
تصريحات سموتريتش "من تقويض أوسلو إلى محاولة إعادة هندسة الواقع السياسي"
بروفيسور حسين الديك
تكشف تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن الضفة الغربية عن انتقال الخطاب السياسي الإسرائيلي من الدعوة إلى توسيع الاستيطان وفرض السيادة الإسرائيلية إلى طرح أكثر مباشرة يتعلق بتفكيك البنية السياسية التي نشأت عن اتفاق أوسلو، ففي تصريحات حديثة دعا سموتريتش إلى شن حرب في الضفة الغربية على غرار ما جرى في غزة، وإلى تفكيك السلطة الفلسطينية، بينما كان قد أعلن في وقت سابق أن اتفاق أوسلو أصبح، من وجهة نظره، باطلا وأن مناطق (أ) و(ب) في الضفة تقع ضمن ما يعتبره أرضًا إسرائيلية.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها لا تأتي في فراغ سياسي، وإنما في ظل تدهور متواصل في الضفة الغربية، وتصاعد الاستيطان وعنف المستوطنين والتهجير، وأزمة مالية ومؤسسية تعاني منها السلطة الفلسطينية. وقد وصف تقرير منسق الأمم المتحدة الخاص بعملية السلام في الشرق الأوسط الوضع في الضفة بأنه يشهد تدهورًا سريعًا، مع استمرار التوسع الاستيطاني والعنف والنزوح والضغوط المتزايدة على قدرة السلطة الفلسطينية المؤسسية.
ما الذي يعنيه استهداف السلطة الفلسطينية؟
السلطة الفلسطينية ليست مجرد جهاز إداري محلي؛ فهي إحدى النتائج السياسية المباشرة لاتفاق أوسلو، وأصبحت خلال العقود الثلاثة الماضية إطارًا مؤسسيًا لإدارة قطاعات واسعة من الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية، لذلك فإن الدعوة إلى تفكيكها تحمل معنى يتجاوز تغيير حكومة أو إعادة ترتيب مؤسسات. فهي تعني، في جوهرها، إعادة النظر في النموذج السياسي الذي نشأ بعد أوسلو.
ولهذا فإن الحديث عن تفكيك السلطة لا يمكن فصله عن سؤال أوسع يتعلق بمستقبل العلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي والسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية.
أوسلو في مرمى الاستهداف
إعلان سموتريتش أن أوسلو باطل ليس مجرد موقف أيديولوجي منفصل، خصوصًا أنه يترافق مع دعوته إلى إخضاع مناطق الضفة التي تتمتع السلطة فيها بدرجات مختلفة من الصلاحيات للسيطرة الإسرائيلية. وقد نقلت وكالة الأناضول عن تصريحاته أن مناطق (أ) و(ب) أيضًا لنا، في موقف قال إنه يختلف فيه مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وهذا يفتح الباب أمام قراءة جوهرية: هل نحن أمام محاولة لإنهاء أوسلو سياسيًا وترك ترتيباته القانونية والمؤسسية تتآكل تدريجيًا على الأرض؟ فأوسلو قام، من الناحية العملية، على فكرة تقسيم مؤقت للصلاحيات والأراضي وترتيبات أمنية ومدنية انتقالية. وكلما توسعت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو الاستيطانية، وتقلصت صلاحيات المؤسسات الفلسطينية، أصبح الإطار الذي أنتجه أوسلو أقل قدرة على الاستمرار بوصفه أساسًا سياسيًا وبالتالي، فإن الصراع هنا ليس فقط على الأرض، بل على النظام السياسي الذي يحكم الأرض.
نموذج غزة كتصور للضفة
الأكثر إثارة للقلق في تصريحات سموتريتش هو استخدام غزة كنموذج لما ينبغي فعله في الضفة، فقد دعا إلى شن حرب هناك وتفكيك السلطة، كما تحدث عن القضاء على البنية التحتية المسلحة وجمع الأسلحة، في إطار تصوره لتكرار العمليات التي نفذها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة من الناحية السياسية يعني ذلك انتقال النقاش من إدارة الصراع إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الفلسطينية بالقوة.
فالضفة الغربية تختلف جذريًا عن غزة من حيث الجغرافيا والسكان والبنية السياسية والأمنية والاقتصادية، ولذلك فإن نقل نموذج عسكري من قطاع غزة إلى الضفة ستكون له تداعيات واسعة على المدن والمخيمات والاقتصاد والحركة اليومية والمؤسسات الفلسطينية.
لماذا تمثل الأجهزة الأمنية الفلسطينية نقطة مركزية؟
الحديث عن تجريد الأجهزة الأمنية الفلسطينية من سلاحها أو تفكيك قدرتها لا يتعلق فقط بالجانب الأمني، بل يرتبط بمستقبل السلطة نفسها، فإذا جرى إضعاف مؤسسات الأمن الفلسطينية بصورة كبيرة، فإن أحد أهم عناصر قدرة السلطة على ممارسة صلاحياتها في مناطق نفوذها سيصبح موضع شك. ومن هنا يمكن أن ينشأ مسار متدرج يبدأ من إضعاف المؤسسات و تراجع القدرة على الحكم الى اتساع الفراغ الأمني والإداري وزيادة التدخل الإسرائيلي وصولا الى إعادة تعريف طبيعة السيطرة على الضفة.
الاستيطان والضم بوصفهما البعد الآخر للمشروع
لا ينبغي قراءة تصريحات سموتريتش بصورة منفصلة عن سياسات الاستيطان والسيطرة على الأراضي فهو مستمر في سياسة التصعيد واستخدام أدوات التخطيط والمسح والاستيلاء على الأراضي في شمال ووسط الضفة بهدف توسيع المستوطنات وتثبيت السيطرة عليها وهنا يظهر الترابط بين المسارين مسار السيطرة على الأرض ومسار ، إضعاف المؤسسات الفلسطينية .
ومن هنا فان توسع المستوطنات والسيطرة الإسرائيلية على الأراضي، بينما تراجعت قدرة السلطة على ممارسة الحكم، فإن النتيجة قد تكون نشوء واقع جغرافي وسياسي مختلف عن ذلك الذي افترضته ترتيبات أوسلو.
التداعيات على مستقبل السلطة الفلسطينية
إذا تحولت هذه التصريحات إلى سياسة حكومية فعلية، فإن السلطة الفلسطينية ستواجه أحد أكثر الاختبارات جوهرية منذ تأسيسها، فالسيناريوهات المحتملة تتراوح بين استمرار السلطة في ظل صلاحيات متناقصة، وإعادة تعريف وظائفها، وصولًا إلى مواجهة محاولة تفكيكها أو تجاوزها.
وفي المقابل، فإن انهيار مؤسسات السلطة بصورة كاملة قد يخلق فراغًا إداريًا وأمنيًا واسعًا، وليس بالضرورة نظامًا سياسيًا فلسطينيًا بديلًا جاهزًا. ولذلك فإن أي خطوة من هذا النوع ستكون لها آثار مباشرة على السكان والخدمات والاقتصاد والأمن والحياة اليومية.
