
الكاتب والشاعر تولستوي يكتب للاهوتي يوحنا الدمشقي
يعكوب ابونا
كتب تولستوي سنة 1859 قصيدة ملحمية للشاعر والفيلسوف واللاهوتي الاشوري يوحنا الدمشقي، والنص الكامل منشور في مجموعة أعمال لتولستوي.
القصيدة بوصفها عملًا شعريًا وروحيًا ولاهوتيًا واحدًا، لا مجرد سيرة شعرية للقديس. فالقصيدة كتبها أليكسي قسطنطينوفيتش تولستوي، ومادتها الأساسية مستمدة من سيرة يوحنا الدمشقي، مع توسيع واضح لدور الشاعر وحرية الكلمة والفن في بناء القصيدة.
مقدمة
« "يوحنا الدمشقي"
لأليكسي قسطنطينوفيتش تولستوي
قراءة في الرحلة من مجد العالم إلى حرية الروح.
ليست قصيدة مجرد إعادة شعرية لحياة قديس من قديسي الكنيسة، ولا مجرد حكاية عن شاعر ترك القصر واختار حياة النسك؛ بل هي، في جوهرها، رحلة روحية متكاملة تنتقل فيها النفس من المجد الخارجي إلى الحقيقة الداخلية، ومن السلطة إلى الحرية، ومن الموهبة بوصفها مجدًا شخصيًا إلى الموهبة بوصفها عطية ورسالة وخدمة.
وقد استند تولستوي إلى مادة حياة القديس يوحنا الدمشقي، لكنه أعاد تشكيلها فنيًا بحيث أصبح موضوع الشعر والإبداع وحرية الكلمة أكثر حضورًا مما هو عليه في السيرة الأصلية. ولهذا يتكرر في القصيدة وصف يوحنا بأنه "الشاعر و المنشد".
وتصبح أزمة الإبداع جزءًا ساسيًا من أزمته الروحية..
تبدأ الرحلة من مكان يبدو، في ظاهره، ذروة السعادة
القصر، والسلطة، والغنى، والتكريم
. كان يوحنا محبوب من الخليفة، قريب من مركز الحكم، ومحيط به كل ما يمكن أن يطلبه الإنسان من مجد. لكن المفارقة الأولى في القصيدة أن هذه العظمة لا تمنحه السلام. فالروح تعرف، قبل العقل أحيانًا، أن ما يلمع في الخارج لا يكفي لإشباع الداخل.
ومن هنا يبدأ السؤال الروحي الأول
ما قيمة امتلاك العالم إذا كان القلب لا يجد فيه راحته؟.
يوحنا لا يترك السلطة بدافع ازدراء الخليقة، ولا لأن الفقر عنده غاية في ذاته، بل لأنه يشعر بدعوة أعمق: أن يعيش في العمل والصلاة والترنيم، وأن يجعل كلمته أداة لتسبيح الله. ولهذا تأتي عبارته الحاسمة عن «خدمة الخالق» وعن رغبته في أن يمجّد الله «بالكلمة الحرة». وهنا يظهر المحور الذي سيحكم القصيدة كلها.
الكلمة ليست ترفًا، والموهبة ليست ملكًا شخصيًا؛ إنها أمانة أمام الله
وعندما يعرض الخليفة على يوحنا نصف المملكة، تبلغ المفارقة ذروتها. فالعالم يقدم له كل ما يمكن أن يطلبه إنسان: المال، والنفوذ، والمجد، والسلطان. أما يوحنا فقد بدأ يدرك أن النفس التي ذاقت معنى آخر لا تستطيع أن تعود راضية بما كانت تراه عظيمًا من قبل. وهكذا يصبح رفضه للمملكة فعلًا روحيًا قبل أن يكون فعلًا شعريًا .
غير أن القصيدة لا تتوقف عند التحرر الأول. فترك القصر أسهل من ترك الأنا التي قد تختبئ حتى داخل الحياة الدينية.
يدخل يوحنا حياة العزلة، لكنه يكتشف أن النسك ليس مجرد الابتعاد عن العالم، وأن الروح لا تتطهر بمجرد تغيير المكان. هنا يُطلب منه أن يصمت، وأن يتخلى عن موهبته الشعرية. ويأخذ الاختبار صورته الأشد قسوة إن الشيء الذي يحبه، والذي يعتقد أنه يستطيع من خلاله أن يخدم الله، يُطلب منه أن يضعه جانبًا.
وهنا تبلغ القصيدة سؤالها الروحي الأكثر عمقًا
هل يستطيع الإنسان أن يترك العطية التي يحبها، إذا طُلب منه ذلك؟
إن يوحنا يقبل الصمت، في الظاهر، لكنه يكتشف أن إسكات الصوت لا يعني إسكات الروح. فالأغاني التي دُفنت تعود في داخله، والذكريات والصور والأنغام تظل حية تحت الرماد.
وهنا يستخدم تولستوي صورة النار الكامنة تحت الرماد ليشير إلى الموهبة التي لا تموت بالقهر. فالإنسان يستطيع أن يصمت، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يخون ما تكوّن في أعماق كيانه.
لكن القصيدة تأخذ منعطفًا حاسمًا حين يقترب من يوحنا راهب مكلوم بفقد أخيه، ويطلب منه أن يكتب نشيدًا يعينه على الحزن والبكاء. عند هذه النقطة تدخل الرحمة إلى قلب الصراع.
لم تعد القضية قضية «شاعر يريد أن يغني»؛ بل قضية إنسان يستطيع أن يعزّي إنسانًا آخر.
وهنا تنكشف حقيقة جديدة
الموهبة التي تُستعمل لمجد الذات شيء، والموهبة التي تُستعمل لخدمة المتألم شيء آخر.
يكتب يوحنا، فيخالف القانون، لكنه لا يفعل ذلك بحثًا عن الشهرة. إنه يكتب لأن هناك قلبًا منكسرًا يحتاج إلى كلمة. وهكذا يتحول الشعر من موهبة شخصية إلى خدمة رعوية وإنسانية وروحية؛ يصبح الكلام الذي يخفف الحزن ويعيد توجيه القلب نحو الله.
ثم تأتي العقوبة. واللافت أن تولستوي لا يجعل يوحنا ثائرًا على شيخه، بل يجعله متواضعًا حتى في الألم. يقبل الإذلال، ويحمل الأعمال المتواضعة، ويحتمل التوبيخ. وفي هذه المرحلة يصبح النسك أكثر عمقًا: لم يعد مجرد التخلي عن القصر، بل صار التخلي عن الكرامة الشخصية والدفاع عن النفس.
وهنا تتغير طبيعة الحرية نفسها.
في بداية القصيدة كان يوحنا يريد أن يكون حرًا ليغني. أما الآن فهو يتعلم أن الحرية الروحية لا تعني ببساطة أن أفعل ما أريد، بل أن أتحرر من الغرور، وحب الظهور، والتعلق بالذات.
وهذه هي النقطة التي تجعل القصيدة أعمق من مجرد دفاع رومانسي عن حرية الفنان
فالإنسان قد يتحرر من سلطة الآخرين ويبقى عبدًا لنفسه
ولهذا تأتي الرؤيا التي يراها الشيخ بوصفها نقطة الحسم. تظهر العذراء مريم حاملة المسيح، وتكشف له أن منع يوحنا من إنشاد ما يملكه من عطية قد جعل القانون يتحول من وسيلة إلى غاية.
فالله الذي أعطى الطبيعة جمالها، وأعطى الإنسان القدرة على الكلام، لا يريد أن تتحول النعمة إلى شيء يُدفن بلا ثمر. والمغزى ليس إلغاء الانضباط أو تمجيد الفردية، بل إعادة كل شيء إلى موضعه الصحيح القانون يخدم الحياة الروحية، ولا يخنق العطية التي تُستخدم في المحبة والخير والتسبيح.
ومن هنا تأتي المصالحة بين الشيخ ويوحنا، وهي مصالحة تحمل أكثر من معنى. إنها مصالحة بين الطاعة والحرية، وبين النسك والإبداع، وبين الصمت والكلمة، وبين الجهاد الداخلي وخدمة الآخرين.
ويعود يوحنا إلى الإنشاد، لكن عودته ليست عودة الشاعر إلى ما كان عليه قبل دخوله الدير. لقد تغير الإنسان الذي يغني.
في البداية كان يريد أن يغني لأنه شاعر. وفي النهاية يغني لأنه أصبح عبدًا للكلمة التي يرى أنها عطية من الله
وهنا يتسع موضوع القصيدة من قصة يوحنا إلى رؤية كونية كاملة. فالأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والنبات، والإنسان، كلها تدخل في نشيد واحد. الطبيعة لم تعد مجرد منظر جميل، بل أصبحت لغةً تشير إلى الخالق وجمال المخلوق ليس الغاية الأخيرة، وإنما هو انعكاس لجمال أسمى، وحركة الطبيعة نفسها تبدو كأنها تشارك في التسبيح
فالمسيح في القصيدة ليس ملكًا أرضيًا تحيط به علامات القوة، بل هو المسيح المتواضع، السائر بين البسطاء، الحامل للصليب، والمجمع حوله للمتألمين والمظلومين. ومن خلاله تتضح العلاقة بين الألم والخلاص، وبين الصليب والقيامة، وبين موت الذات القديمة وولادة الإنسان الجديد.
ولهذا فإن رحلة يوحنا يمكن أن تُقرأ باعتبارها رحلة عبور عبر مراحل متتابعة:
مجد العالم → القلق الداخلي → التخلي → النسك → الصمت → الصراع مع الذات → الرحمة → الألم → التواضع → الرؤيا → استرداد الموهبة → التسبيح.
الأجزاء الاثني عشر للقصيدة تمنح وحدتها العميقة. فكل جزء ليس فاصلًا عن لاهوت الاخر، بل خطوة في تكوين الإنسان الجديد.
ولعل أعمق ما تقوله القصيدة أن القداسة لا تعني قتل الطبيعة الإنسانية، ولا إلغاء المواهب، ولا الهروب من الجمال. بل تعني تحرير هذه الأشياء من عبودية الذات وإعادتها إلى غايتها الصحيحة ، لمجد الله . .
فالصوت لا يُطلب منه أن يموت؛ بل أن يتطهر.
والشعر لا يُطلب منه أن يصمت ؛ بل أن يعرف لمن يتكلم.
والحرية لا تعني أن يتبع الإنسان كل رغبة؛ بل أن يصبح قادرًا على أن يهب نفسه للحق .
والزهد لا يعني كراهية الخليقة؛ بل التحرر من امتلاكها بوصفها غاية نهائية..
والفن لا يصبح مقدسًا لأنه فن، بل عندما يتحول إلى محبة، وحقيقة، وتسبيح، وخدمة..
ومن هنا فإن «يوحنا الدمشقي» يمكن قراءتها في وقت واحد بوصفها قصيدة عن القداسة، وعن الفنان، وعن الحرية، وعن التوبة، وعن معنى الدعوة للخلاص .
إنها تبدأ بإنسان يملك قصرًا وينتهي بإنسان يملك شيئًا أعظم
وفي هذا تكمن قوة القصيدة وروحها. قلبًا حرًا وصوتًا مكرسًا لله
أنها لا تسأل فقط
ماذا يملك الإنسان؟
بل تسأل السؤال الأعمق
إلى من تنتمي موهبته، وحريته، وكلمته، وقلبه؟
ويبدو جواب تولستوي واضحًا في خاتمة الرحلة كلها
حين تتحرر الكلمة من المجد الشخصي، وتتحرر الروح من كبريائها، يصبح الشعر نفسه صلاة، ويصبح الجمال طريقًا إلى الخالق، ويصبح صوت الإنسان جزءًا من نشيد الخليقة كلها ..
ولهذا نقرأ القصيدة لا بوصفها قصة قديس فحسب، بل بوصفها رحلة النفس البشرية من العبودية إلى الحرية، ومن التشتت إلى الدعوة، ومن الصمت إلى الكلمة، ومن الكلمة إلى التسبيح ...
والى القصيدة فى الحلقة القادمة ، بالاستعانه بالذكاء الاصطناعي .
بعون الله .
يعكوب ابونا .................3 / 10 / 2026
