للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال- للتأريخ/ 102

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

وصلنا تخوم مدينة العمارة – مدينة والدتي الله يرحمها والتي حكت لي يوماً ان بيتهم الطيني العتيق كان فيما يعرف الان بشارع  بغداد قريب من النهر.

مر التكسي الذي يقلنا في وسط المدينة وفي شارع بغداد تحديداً حيث عدت في تلك اللحظات وفي أجواء عالم الخيال المجنون الى عقود خلت حيث تخيلت امي كانت هنا او ربما عبرت الشارع الترابي من هناك..

بعد مضي برهة قصيرة إنحدر التكسي بإتجاه فضاء صحراوي يطلقون عليه (الكراج)، فقال السائق..

"اخوان انتو أبو خليل/ موجها الكلام لي ولزميلي.. انزلوا هنا الله وياكم، واصعدوا السيارات اللي تروح على منطقة (الدير– هكذا ربما كان اسمها – لا أتذكر بالضبط – ففي منتصف ذلك الطريق سنجد وحدتنا).

 

لا حضارة ولا عمران ولا بنى تحتية.. البيوت قديمة متهرئة ولا دليل على وجود بنايات وفق الطراز الحديث.. المياه الاسنة الخضراء– الزرقاء تطفو على الأرض على شكل سواقي صغيرة وبرك.. وهناك تتجول الأغنام والكلاب والقطط ومجاميع هائلة من الذباب.. اين نحن؟

نحن الان في عام 1989 وقد مضى على انقلاب البعث الثاني في 17 تموز اكثر من 21 عاماً ولم يكلف الحاكمون انفسهم على الأقل من إعطاء المنطقة حقها من البترول لغرض اعمارها او تطويرها..

 

كان في هذا الفضاء الرمادي البائس تقف عدد قليل من السيارات القديمة وأصحابها يبدأون بالمناداة على الداخلين الى هذا الفضاء ليوجهونهم الى وجهات سير خطوطهم.. فينادون (الدير المحلة القديمة. المجر.. الكراج العام ...الخ)

استقلينا احدى هذه السيارات (او هكذا يطلقون عليها) حيث يبدو لي انها من مخلفات الحرب العالمية الثانية، تسع لعشرة ركاب أو 14 راكب.. وحجزنا انا ورفيق سفري مقعدين وطلبنا من السائق ان يدلنا. فقال:

"عمي اني ما اعرف الأسماء، من نوصل اول سيطرة بحيل أبو الحسن، عود اسألوهم "

 

بدأت العجلة التي بدت لي كأنها (كسّارة ميكانيكية تهيء عظامك للطحن)، تسير بنا الهوينة بصورة لم نعهدها منذ ان تركنا بغداد، فكانت بطيئة بسبب وعورة الطريق.

 

بلغنا اول سيطرة، سلم عليهم السائق، وطلب منهم مساعدتنا، اقترب من الشباك أحد جنود الانضباط العسكري، وطلب ان نبرز له الكتاب.. قدمت انا كتابي وزميلي فعل نفس الامر، وقال بعد دقيقة تقريباً (يبدو لنا انه عانى من فك الخط)، :

(يتبع)