
قراءة لوبونية في زمن السوشيال ميديا
محمد الربيعي
لا أذكر كم مرة أعدت قراءة «سيكولوجية الجماهير» لغوستاف لوبون. إنه من الكتب التي لا أنهيها مرة واحدة، بل أتركها على طرف الطاولة، وأعود إليها بين الحين والآخر، أفتح صفحة عشوائية، أقتبس منها حكمة، ثم أكتشف أن الزمن لم يغير شيئا في البشر، لكنه غير الأدوات فقط. أحيانا أظن أن لوبون كتب هذا الكتاب وهو ينظر في هاتفي. لذلك أكتب هنا محاولة قراءة جديدة، لا لألخصه، بل لأرى كيف يسكن الخوارزمية.
لم يكن غوستاف لوبون في "سيكولوجية الجماهير" يكتب عن الحشود بقدر ما كان يكتب عن اختفاء الفرد داخلها. فالجمهور في عدسته ليس مجموع أفراد، بل كائن نفسي جديد له عقل خاص، ومشاعر خاصة، وقوانين خاصة. ويمكن تفكيك أهم أفكار الكتاب عبر ثلاث تحولات تصنع ما يسميه "روح الحشد".
الاندماج والتحول الذاتي
أول ما يحدث عند انضمام الفرد إلى الجمهور هو تلاشي الشخصية الواعية. الذكاء والثقافة والأخلاق والحذر… كلها تتراجع، وتطفو على السطح الغرائز البدائية المشتركة. الطبيب والجاهل في هذه اللحظة يصبحان على درجة واحدة من التفكير.
يتشكل هنا "عقل جمعي مؤقت" لا يشبه عقول الأفراد الذين كونوه. وكان الجمهور كائن جديد يولد من رحم الذوبان. ثم تأتي العدوى النفسية: تنتقل المشاعر والأفكار بسرعة تشبه التنويم المغناطيسي، فيضحي الفرد بمصلحته الشخصية من أجل الجماعة، لا عن قناعة عقلية، بل عن انجذاب نفسي.
وهنا يلتقي لوبون بفرويد، الذي كتب في "تحليل الأنا وسيكولوجية الجماعة" ان الفرد داخل الجماعة ليس هو الفرد وحده، إن العاطفة تعدي، والتفكير العقلاني يتضاءل بمجرد أن يجد المرء نفسه وسط حشد.
أنا أرى أن هذا الوصف يبدو قاسيا، لكنه يفسر لماذا يتحول إنسان مهذب إلى معلق هجومي لمجرد أن اسمه صار مخفيا خلف حساب.
الآليات العقلية للجماهير
الجمهور لا يفكر بالمنطق، بل بالصور. لا يقتنع بالحجج والبراهين، بل بالصور البصرية الصادمة والخيالات البسيطة. لهذا تنجح الشعارات أكثر من البيانات، والمشاهد أكثر من التحليلات.
ومشاعر الجمهور دائما بسيطة ومضخمة. إعجاب مطلق أو كراهية مطلقة. لا مكان للشك ولا للتردد. ومن هنا يأتي التطرف والدوغما. الجماهير تطالب بالامتثال التام، وتعبد القوة، وتعتبر التسامح ضعفا. إنها لا تريد أن تفهم، بل أن تنتمي وتصدق.
في تقديري، هذه أخطر فكرة في الكتاب. لوبون لا يهاجم العقل، بل يرسم حدود قدرته أمام العاطفة. ويسير إريك فروم في الاتجاه نفسه حين كتب في "الخوف من الحرية" انه "حين تفكر الجماعة، فإنها لا تفعل ذلك بالعقل، بل بالصور والعواطف البدائية".
هندسة التلاعب السحرية
القادة الناجحون وفق لوبون لا يقنعون الجماهير منطقيا، بل يستخدمون ثالوثا سايكولوجيا:
التأكيد المجرد: إطلاق شعارات قوية ومختصرة خالية من الدليل والبرهان.
التكرار المستمر: تكرار الشعار حتى يستقر في العقل الباطن ويصبح حقيقة لا تقبل النقاش.
العدوى السلوكية: خلق نموذج حركي أو عاطفي يقلده الجميع تلقائيا.
بهذه الأدوات يتحول الخطاب إلى سلطة، والسلطة إلى طاعة، والطاعة إلى حشد أعمى.
لست ممن يرى أن كل قائد ساحر شرير، لكن التاريخ يعلمنا أن السحر السياسي عندما ينفصل عن المسؤولية يصبح صناعة عبيد طائعين.
من ميدان الثورة إلى "فيد» feed التيك توك
اليوم ينطبق هذا التحليل على جماهير السوشيال ميديا بدرجة مذهلة. فالهاشتاغ هو "التأكيد المجرد". والترند هو "التكرار المستمر". والميم أو الفيديو القصير هو "العدوى السلوكية". الخوارزميات لا تحتاج إلى إقناعك، بل إلى إبقائك غاضبا أو مندهشا أو منتميا. وهكذا يتشكل "عقل جمعي مؤقت" فوق المنصات، إما معنا أو ضدنا، إما بطل أو خائن.
هنا يبدو لوبون متنبئا لا محللا. وفي زمننا، الخوارزمية لا تنقل المحتوى فقط، بل تصنع مزاج الجمهور وتغذي انقسامه.
القادة السياسيون يستخدمون الوصفة نفسها: شعار انتخابي قصير، تكرار يومي، صورة عدو، واستدعاء عاطفي للخوف أو الفخر. ورجال الدين حين يتحول الخطاب إلى تعبئة لا توعية، يستخدمون الآليات ذاتها من خطاب ديني مؤثر وتكرار الطقوس والصور ونموذج قدوة يقلد وثنائية خلاص اوهلاك.
ليست الأدوات شريرة بذاتها. لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول الجماهير إلى أدوات، وعندما يذوب الفرد في الحشد دون أن يدري. لوبون لم يمت، إنه يسكن الخوارزمية. والسؤال اليوم ليس: هل ينطبق تحليله؟ لكن بصورة اخرى كيف ننتمي إلى الجماعة دون أن نفقد وعينا الفردي؟
أنا أحب هذا الكتاب، لكني لا أقدس لوبون. فيه نبرة نخبوية، وفيه احتقار للجماهير، ومع ذلك يظل مرآة صادقة. المشكلة ليست في الجماعة، بل في الذوبان الأعمى. والحل ليس العزلة، بل الوعي.
