
عاجل على سبيل التكرار
صالح مهدي محمد
نحن نعيش في زمن الأخبار العاجلة بوصفها مادة تُقدَّم بإيقاع سريع، وإضاءة مشدودة، وموسيقى توحي بأن شيئًا كبيرًا على وشك الوقوع. وفي المقابل، تستمر إعادة بثّ الأحداث نفسها بوجوه مختلفة وصيغ متعددة، حتى يبدو المشهد وكأنه حركة دائمة تُخفي ثباتًا طويلًا.
توجد أحداث حقيقية تظهر من وقت إلى آخر؛ خبر يستحق فعلًا أن يوصف بالعاجل، لكنه يحدث على فترات متباعدة، ربما مرة كل أسبوع، أو كل نصف شهر، أو أحيانًا كل شهر. وبين هذه الفترات، تتولى التفاصيل الصغيرة مهمة ملء الفراغ، فتتحول إلى مادة رئيسية تُعامل كأنها جوهر الحدث نفسه.
تتقدم الشاشات بخطاب يبدو واثقًا، فتمنح التفاصيل حجمًا أكبر من حقيقتها، وتعيد صياغة اللحظة الواحدة بصيغ متعددة، وكأن تكرار الجملة يمنحها وزنًا إضافيًا. وهكذا يتحول الخبر إلى تراكمات سردية تتكاثف فوق بعضها من دون أن تضيف تغييرًا حقيقيًا إلى جوهر ما جرى.
ينجح الإعلام في صناعة مساحة واسعة للأخبار حتى عندما يكون الحدث محدودًا، فتبدو الحركة مستمرة، ويبدو المشهد ممتلئًا، بينما تتكوّن الحقيقة من وقائع قليلة تتكرر حولها اللغة أكثر مما تتكرر الوقائع نفسها.
المتابع يكتسب، مع الوقت، مهارة قراءة ما بين السطور؛ فيتعرف إلى اللحظة التي يحمل فيها الخبر قيمة فعلية، ويعرف أيضًا اللحظة التي يتحول فيها العنوان إلى إعادة تدوير أنيقة لما سبق. وهذه المهارة لا تأتي من فراغ، بل من كثافة التكرار التي تجعل التمييز بين الحدث واللاحدث جزءًا من الخبرة اليومية.
تتغير أساليب العرض، وتتبدل الصور، وتتعدد الزوايا، لكن البنية الأساسية تبقى مستقرة: خبر يُضخَّم، وتفصيل يُضخَّم أكثر، وتحليل يرافق تضخيمًا آخر، حتى يبدو المشهد مكتملًا، رغم أن مادته الخام محدودة.
نجد «العاجل» أحيانًا من أجل الخبر، لا من أجل الأخبار؛ وكأن العاجل أصبح عاجلًا على سبيل التكرار. فالمهم ليس دائمًا ما حدث، بل أن تبقى الشاشة في حالة استعداد دائم لإعلان أن شيئًا ما حدث.
والمفارقة أن لحظة «العاجل» الحقيقي، عندما تحدث، تمر أحيانًا بسرعة غير متوقعة، وكأنها لا ترغب في البقاء داخل هذا النظام من التكرار؛ تظهر مرة ثم تختفي، تاركة خلفها مساحة من الانتباه لا تُستخدم إلا لإعادة ترتيب ما تبقّى من تفاصيل الأيام العادية.
تستمر الشاشة في العمل، ويستمر الشريط الإخباري في التحرك، وتستمر اللغة في بناء واقع متصل من الأخبار التي تتفاوت في كثافتها، بينما تتوزع اللحظات الفارقة على مسافات زمنية متباعدة. تمنح كل «عاجل» فرصة نادرة ليكون فعلًا عاجلًا، قبل أن يعود كل شيء إلى إيقاعه المعتاد؛ حيث تتحرك الكلمات أكثر مما تتحرك الأحداث.
