
أيام السيادة المتعددة في العراق
د. رياض السندي
دكتوراه في القانون الدولي
- خلفية الأحداث
يحتفل العراق هذه الأيام بمناسبة خروج قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وإنهاء مهماتها في العراق بحلول يوم 30 أيلول/سبتمبر 2026 المنصرم.
وبادىء ذي بدء يجب الإشارة الـى ان هذه القوات قد جاءت بطلب من الحكومة العراقية عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش الارهابي بعد سيطرته على محافظة الموصل شمال العراق. وتعداد القوات الأمريكية هي (1500) مقاتل. ولم تثر مسألة تواجد القوات الاميركية والأجنبية غيرها في العراق أي مشكلة لدى الحكم الشيعي الموالي لايران أي مشكلة إلا بعد مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني مطلع عام 2020. وهنا بدأت الفصائل المسلحة الموالية لايران في العراق والذين لديهم نواب في البرلمان العراقي بطرح مشروع طرد القوات الأمريكية من العراق والذي جرى التصويت عليه وإقراره عام 2024 حيث صدق البرلمان العراقي على قرار يلزم الحكومة بالعمل على إنهاء وجود أي قوات أجنبية على الأرض العراقية، جاء ذلك خلال جلسة استثنائية بحضور رئيس حكومة تصريف الأعمال عادل عبد المهدي. وجاءت الجلسة بطلب من حكومة تصريف الأعمال وكتل سياسية وازنة، إلا أن كتلا أخرى أعلنت مقاطعتها حيث تغييب غالبية النواب السنة، كما أن التحالف الكردستاني (مجموع الكتل . الكردية الموجودة في . البرلمان العراقي) أعلن مقاطعته للجلسة. وما زالت مواقفهما معارضة لخروج القوات الاميركية حيث يرون فيها ضمانة لهم ولمناطقهم، وهذا ما عبر عنه زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود البارزاني قبل مغادرة القوات بيومين، بأن خروج القوات الأمريكية من العراق سيمهد لعودة داعش مرة أخرى.
ومع ذلك، أصر رئيس الوزراء الجديد المعيّن غير المنتخب علي الزيدي على التقيد بالموعد، ووافقت الولايات المتحدة الأمريكية على ذلك. وأعلى الزيدي اعتبار يوم خروج القوات الأجنبية من العراق يوم السيادة العراقية ودعا للاحتفال به وإعلان العطلة الرسمية لمدة أربعة أيام ابتداء من يوم 30 أيلول 2026.
- مفهوم السيادة
ويبقى السؤال الجوهري هو هل تحققت السيادة حقاً للعراق هذا اليوم بخروج القوات الاميركية منه؟ وهذا السؤال يقودنا إلى سؤال آخر وهو هل تفهم الحكومة العراقية معنى السيادة تماماً؟
قانوناً، تفهم السيادة وتعرف بأنها: السيادة هي السلطة العليا المطلقة وغير المقيّدة لأي سلطة أخرى داخل حدود الدولة، وقدرتها على إدارة شؤونها الداخلية والخارجية بحرية دون تدخل خارجي.
يرى الفقيه الألماني جورج يلينك أن الدولة ذات السيادة لا يمكن أن تخضع لإرادة أعلى من إرادتها لأنها تفقد بذلك كيانها واعتبارها.
وذهب الفقيه هوبز ابعد من ذلك عندما قال أن (صاحب السيادة لا يتقيد حتى بالدين). وظلت هذه الفكرة متسلطة حتى اوائل القرن العشرين حيث تطور مفهوم السيادة بعد أن كانت تعني الدولة مطلقة التصرف اصبحت في الوقت الحاضر مقيدة بقواعد القانون الدولي العام ، وتتمثل في مظهرين مظهر داخلي مبناه حرية الدولة بالتصرف في شؤونها الداخلية وفرض سلطانها على كل ما يوجد في اقليمها من اشخاص وأشياء ، ومظهر خارجي مبناه استقلال الدولة بإدارة علاقاتها الخارجية بدون ان تخضع لأية هيمنه ، وانتقدت نظرية السيادة التقليدية من جانب الفقه الحديث وابرز هذه الانتقادات أن الدولة ليست مطلقة التصرف لأنها ليست غاية وإنما وسيلة لتحقيق غاية وهي اسعاد رعاياها ، لذلك يجب ان تكون جميع تصرفاتها محكومة بهذا الغرض وتخضع للرقابة السياسية والادارية والقضائية والشعبية علاوة على رقابة القانون الدولي.
فهل تحققت كل شروط السيادة حقاً في العراق اليوم؟
هل يستطيع رئيس الوزراء الزيدي ان يقدم الدولة على الدين، كما قال هوبز؟ وإذا كان كذلك، فلماذا يعلن دائما بأن المرجعية الدينية الشيعية موافقة لقراراته وهي حاضرة دائما فيها؟ ولماذا وافق على تشييع جثمان خامنئي المرشد الإيراني الأعلى بالعراق، وحضر مراسيم تشييعه وهو مرجع ديني اجنبي؟ ولماذا ما زالت الأحزاب الدينية مهيمنة على الساحة السياسية في العراق، وأصحاب العمائم يصولون ويجولون فيها؟
وهل لديه القدرة على فرض سيادة الدولة على كامل رعايا الدولة؟ هل يستطيع الزيدي المساس أو محاسبة كبار الفاسدين في العراق والمعروفين ب (حيتان الفساد) أمثال عمار الحكيم ومحمد شياع السوداني وهادي العامري وغيرهم؟ وهل يستطيع محاسبة أي فرد أو جهة أو مؤسسة في إقليم كردستان العراق؟ وهل يستطيع الزيدي باعتباره القائد العام للقوات المسلحة ان ينقل احد أفراد قوات البيشمركة من مكان لآخر؟ إم إنه ما زال يجاريهم ويداهنهم لحين تمكن السلطة من فرض سيادتها عليهم؟
وهل لدى الزيدي القدرة على فرض سلطاته على كامل أقليم الدولة؟ وهل يستطيع زيارة المنطقة المغلقة في العراق والمسماة ب (جرف الصخر) التي تسيطر عليها الميليشيات الإيرانية منذ 13 سنة، والتي لم يستطع أي رئيس وزراء عراقي من دخولها حتى يومنا هذا؟
- أيام متعددة للسيادة
لقد كتب بالأمس الصحفي العراقي علي حسين في صحيفة المدى الصادرة يوم 30 أيلول 2026، مقالا بعنوان (السيادة التي أكلتها واشنطن وضحكت عليها طهران)، وذكّر القراء بأكثر من مناسبة في العراق عُرفت بيوم السيادة، فكتب يقول:
إذا كان جنابك من الذين يتابعون أخبار بلاد الرافدين، فأتمنى عليك أن تتذكر معي أننا احتفلنا بيوم السيادة قبل سبعة عشر عاماً بالتمام والكمال، في ذلك الوقت أعلن السيد نوري المالكي أن القوات الأجنبية غادرت مدن العراق، وطالبنا "فخامته" أن نسمي هذا اليوم يوم الوفاء، بعدها بعامين خرج علينا السيد نوري المالكي في بث تلفزيوني مباشر ليخاطبنا بأخواتي وإخواني قائلاً: "أبناء الشعب العراقي الكريم أعلن هذا اليوم الحادي والثلاثين من شهر كانون الأول الذي يصادف انتهاء عملية سحب القوات الأجنبية من العراق.. يوماً وطنياً.. إنه يوم العراق". وأخبرنا السيد المالكي أن يوم السيادة سيكون يوماً للتنمية والنهوض والمستقبل، ولأننا شعب طيب صدقنا أن هذه البلاد ستتحول إلى ورشة عمل، وأن أيام العوز والطائفية والانتهازية ستنتهي، فقررنا أن نرفع شعارات "الاستقلال والسيادة والوفاء"، بعدها اكتشفنا أن هناك سيادة جديدة "كاملة الدسم" علينا أن نحتفل بها وكانت المناسبة خروج هذه البلاد من أحكام الفصل السابع. ولأننا قوم نحب المرح، وجدت الحكومة أن يوم الثالث من تشرين الأول عام 1932 يجب أن ينضم إلى أيام السرور والسيادة. وبعد ان شبعنا سيادة وامتلات حياتنا بالسعادة، قررنا أن نطلب من القوات الأجنبية العودة إلى الديار بعد أن استفحلت عصابات داعش.
وهذا يدفعنا لتعداد أيام السيادة المتكررة في العراق، وهي:
يوم 3 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1923، وهو يوم انضمام العراق إلى عصبة الأمم، حيث ترأس الوفد العراقي نوري باشا السعيد (رئيس الوزراء ووزير الخارجية آنذاك، والي ابرق إلى الملك فيصل الأول ملك العراق انذاك يخبره بإنضمام العراق لعصبة الأمم، واعتبار هذا اليوم يوم استقلال العراق وسيادته.
يوم 2 آيار/مايو 1955، وهو يوم تسليم القوات البريطانية لقاعدة الحبانية الجوية في العراق للقوات العراقية، وقد أعد احتفال كبير في القاعدة ذاتها، حضره الملك فيصل الثاني ملك العراق، والوصي عبد الإله الوصي على العهد، إلى جانب نوري السعيد وأقطاب النظام الملكي آنذاك، وهنا جرت حادثة طريفة لم يذكرها احد، وهي ان السياسي العراقي محمود صبحي الدفتري، وهو رئيس وزراء سابق ووزير خارجية ومالية سابق في العراق، سأل نوري السعيد عن مكان وجود مرافق صحية يذهب اليها لقضاء حاجته، فقال له نوري باشا مازحاً باللهجة العراقية المعتادة: (هذا شلون حچي، دا أگولك احنا استقلينا (الاستقلال) وصار عدنا سيادة، يعني تگدر تبول بأي مكان، أخذ راحتك). ولكن لم يمضى على ذلك اليوم سوى ثلاث سنين، حتى أرغمت بريطانيا رجلها الأول في العراق نوري السعيد على العودة من لندن إلى العراق يوم 11 تموز 1958 التي كان قد سافر اليها برفقة زوجته نعيمة العسكري وابنه صباح وزوجته، لتقوم ثورة 14 تموز في العراق بعد ثلاثة أيام، ويسحل نوري باشا السعيد من قبل الثائرين، وتقطع أوصاله، حيث لا يعرف له قبر حتى يومنا هذا.
يوم 31 كانون الأول/ديسمبر 2009 يوم انتهاء سحب القوات الأمريكية من العراق، والذي اعتبره رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي بأنه يوم الوفاء ويوم العراق واعتبره عيدا وطنيا يجب الاحتفال به كل عام.
يوم 30 تموز/سبتمبر 2026 حيث أعلن رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي اعتباره يوم السيادة وقرر إعلانه عطلة رسمية لمدة أربعة أيام تبدأ من يوم الأربعاء وتنتهي بحلول يوم الأحد القادم.
عندما كنت استاذاً للقانون، كنت أشبّه السيادة بالرجولة، فليس كل شخص ذكر يتحلى بالرجولة، وكذلك ليست كل الدول تتمتع بالسيادة، ولهذا هناك دول ناقصة السيادة التي تعرف بأنها: هي الدولة التي لا تتمتع بكامل مظاهر السيادة الداخلية أو الخارجية، بل تخضع كلياً أو جزئياً لهيمنة أو إرادة دولة أجنبية أو مرجعيات متعددة تتولى إدارة بعض شؤونها.
وفي العراق، فأن امريكا وايران تتقاسمان السيادة في العراق، ويكفي ان نذكر عدّة أمثلة لتوضيح ذلك، وهي ان تغريدة صغيرة من الرئيس الأميركي ترامب دفعت العراق إلى استبعاد تولي نوري المالكي منصب رئيس الوزراء، ومن جهة أخرى، فرضت الميليشيات العراقية الموالية لايران على رئيس الوزراء الزيدي إطلاق سراح القيادي في الحشد الشعبي ومسؤول استخبارات حزام بغداد، عباس اليعقوبي، وتسليمه إلى مديرية أمن الحشد الشعبي في منتصف شهر آب (أغسطس) 2026، حيث تم توقيف عباس اليعقوبي (الذي ينشط أيضاً كمسؤول استخبارات في حركة النجباء) من قبل قوة أمنية عراقية بموجب أمر قضائي، على خلفية شبهات بتورطه في استهداف المصالح والأمريكية أو نقل صواريخ في العراق.
هذا غيض من فيض، فهل حقاً تحققت السيادة في العراق بعد 23 سنة من الغزو الأمريكي والاحتلال الايراني له؟ هذا ما ستجيب عليه قادم الأيام. وهذا ما نتمناه نحن العراقيون جميعاً، باستثناء العملاء الموالين لدول اجنبية في العراق.
د. رياض السندي
دكتوراه في القانون الدولي
الأول من اكتوبر 2026
