الادائية واللفظية للقصيدة، ان المؤدين يُلْحِنون بها، عوضا عن ارباكاتها العروضية او نطق الكلمات وادغاماتها للحروف التي لا نستطيع ان نفهم شيء من القصيدة المغناة الا بصعوبة بالغة..!
اما في مقام الهمايون المؤدى من قبل الحاج يوسف كربلائي فانه يعتبر نصرا مقاميا له حيث اداه بهذه القصيدة.
(صب يكاد يموت من الم الجوى/لولا انهـمال عيـونه بالادمع)
(واذا دنا صرت صبا ذكـر الصبا/وليالينا مرت بوادي الأجرع)
(آه على ذاك الزمان وطيـبه/حيث الغضا سكني ومن اهوى معي)
(لا زال ومضى البرق يبكي لوعتي/ولهيـــــبي باذاك الــمريع)
فهذا المقام يعتبر من مقاماته الناجحة اداءً رغم تأكيده على تأدية الشكل والأهتمام به، اكثر من مضمون التعبير عن روحية هذا المقام. اذ اتبع منهجا قائما على التمديد في التوكيد والايجاز في التفصيل. ونستطيع ان نلاحظ في هذا المقام شيئا من الصقل والتهذيب الأدائي للقصيدة المغناة فيه. حيث يتأكد لنا من ان الحاج يوسف كربلائي لديه احساس اصيل وبصيرة نافذة..! فهو المؤدي الذي تمخض عنه ذهن واسع من الخزائن اللحنية وصوت مدرب ومصقول وتعابير خاصة جدا ميزته عن الجميع مما ساعدته ان يشق طريقه خلال الحشد الكثير من المؤدين.
ان صفة الفكاهة التي كانت احدى مميزات الحاج يوسف كربلائي الأدائية، يمكن تأديتها في لحظة اذا كانت هي الهدف، فاذا لم يكن كذلك، وهذا ما يمتاز به الحاج يوسف كربلائي. لأنه على قدر كبير من الوعي بطبيعتها ومعانيها، فان هذا الطريق قد وفر تطورا اكثر يسرا بالنسبة الى الحاج يوسف كربلائي باسلوبه الخاص، في حين لا يوفر مثل هذا المنحى ان وجد لدى بعض المؤدين، أي قسط من التطور والايجاب. واخيرا فقد كان الحاج يوسف كربلائي باسلوبه الساخر الفكاهي هذا، ساخرا وفكاهيا ولكنه جادّا.
هوامش
هامش1: عن كتاب(المقام العراقي) لثامر عبدالحسن العامري.
هامش2: المشهداني ، د.عبد الله ابراهيم ، موسوعة المقام العراقي ، مط باسم ، بغداد 2012
هامش3: الرجب ، الحاج هاشم محمد ، المقام العراقي ، مط الصباح ، ط اولى ، بغداد 1961
مجموعة الصور
صورة 1 / حسين الاعظمي 1969.
صورة 2 / مطرب المقام العراقي يوسف كربلائي.
صورة 3 / افتتاح بيت المقام العراقي 1987 مجموعة من مغني المقام العراقي، من اليمين علي ارزوقي وحسين الاعظمي وعبد الملك الطائي وحمزة السعداوي وعبد المجيد العاني ولطفي الخزرجي وحسن البناء وجابر الربيعي.
صورة 1 / حسين الاعظمي 1969.

صورة 2 / مطرب المقام العراقي يوسف كربلائي.

صورة 3 / افتتاح بيت المقام العراقي 1987 مجموعة من مغني المقام العراقي ، من اليمين علي ارزوقي وحسين الاعظمي – المؤلف – وعبد الملك الطائي وحمزة السعداوي وعبد المجيد العاني ولطفي الخزرجي وحسن البناء وجابر الربيعي (تنشر اول مرة في كتب الاعظمي)
