
القديس الانجيلي متى الرسول
قرداغ مجيد كندلان
الانجيل الاول بحسب ترتيب قانون الاسفار . << وفيما يسوع مجتاز من هناك راى انسانا جالسا عند مكان الجباية اسمه متى. فقال له: «اتبعني». فقام وتبعه .>> (9: 9) قبل ان ينخرط في سلك التلمذة كان القديس متى يسمى "لاوي"، وكان عشاراً ويبدو أنه كان يجمع ضرائب ترانسيت للبضائع القادمة من سوريا عبر بحيرة طبرية واخذ الضريبة لمرورها عبر كفرناحوم – قيصرية على البحر الأبيض، ومنها الى روما وقبرس والاسكندرية. ويقول القديس لوقا إنه بمجرد قبول متى دعوة المسيح: << فترك كل شيء وقام وتبعه>> (لو5: 28). كما تيقن للعلماء أنه كان "رابي" دارسا للتوراة والانبياء والمزامير. (يقرر العالِم البرايت Albright اعتمادا على دائرة المعارف اليهودبة Encyclopaedia The Jewish وعلى قاموس كيتل للعهد الجديد، أن اللاوي في ايام المسيح كان من الطبيعي ان يكون من طغمة الفريسيين، وان يكون متعلما ومن اصحاب العقيدة. ولأن الهيكل في ايام المسيح كان وقفا على الكهنة ورؤساء الكهنة من طغمة الصدوقيين، هذا اجبر جماعة اللاويين ان يبحثوا عن عمل بعيدا عن طقوس العبادة في الهيكل، وهذا يعلل لماذا كان القديس متى يشتغل كعشار للهيئة السياسية خصوصا وانه كان متعلما ويعرف اللغات.)
وقد قدم القديس متى للكنيسة أغلى أسرارها، فكان اول من اعلن سر بتولية ميلاد المسيح بصورة واضحة ومؤكدة. فالمسيح وُلد معقودا عليه اسم الخلاص: << وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم >> (1 : 21). وكانت العذراء وحبلها بالروح القدس أول تسجيلات قديس متى التي أسندها الى نبوة اشعياء (7 : 14)، فكانت أول علامات العهد الجديد البارز والأساس الثابت لبناء لاهوت الخلاص. ثم تأتي بعدها رواية مجيء المجوس ورواية الهروب الى مصر لتعطي صورة حية لطفولة الرب يسوع. كما اهتم باستفاء كل اخبار القيامة وظهورات الرب واستيعابه لكل تعاليم المسيح الأخلاقية التي سعى اليها حتى جمعها معا في ثلاث اصحاحات كاملة: الخامس والسادس والسابع معا، في عظة المسيح المشهورة التي القاها على الجبل في بكورة خدمته. فالمسيح في اعطاء الطوبى لا يوزعها على اصناف من الناس. مساكين وجياع وعطاش وحزانى بالروح، ولكن يعطيها لمواطن الملكوت حينما يرتقي الى حال المسكنة بالروح او الجوع او العطش او الاضطهلد والطرد من اجل الملكوت، مهما كان حاله في الدنيا من فقر او غنى!! فالذي لا ينبغي ان يخطيء فيه القاريء ان عظة الجبل عند الانجيلي متى هي اولا واخيرا لمواطن الملكوت! الانسان النازح من الارض نحو الله يطلب وجهه، يجوع ويعطش إليه، ويبكي ويحزن مع انه ليس في الارض كلها ما يحزنه او يبكيه!! فالعظة لا تدعو الى الفقر والحرمان والجوع والحزن والبكاء لاسترضاء الله، حاشا، إنها تكون رجعة ضد المسيحية والانجيل الذي يقول: << افرحوا في الرب كل حين واقول ايضا افرحوا >> (في 4:4). هنا لا ينبغي أبدا ان نخلط اعمال الارض باعمال الروح، فاعمال الارض للارض واعمال الروح للروح. فالذي يتمسكن بالجسد بإرادته من اجل الجسد لينال نصيبا اوفر ليس له في الدنيا مكان، شحاذ هو ونصاب، ومن يبكي ليستر عطف الآخر ضعيف هو ومستضعف ونصيبه منهوب. ولكن الذي يتمسكن بالروح من اجل الروح فله الملكوت، ومن يبكي بالروح من اجل الروح فبالروح يتعزى ويد الله بالنهاية تمتد لتمسح دموعه.
وحينما أعطى المسيح الطوبى للودعاء والرحماء وانقياء القلب وصانعي السلام، فهذه هي صفات مواطن الملكوت. والمسيح مما للمسيح يأخذ ويوزع مجانا أنصبة لبني الملكوت. فهو لا يطالب بأكثر مما يعطي. والمسيحية يتحتم ان يتوفر فيها هذه كلها لأنها تدعو الى الملكوت وتنتهي إليه. فعظة الملكوت هي منهج المسيحية ومفردات الكنيسة.
يمتاز انجيل القديس متى بالترتيب المنهجي حسب خطة سابقة ملأت افكار الكاتب واسماعه ودراساته فيما سمع وقرأ وجمع، فقد وضع في نفسه أن يقدم شخص يسوع على انه مسيا الأنبياء وابن داود، وريث مملكة داود الأبدية بحسب نبوات الأنبياء ومن واقع المزامير، مما قاله المسيح وعلم. انجيل متى تكميل النبؤات، صفحاته كلها مقروءة على اصولها الأولى من التكوين حتى ملاخي. وكأن المسيح قد جاء ليحيي الماضي كله بكل عهوده ووعوده، بكل أسفاره وتعاليمه وأقواله، وصدق سفر الرؤيا في قول الملاك: << فإن شهادة يسوع هي روح النبوة .>> (رؤ 19: 10). كذلك يلتزم الانجيلي متى بلقب ابن داود في مواضع كثيرة من حياة المسيح ليؤكد هذا الهدف الأوحد (15: 22 و20: 30 و21: 9 و21: 15). والمجوس جاءوا خصيصا ليسجدوا لملك اليهود المولود! << أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له >>. (2: 2) ، وموكب الدخول الملكي لأورشليم كان تحقيقا لنبوة زكريا (9: 9) مجيء ملك اسرائيل وديعا راكبا على جحش ابن أتان (21: 5)، وامام بيلاطس يقبل المسيح لقبه كملك ويدافع عن صحته (27 : 11)، وعلى الصليب يوضع عنوانه ملك اليهود (27: 37)، ولما وقف المسيح على الجبل ليعظ كان يلقي عظته بنطق الملك: << أما أنا فأقول >> ، في مقابل ما قاله موسى في التوراة والناموس (5: 22 و28 و32 و34 و39 و44). يضاف الى ذلك إعلانه الملكي النهائي: << دُفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الارض، فأذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الاب والابن والروح القدس، وعلموهم ان يحفظوا جميع ما اوصيتكم به، وها انا معكم كل الايام الى انقضاء الدهر امين >> (28: 18-20). وهكذا سلم المسيح الرسالة لتلاميذه، وبالتالي للكنيسة، كشهود لشخصه وتعليمه وملوكوته.
القديس متى أكثر انجيلي قدم الامور الاخروية، واستعلان ما سيكون فيها بصورة واضحة قوية تكشف عن اهتمامه الخاص بهذه الايام التي سيظهر فيها المسيح ثانية في نهاية العالم، وكذلك اهتمامه بالدينونة. وفي الاصحاح (24) ينقل لنا سرد المسيح لأخبار الأيام الأخيرة بالتفصيل أكثر من اي انجيل اَخر . كما قدم ثلاثة أمثال عن كيفية المحاكمة في اليوم الاخير في مثل الوزنات (25: 14- 30)، وفي مثل العذارى الحكيمات والجاهلات (25: 1- 13) ، ومثل الخراف والجداء (25: 31 – 46).
القديس متى ذهب كارزا الى اثيوبيا ثم ذهب الى مكدونية وكثير من بلاد اسيا الصغرى. على ان كرازته كانت بين اليهود وكان حاملا بيده إنجيله الذي كتبه باللغة العبرية، ومات شهيدا، وقد تسجل ذلك في تأريخ الشهداء الروماني حيث ذكر يوم استشهاده في 21 سبتمبر.
ويقرر العالِم ستريتر ان انجيل متى قُبل في روما رسميا سنة 119م بحسب التطور الذي مر به لتقنين قوانين الاسفار المقدسة في روما في مجمع خاص، واعتبر انجيلا رسوليا وذلك بناء على شهادة كنيسة انطاكية.
في الختام إن تركيز القديس متى على تعليم وشرح أقوال المسيح وتقسيم إنجيله ليسهل التعليم به وحفظه، في ظننا لا يقوم من فراغ، فالقديس متى نفسه يذكر حادثة في غاية الاهمية وجديرة جدا بالانتباه وهي في صميم التعليم والتعلم. إذ في الاصحاح 13 الاية 52 بعد ان قدم المسيح امثاله لتلاميذه وللجموع وقف المسيح واستدار نحو تلاميذه وقال لهم: << أفهمتم هذا كله؟ فقالوا نعم ياسيد. فقال لهم: من اجل ذلك كل كاتب متعلم في ملكوت السموات يشبه رجلا رب بيت يُخرج من كنزه جددا وعتقاء>>. ولكن الكلمة الاساسية التي تسترعي انتباهنا جدا هي قوله: (كل كاتب) فهنا يؤسس المسيح من تلاميذه واولاده نظام الكتبة، اي حكماء التورات المدعوين دكاترة اللاهوت، يحفظون الانجيل عن ظهر قلب كما كان الكتبة يحفظون التوراة تماما، مضافا اليه كل نبوات العهد القديم التي تلقي ضوءً على صدق ما تم للمسيح وبالمسيح.
ثم لوعدنا الى واقعنا الآن بعد الفي سنة من نداء المسيح هذا، نسأل هل وُجد هؤلاء الكتبة المسيحيون يحفظون الانجيل عن ظهر قلب أو على الاقل يُخرجون من كنوزه جدداً وعتقاء للكنيسة؟
