للذهاب الى صفحة الكاتب   

بين ما يحدث وما يُروى

صالح مهدي محمد

 

 

هناك فرق صغير جدًا… لكنه مزعج للغاية، بين ما يحدث فعلًا، وبين ما يُروى عنه لاحقًا. فرق يشبه الفرق بين شخص يعيش الفوضى وهو يحاول أن يفهمها، وبين شخص آخر يجلس بهدوء ويشرح لك كيف كان يجب أن تُفهم منذ البداية.

في لحظة الحدث، لا أحد يمتلك ترف «الرؤية الكاملة». الجميع داخل الصورة، وليس أحد خارجها بما يكفي ليرسم إطارها. الأمور تحدث بسرعة، وتتغير أسرع، والكثير من الناس يتصرفون وفق ما هو متاح، لا وفق ما هو منطقي. لكن بعد فترة قصيرة جدًا، يظهر نوع آخر من البشر: من لم يكن موجودًا وقتها، لكنه صار يعرف كل التفاصيل بدقة مدهشة.

هؤلاء لا يخطئون أبدًا. يعرفون لماذا حدث ما حدث، وكيف كان يجب أن يُمنع، وما القرار الصحيح الذي كان واضحًا جدًا… لكن، للأسف، لم ينتبه له أحد في حينه. وكأن الأحداث كانت تنتظرهم هم تحديدًا ليقوموا بإعادة شرحها للعالم.

في المقابل، من عاشوا الحدث الحقيقي غالبًا ما يكتفون بالصمت أو الجمل القصيرة: «ما كان واضح»، «الأمور كانت مختلفة وقتها»، «لا أحد يقدر بحكم هسه». لكن صوتهم ضعيف دائمًا أمام قوة السرد اللاحق، لأن السرد اللاحق لديه ميزة مهمة جدًا: أنه لا يضطر أن يكون صحيحًا في لحظة حدوثه.

التاريخ أو الرواية أو حتى «الكلام المتداول» لديه قدرة عجيبة على ترتيب الفوضى. يأخذ المشهد المبعثر، ويعيد تجميعه بطريقة تبدو منطقية جدًا، إلى درجة أنك تبدأ تشك: هل كان الواقع فعلًا بهذا الترتيب؟ أم أننا فقط لا نذكره جيدًا؟

الأطرف من ذلك أن كل حدث كبير يولد فورًا نسختين: نسخة «حدثت فعلًا»، ونسخة «كان من المفترض أن تحدث». ومع الوقت، النسخة الثانية تبدأ بالتضخم بهدوء حتى تكاد تبتلع الأولى تمامًا. يصبح الجميع يتحدث عن «ما كان يجب أن يحدث»، وكأنه هو ما حدث فعلًا.

ثم تأتي المرحلة الأخطر: مرحلة اليقين المتأخر. وهي المرحلة التي يصبح فيها كل شخص خبيرًا في التفاصيل، حتى من لم يكن يعرف أين تقع المدينة وقتها. فجأة، تتكاثر التحليلات، وتظهر الخرائط الذهنية، وتُعاد كتابة النوايا، وكأن البشر كانوا يخططون لما جرى وهم يبتسمون بثقة منذ البداية.

في الحقيقة، ما يحدث دائمًا أبسط وأبشع وأكثر ارتباكًا مما يُروى عنه. لكن البساطة المربكة لا تصلح للسرد، لذلك يتم «تحسينها» تلقائيًا. يُضاف لها منطق، وتُزال منها الصدفة، وتُهذّب حتى تصبح صالحة للاستهلاك العام.

وهكذا نعيش في مسافة غريبة:

نحن داخل الحدث عندما لا نفهمه، وخارج الحدث عندما نفهمه متأخرًا،

وفي كلتا الحالتين… لا نكون في المكان الذي يسمح بالحقيقة كاملة.

ولربما المشكلة ليست في الحدث نفسه، ولا في الرواية عنه، بل في رغبتنا الدائمة أن يبدو كل شيء أكثر ترتيبًا مما هو عليه فعلًا. لأن الفوضى الحقيقية… لا تُحتمل، لكنها حدثت بالفعل.