للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال- للتأريخ/ 106

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

في غرفة حرس باب النظام، انتظرت عشر دقائق تقريباً وبعدها جاء لي عسكري شاب يحمل رتبة رئيس عرفاء على ذراعه وطلب مني ان اصطحبه الى حيث ستكون غرفتي..

ذهبت معه فاذا بهذه (الغرفة) عبارة عن هيكل مصنوع من الجينكو مقسم ثلاث اقسام ، وقال:

"قسم مرافق والأخر للنوم والثالث عيادة!! "كما وصفها لي.. دكتور اذا تحتاج ماء ففي هذا البراد!!، مشيراَ بيده الى (صندوق خشبي فارغ مغلف بمادة الجنفاص)، وهذا قدح لشرب الماء وأشار الى حنفية ماء خارج هذه البنكَلة.. هذا الماء دكتور صالح للشرب والوضوء ايضاً..

اما السرير فهو عبارة عن طبقات من كارتون نضدت على هيكل من الخيزران متكأ على اربع قطع من جذع النخيل.

اعطني كتابك دكتور والصبح بأذن الله تذهب الى البهو على ان تكون جاهز الساعة 7 صباحاً لتناول الفطور مع الضباط وبعد ذلك اقدمك الى امر اللواء..

احب ان اخبرك بأمور مهمة.. لا يجوز الفطور قبل اعلى رتبة من الضباط الذين يجلسون.. واذا دخل أي ضابط اعلى رتبة فينهض الجميع..

شكرته.. وغادر.. كنت أتمنى ان يغادر بسرعة كي اتناول تلك العلاجات المنقذة..

 

وضعت شراشفي والمنشفة على حقيبتي وجعلتها كوسادة وأخرجت قدحي الخاص الذي جلبته معي وعلى السريع الى حنفية الماء وبعد ان شممته وتذوقته.. ابتلعت الحبوب ورجعت الى السرير البدائي مستلقياً وأنا بنفس ملابسي منذ أكثر من 20 ساعة.

 

من المؤكد ان الذين يصابون بالحمى الشديدة قد يصلون أحياناً الى حالة الهذيان.. وهذا ما اصابني حينما رميت بجسدي المنهك على نضيدة الكراتين على ذلك الحيّز الذي قال عنه رئيس العرفاء أنه سرير!!

وبعد ما بدت وكأنها إغفاءة شعرت نفسي وأنا اصارع الالام التي بدأت تزول تدريجياً.. وبين اليقظة والمنام.. حاولت استجمع قواي الإدراكية لأستوعب .. أين أنا ..

لا اعرف كم مضى من اللحظات كي ادرك أو استوعب اني في مقر لواء الاهوار الثالث في جنوب العراق 400 كم أو اكثر بعيد عن أهلي وبيتي..

 

في عمق الظلام الذي بدأ يتبدد بأولى لحظات اشراق يوم جديد أجهل تفاصيله .. ومع سماع أصوات كثيرة ومتعددة ومتنوعة، عصافير، حمائم، طيور منوعة وأصوات أخرى لا اميزها.. اصوات عجلات ، حركة جنود. صوت ريح سريعة .. ادرت ساعة يدي فإذا بها تشير الى الخامسة والنصف صباحاً وعليّ ان اغيّر ملابسي التي أصبحت ثقيلة بسبب التعرق الشديد الذي يحصل دوماً بعد ان آخذ الحبوب في كل مرة ..

(يتبع)