
الحوار بالعراق، ايراني عراقي وليس عراقي عراقي
زكي رضا
الدنمارك
لشعور الشيعة كتنظيمات سياسية وجماهير خصوصا بعد قمع انتفاضة آذار 1991، بالمظلومية وفق الثقافة الشيعية السائدة. كون الطائفة الشيعية في العراق وغيره من بلدان المنطقة شعرت بالتهميش والأقصاء من مختلف السلطات السياسية، نراها تبحث عن عمق مذهبي حتى وهي في السلطة، ولم تجد الاحزاب الشيعية وجمهورها في العراق ولبنان وغيرها من البلدان هذا العمق الا عند ايران. وبذلك قدّمت هذه الاحزاب الهوية المذهبية على الهوية الوطنية، بولائها لولي الفقيه.
لقد كانت هذه الاحزاب والتنظيمات تتلقى وهي في المعارضة دعما سياسيا وعسكريا واسعا من إيران، وحينما وصلت الى السلطة بقيت بحاجة الى دعم سياسي وأمني منها، لكي تبقى على رأس السلطة، بعد شعورها بنقمة الجماهير نتيجة فسادها وفشلها في بناء دولة تحترم مواطنيها. ووصلت هذه الاحزاب الاسلامية الى قناعة راسخة من ان وجودها مرتبط بطهران، وان سقوط نظام طهران او ضعفه معناه فقدانهم للسلطة او تراجعهم عن المشهد السياسي بشكل كبير.
لكي تبرر هذه الاحزاب ولاءها لدولة ولي الفقيه، فانها رفعت شعار المقاومة للدفاع عن إيران ولبنان وفلسطين في مواجهتها لامريكا وأسرائيل والغرب، بل وحتى موقفها من دول اقليمية لها علاقات متشنجة مع ايران، كبلدان الخليج. ومن خلال رفعها لشعار المقاومة والدفاع عن ايران، رسخت ثقافة وشعارات ايران في ادبياتها ومواقفها وخطاباتها، بدلا عن رموز وثقافة البلاد، وانعكس هذا حتى على قطاعات من الجمهور الشيعي الذي بدأ في الاونة الاخيرة وتأثرا بالاعلام والخطاب الشيعي، يعتبر الوطنية سبّة ليطلق على من ينادي بها "وطنچي"!
أن تبعية الاحزاب والتنظيمات الشيعية لطهران، ليست تبعية آيديولوجية فقط، بل تحولت نتيجة التعاون العسكري والامني والاقتصادي والاجتماعي، الى علاقة بين طرف يملي سياساته وآخر ينفذ، لأن وبلغة أخرى وكما ذكرنا قبل قليل فأن ايران هي العمق الاستراتيجي لهذه التنظيمات. وأن ديمومة هذه العلاقة هو جزء من بقاء هذه التنظيمات على رأس السلطة، وفق معادلة يقولها العديد من مسؤولي هذه الاحزاب والتنظيمات مرارا وهي، أن قوتنا من قوة طهران، وضعف نظام طهران يعني تهديد وجودي حقيقي لقوتنا وسلطتنا.
لقد عملت الماكنة الثقافية والاعلامية الايرانية وبمساعدة الاحزاب الشيعية التي تغولت ماليا واقتصاديا ، على تشكيل الوعي الجمعي الشيعي بما يخدم طهران، فنرى اعداد هائلة من اعلام ايرانية وصور قادة ايران، تملأ شوارع وساحات مدن الجنوب وبغداد، خصوصا في المناسبات الدينية التي تتكاثر كالفطر، لتعويد الجماهير الشيعية، من أن ايران كرمز، هي جزء اساسي من الهوية الشيعية. وعلى الرغم من هذا الخطاب الموالي لطهران، نرى ردود افعال من نخب شبابية ورجال سياسة شيعة ترفض هذا التوجه وتطالب بانهاء الوصاية الايرانية مطالبة ببناء البلاد، وهذا ما لاحظناه في انتفاضة تشرين وشعارها "نريد وطن" و "بغداد تبقى حرة" و "ايران بره بره".
نتيجة ربط القوى السياسية الشيعية مصالحها ومصالح البلاد بايران، باعتبارها العمق الاستراتيجي كما اسلفنا. نرى الحوارات التي تحسم المواقف السياسية في منعطفاتها الحادة كتشكيل الوزارات وتوزيع الحصص الوزارية ، لا تجري بين الاطراف العراقية التي على رأس السلطة ككيانات وطنية، بل تحت مظلة طهران واشرافها . وبهذا تكون الاحزاب الولائية قد جعلت من طهران مرجعية سياسية لبغداد، وهنا لا يكون الحوار بين هذه القوى عراقيا عراقيا بل عراقيا ايرانيا، على الرغم من أن تشكيل الوزارة هو امر سيادي عراقي، وهذا يعني وبلغة اخرى ان الحوار في بغداد هو واجهة لحوار مركزه طهران . وقد تجاوز الامر ذلك حتى وصل الى أن اي انسداد سياسي أو مشكلة داخل البيت الشيعي تفسه، لا يتم هو الاخر شيعيا عراقيا - شيعيا عراقيا، بل ايرانيا – ايرانيا. وهذه ما عشناه من أستدعاء القيادات الشيعية العراقية الى طهران، لصياغة اتفاقات وتفاهمات اعطت وتعطي انطباعا من ان طهران هي عرابة السياسة العراقية ، وهنا وبدلا من ان يكون الحوار الشيعي الشيعي عراقيا، نراه وبنود اتفاقياته تصاغ من غرفة عمليات فيلق القدس، كما كان تجري عهد قائده السابق قاسم سليماني والحالي قاآني، ايرانيا ايرانيا بامتياز.
ان الحوار العراقي العراقي بعد الانسحاب الامريكي من البلاد، لا يمتلك سقف حوار وتفاوض وطني ، ولا قادرعلى تقديم تنازلات للشركاء في العملية السياسة من اجل مصلحة البلاد ، بل وحتى للشركاء في الوطن من قوميات واديان ومذاهب، لان سقف هذه الحوارات التي يجب ان تكون عراقية عراقية، تأتي من الخارج، وتعتبر الاحزاب الشيعية وخصوصا اذرعها المسلحة ، ان اي تسوية داخلية لحل مشاكل البلاد تعتبر خطا احمر، اذا لم تضمن مصالح طهران.
أن اكثر المشاكل التي ستظهر للسطح بعد الانسحاب الامريكي، هو اتمام عملية حصر السلاح بيد الدولة، وانهاء دور الميليشيات وتهديدها ليس لدول الجوار ولا للسلم المجتمعي فحسب، بل وحتى للحكومة. وهناك خطر آخر كبير، هو العلاقة بين اقليم كردستان ذو العلاقة المتشنجة مع طهران والميليشيات الولائية والمركز. وليس من المستبعد ان يتعرض الاقليم الى هجمات من الميليشيات الشيعية كما جرى سابقا على الرغم من تواجد قواعد امريكية فيها، والصاق التهمة بتنظيم داعش الارهابي. وهنا تكون هذه الميليشيات قد حققت هدفين، اولهما ضرب الاقليم وتجربته التي هي على المحك اليوم، نتيجة ضيق افق سياسيي الاقليم وابتعادهم عن مشاكل البلاد ودورهم في تكريس نظام المحاصصة من جهة، وانسحاب القوات الامريكية من قواعدها في الاقليم من جهة اخرى، والثاني هو الاحتفاظ بأسلحتهم بعد الصاق تهمة مهاجمتهم الاقليم بتنظيم داعش، واعتباره خطرا محدقا بالبلاد، على الرغم من ان القادة العسكريين واغلبهم من الشيعة اكدوا على انحسار قوة التنظيم. أن حسم مسألة حصر السلاح بيد الدولة هو اختبار حقيقي لحكومة الزيدي، في تكريس الحوار الوطني ليكون حوارا عراقيا عراقيا.
زكي رضا
الدنمارك
1 /10 /2026
