للذهاب الى صفحة الكاتب   

الاشوريون في التاريخ- الحلقة 42

هل انقرض الاشوريون بعد سقوط دولتهم؟

يعكوب ابونا

 

  اولا يجب أن نفرّق بين انقراض الدولة الآشورية وبين انقراض الشعب الآشوري. والخلط بين الاثنين هو أصل كثير من الالتباس.

في سنة 612 ق.م. سقطت نينوى بيد المتحالفين ضد اشور البابليون والميديون التابعين سابقا لبلاد أشور، بالاضافة الى اقوام اخرى كانت تسعى لنيل حريتا من حكم اشور .

  بعد سقوط نينوى والانقضاء على اي مقاومة فيها، فقتلوا الشخصيات المعروفة من قادة عسكريين ورجال الدين واصحاب نفوذ، واما سكان المدن تركت في اماكنها ونقلت اخرين الى القرى البعيدة "ص 37 من كتاب الشرق الاوسط، المؤلف لي ستربج .ج . جامعة كمبرج".

 

 وخرجت المقاطعات من نير حكم الاشوريين، فقسم ارث الامبراطورية الاشورية بين المنتصرين، فاستولى الميدين على بلاد اشور من بابل شمالاً صعوداً لغرب دجلة وشرق الفرات ـواما البابليين نبوبلاسر فقد اخذوا حصتهم من الارث الاشوري، فكانت بابل وجنوبها وغرب الفرات وسوريا وفلسطين ومصر.

وبعد ذلك بثلاث سنوات 609. ق.م قام نفس المتمردون ثانية بتدمير العاصمة الآشورية الغربية «حران» التي كانت اخر معقل من معاقل المقاومة لملك آشور الأخير أشور اوبَلُيط الثاني. بهذا الحادث ختم مصير الإمبراطورية الآشورية في الكتب التاريخية..

 ويذكر ب. ك. ارسانيس في كتابه تاريخ الاشوريين ص6 سنة 1922، بان فترة تحطيم اشور تمكن قسم من الاشوريون من انقاذ انفسهم بالاحتماء في جبال المستعصية لاشور، لاعوام طويلة، وفي مؤلفه الاخر نفس المؤلف سقوط اشور ص6 لسنة 1952 بان سقوط الدولة الاشورية لم يقض على الاشوريين فقسم منهم هرب الى الجبال اشور مثل جبل مقلوب وسنجار وان عشرة قادة من الجيش الاشوري مع عساكرهم توجهوا الى مدينة نصيبين وهناك في منطقة مدينة "اورفا" الحالية اسسوا دولة جديدة سميت "عسرايا" "اي غشرة" وفيما بعد اصبحت تدعى اوسترينا."

 واميرة منشي مؤرخ اشوري يقول تكمن قسم من الجيوش الاشورية المحاصرة  من اختراق العدو والهرب الى اشور الجبلية حيث كان هناك العديد من القلاع المحصنة. "وهذا يطابق ما جاء بالاصحاح الثالث: 18 سفر ناحوم الالقوشي" نعست رعاتك ياملك اشور اضطجعت عظماؤك تشتت شعبك على الجبال ولا من يجمع"..

 وطه باقر، «مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة»، ج1، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة «آفاق عربية»، 1986.

وفي ص 583–585 يتحدث عن خصائص الحضارة الآشورية، ثم يقول في ص 585 إن الآشوريين «حتى من بعد سقوطهم السياسي وزوال دولتهم تفرقوا واختلطوا بالشعوب المجاورة، فاستخدم الفرس الأخمينيون الكثير من أصحاب الحرف والمهن والفنانين الآشوريين"..

اذاً الآشوريين لم يبيدوا بعد سقوط نينوى؛ بل تفرقوا واختلطوا واستمر بعضهم في أداء أدوار ومهن في ظل الإمبراطوريات اللاحقة..

 

نلاحظ طه باقر يتحدث عن انتهاء الكيان السياسي الآشوري، لا عن إبادة الانسان آلاشوري،.

وفي عرضه للعصر الآشوري الحديث يقول إن هذا العصر انتهى بـسقوط نينوى سنة 612 ق.م.. ونهاية الكيان الآشوري السياسي".

 يقول الآثاري وعالم اللغات السامية هاري دبليو.إف.ساكز في كتابه القيّم (جبروت آشور):

 "إن تدمير الامبراطورية الآشورية لا يعني محو سكانها. لقد كان هؤلاء السكان في غالبيتهم فلاحين، وطالما أن بلاد آشور تحتوي على أراض زراعية هي الأخصب في منطقة الشرق الأدنى، فان أحفاد أولئك الفلاحين الآشوريين، كانوا كلما سنحت لهم الفرصة، يُشيدون قرى جديدة على أنقاض العظيمة،

 كما يؤكد العالم الاثري الانكليزي الشهير أوستن هنري لايارد الملقب بـ (أبو الآشوريات) في  ص 85 و190 و 191 من كتابه (نينوى وبقاياها)

أن النساطرة أتباع كنيسة المشرق الآشورية والكلدان الكاثوليك الذين أنشقوا عن هذه الكنيسة والمسيحيين اليعاقبة هم سليلو الآشوريين..."..

 

 سنتابع البحث بموضوعية انقراض الاشوريون خصوصًا من الفترة بين القرن السادس قبل الميلاد والقرون الميلادية الأولى.

أولًا: بعد سقوط نينوى مباشرة

سقوط نينوى سنة 612 ق.م

لم يكن نهاية وجود السكان الآشوريين في بلاد آشور. الدليل الأثري المهم هو دراسة ستيفاني دالي- ستيفاني دالي، «نينوى بعد سنة 612 ق.م.»

(Ninevehafter 612 BC)، مجلة AltorientalischeForschungen، المجلد 20، العدد 1، 1993، ص 134–147

دراسة عن نينوى في العصر الأخميني تقول بوضوح إن الأدلة على الاحتلال بعد 612 ق.م محدودة، لكنها كافية لإثبات وجود استيطان في الموقع بعد سقوط الدولة الآشورية، ثم تصبح الأدلة على الاستيطان في العصرين الهلنستي والفرثي أوضح بكثير وهذا وحده يجعل الامر اكثر قبولا ويكون الامر غير واقعي وغير دقيق "بان انقرض الآشوريون سنة 612 ق.م ...

________________________________________

ثانيًا: القرن السادس قبل الميلاد — اسم آشور لم يختفِ

لدينا هنا مصدر مهم جدًا

سيمو باربولا، «الهوية القومية والإثنية في الإمبراطورية الآشورية الحديثة والهوية الآشورية في عصر ما بعد الإمبراطورية»

(National andEthnic Identity in theNeo-Assyrian Empire andAssyrian Identity in Post-Empire Times)،

مجلة الدراسات الأكاديمية الآشورية، المجلد 18، العدد 2، 2004.

المقال يمتد من ص 5 إلى 22 يقول باربولا؟ في ص 19 من المقال، يذكر أن السلطة السياسية الآشورية انتهت، لكن السكان والثقافة والدين الآشوريين استمروا. كما يشير إلى أن الإمبراطورية الأخمينية أنشأت إقليمًا باسم Aθūrā

«آشور»، وأن سكانه ظلوا مرتبطين بالاسم الآشوري وهذا مهم جدًا لأننا نتحدث هنا عن بعد سقوط الدولة بقرون ومصير الاشوريين.

كما يذكر باربولا أن الفترة الأخمينية التي استمرت نحو سنوات أبقت «آشور» ككيان جغرافي وسياسي على الخريطة.

هذه أدلة على وجود واستمرار سكان وثقافة وتقاليد مرتبطة بآشور، وان اختلف الباحثون في مقدار الاستمرارية بين «الهوية الآشورية القديمة» والهويات اللاحقة

 

ثالثًا: العصر الهلنستي — «آشور» ما زالت موجودة في المصادر

بعد الإسكندر المقدوني، لم تختفِ تسمية آشور من المصادر.

باربولا يذكر في ص 20 أن مملكة السلوقيين كانت تُسمى «آشور» في بعض المصادر، ومنها مخطوطات البحر الميت والتلمود البابلي، وأن يوسيفوس استخدم .«مملكة الآشوريين». تعبير وطبعا هذا لا يعني أن الدولة السلوقية كانت دولة آشورية بالمعنى نفسه الذي كانت عليه إمبراطورية آشور الحديثة. بل يعني أن اسم آشور ظل مستخدمًا جغرافيًا وتاريخيًا، وأن الذاكرة السياسية والجغرافية لآشور لم تختفِ.

 

رابعًا: القرن الأول قبل الميلاد — مملكة حدياب/ أديابيني

وهذه نقطة مهمة ، عندما نتحدث عن ملكة أديابيني (Adiabene) التي ظهرت في شمال بلاد الرافدين، وكان مركزها في منطقة آشور القديمة، وارتبطت خصوصًا بأربيل ونينوى.

تذكر الموسوعة الإيرانية في مقال «آشور، الجزء الثالث: آشور الفرثية»

(ASSYRIA iii. ParthianAssur) ، ص 816–817،

أن مدينة آشور القديمة استعادت أهمية خلال القرون السابقة للميلاد وبدايات العصر الميلادي، وأن المنطقة دخلت ضمن النفوذ الفرثي، بينما أصبحت أديابيني مملكة تابعة للفرثيين.

أما الدراسة الأثرية الحديثة ماتشيي غرابوفسكي، «عبديسار ملك أديابيني ونقش/ نحت باتاس-هرير»

(Abdissares of Adiabeneand the Batas-Herir Relief)،

فتضع أديابيني في منطقة ما يسمى بـ«المثلث الآشوري»، بين الزاب الصغير ودجلة، وتوضح أن المصادر اليونانية والرومانية تعطينا معلومات عن ملوك أديابيني في الفترة السلوقية والفرثية.

 

خامسًا: المصادر الرومانية تقول إن أديابيني كانت آشور

هناك بحث أكاديمي متخصص بعنوان «أديابيني السلوقية– الفرثية في ضوء النصوص الجغرافية والإثنوغرافية القديمة»

(Seleucid-Parthian Adiabene in the Light of Ancient Geographical and Ethnographical Texts).

يحلل نصوص المؤرخين والجغرافيين القدماء.

ويجب ان نلاحظ نقطة مهمة جدًا في ص 197 وما بعدها من الدراسة: بليني الأكبر يقول إن أديابيني كانت تُسمى قديمًا آشور، كما يربط كاسيوس ديو أديابيني بمنطقة آشور ونينوى, وبحسب كاسيوس ديو، كانت أديابيني منطقة من آشور بالقرب من نينوى.

 يجب ان نعلم بان هذه ليست رواية آشورية حديثة؛ إنها تسمية في مصدر كلاسيكي قديم، يمكن الرجوع اليها " مخزن الملفات. (Best and enopslag)

وما يعزز ذلك عندما تصبح الصورة أكثر إثارة للاهتمام بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية بحوالي خمسة قرون، ما زالت المصادر الرومانية تربط المنطقة حول نينوى وأربيل باسم آشور

________________________________________

سادسًا: مملكة آشور في مدينة آشور نفسها

والأهم من ذلك مدينة آشور (Aššur) نفسها.

باربولا، في ص 21، يذكر أن

•   أسماء الأشخاص في آشور والحضر في القرن الثالث الميلادي كانت لا تزال تحمل طابعًا آشوريًا.

•   كانت آلهة مثل آشور، شيروا، عشتار، نانايا، بل، نابو ونرغال تُعبد في آشور حتى أوائل القرن الثالث الميلادي.

•   أُعيد ترميم معبد آشور في القرن الثاني الميلادي.

•   استمر التقويم الديني المحلي.

•   وتشابهت مسلات الحكام المحليين مع نماذج الملوك الآشوريين القدماء وهذا دليل أثري/ ديني بالغ الأهمية.

فنحن لا نتحدث هنا عن مجرد ذكر اسم آشور في كتاب يوناني بل عن مدينة آشور نفسها، وعبادة الإله آشور، ومعبد آشور، وأسماء سكانها، وتقويمها الديني بعد سقوط الإمبراطورية بعدة قرون.

 

سابعًا: حتى القرن الثاني الميلادي نجد أشخاصًا يصفون أنفسهم بالآشوريين.

هذه نقطة تستحق الانتباه لانها تكشف حقيقة ما نحن نحاول الوصول الى معرفته.

باربولا يشير في ص 21 إلى الكاتب لوقيان السميساطي والكاتب تاتيان في القرن الثاني الميلادي، ويقول إن كليهما استخدم وصف نفسه "اشوري"..

 ان مسألة استعمال «آشوري» و«سوري/ سرياني» في المصادر اليونانية والرومانية ان نظر اليها البعض بشكل معقدة، الا انها في حقيقة الامر لا تستحق كل هذا التعقيد، لان الاسم هو ذاته ومدلولاته اللفظية بترجمات اجنبية ترمي الى اصل واحد هواسم الاشوري.

 

ثامنًا: القرن الرابع الميلادي وما بعده

مع انتشار المسيحية حدث تحول هائل في هوية سكان المنطقة.

اللغة الدينية والأدبية أصبحت السريانية، والهوية الدينية أصبحت مسيحية، بينما بقيت عناصر من التراث الآشوري القديم في الثقافة والذاكرة والأسماء والجغرافيا.

باربولا يذكر في ص 21–22 استمرار التقاليد الآشورية، ثم يصف انتقال السكان تدريجيًا إلى المسيحية، ويشير إلى استمرار آثار الديانة القديمة في بعض المناطق لفترات طويلة.

ويجب ان ننتبه الى نقطة مهمة جدًا عندما تحول الدين في اشور من عبادة آشور إلى المسيحية لا يعني هذا اختفاء السكان أو انقطاع كل عناصر الهوية والثقافة الاشورية.. بل بقت مستمرة مع بقاء هذا الشعب بدليل اننا لحد الان نعيش الكثير من عناصر الثقافة الاشورية من العادات والتقاليد والزي الاشوري . وغيرها التي لازالت حيا في ذاكرتنا. وهذا يثبت وحده استمرار «الهوية الآشورية» بكل معناها القديم.

________________________________________

تاسعًا: ماذا يقول البحث الأكاديمي الحديث؟

 هناك كتاب مهم جدًا صدر حديثًا

جوناثان فالك، «الآشوريون القدماء: الهوية والمجتمع في العصور القديمة وما بعدها»

(Ancient Assyrians: Identity and Society in Antiquityand Beyond)،

 جامعة كامبريدج، 2025 338، طبعة صفحة. (University of Helsinki Research Portal)

في هذا الكتاب نجد أن فالك لا يتعامل مع الهوية باعتبارها شيئًا جامدًا لا يتغير بل نجده الفصل الأول، «المقدمة»، الصفحات 1–16، يناقش تحديدًا مشكلة فهم «الهوية الآشورية» وكيف تغيرت عبر الزمن

. (Cambridge University Press)

هذه الدراسة تساعدنا على صياغة المسألة بطريقة أكثر علمية. ويكون السؤال: هل اختفى الآشوريون؟

وكيف تغيرت هوية سكان آشور عبر الانتقال من الدولة الآشورية إلى الفارسية ثم الهلنستية والفرثية والرومانية والمسيحية؟

 وسوف نكمل الحديث عن انقراض الاشوريين في الحلقة القادمة. انشاء الله ..

يعكوب ابونا.............. 25 /9 /2026