
حزب الله في حسابات نتنياهو: التصعيد الكبير بعد الانتخابات
د. حسين الديك
في ظل تصاعد التوتر على الجبهة اللبنانية، واقتراب الاستحقاق الانتخابي في إسرائيل، تبدو احتمالات التصعيد العسكري حاضرة بقوة في حسابات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قد يجد في التلويح بعمليات اغتيال تستهدف قيادات سياسية وعسكرية في حزب الله أداةً للضغط السياسي والتفاوضي، إلى جانب توظيفها في الصراع الداخلي على السلطة.
أن جميع الخيارات تبقى مطروحة أمام نتنياهو، بما فيها تنفيذ عمليات اغتيال تستهدف قيادات بارزة في حزب الله، سواء على المستوى السياسي، وفي مقدمتها الأمين العام نعيم قاسم، أو على المستوى العسكري. غير أن اتخاذ قرار بهذا الحجم يرتبط بحسابات سياسية وأمنية تتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، لتشمل توقيت الانتخابات الإسرائيلية ومسار المفاوضات بين إسرائيل ولبنان.
الانتخابات الإسرائيلية وتوقيت التصعيد
فالتهديد باغتيال نعيم قاسم قد يشكل ورقة ضغط إسرائيلية في المرحلة الراهنة، خصوصًا في ظل المفاوضات المرتقبة في فلوريدا يوم العشرين من الشهر الجاري، إذ يمكن لتل أبيب توظيف التصعيد والتهديدات العسكرية لرفع سقف مطالبها والضغط على الحكومة اللبنانية، بما يعزز موقعها التفاوضي.
لكن عدم حسم المشهد الانتخابي الإسرائيلي يجعل احتمالات تنفيذ عملية اغتيال من هذا النوع محكومة بدرجة من الضبابية؛ فنتنياهو يواجه معادلة دقيقة تجمع بين استثمار التصعيد لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية، وتجنب تداعيات أمنية قد تفرض عليه مواجهة أوسع أو تفتح جبهة جديدة يصعب التحكم في مسارها.
طبيعة المنافسة الانتخابية قد تؤثر في توقيت القرار، لا في جوهر التوجه الإسرائيلي تجاه حزب الله. فالتصعيد العسكري قد يُستخدم لتعزيز صورة القيادة الإسرائيلية وقدرتها على فرض الردع، لكنه قد يتحول أيضًا إلى عبء سياسي إذا أدى إلى مواجهة مفتوحة أو أوقع إسرائيل في أزمة أمنية جديدة.
إجماع اليمين الإسرائيلي يتجاوز حدود الائتلاف الحاكم
لا يقتصر التوجه نحو تشديد المواجهة مع حزب الله على معسكر نتنياهو وحده، ، بل يعكس تحولًا أوسع داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية، حيث تتقاطع مواقف قطاعات واسعة من اليمين الحاكم والمعارضة حول ضرورة مواصلة الضغط العسكري على القوى المسلحة المرتبطة بإيران في المنطقة.
وبذلك، فإن نتائج الانتخابات الإسرائيلية قد تحدد هوية الحكومة المقبلة وتركيبتها، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث تحول جوهري في المقاربة الأمنية تجاه حزب الله. فهناك رؤية يمينية آخذة في الترسخ تقوم على تقليص قدرات هذه القوى، وإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، واستخدام القوة العسكرية لفرض وقائع جديدة على الأرض.
ومن هذا المنطلق تتسع مساحة الخيارات الإسرائيلية بعد الانتخابات، عندما تتضح هوية الحكومة المقبلة وقدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى. وقد يصبح اغتيال قيادات بارزة في حزب الله أحد الخيارات المطروحة ضمن سياسة أوسع تستهدف إضعاف التنظيم وتقييد قدراته العسكرية والسياسية.
غير أن هذا السيناريو لا يعني أن الاغتيال بات قرارًا محسومًا؛ إذ يظل مرتبطًا بتقدير القيادة الإسرائيلية لكلفة العملية، واحتمالات الرد، ومدى تأثيرها في المفاوضات ومسار المواجهة الإقليمية.
الحكومة اللبنانية بين محدودية القدرة وضغوط الواقع
في المقابل، فان الحكومة اللبنانية ضعيفة في قدرتها على حسم ملف سلاح حزب الله، ويوجد فجوة بين الالتزامات السياسية والأمنية المطروحة وبين قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذها على الأرض.
وعلى الرغم من الخسائر العسكرية التي تعرض لها حزب الله، وما لحق ببنيته العسكرية في جنوب لبنان، فإن التنظيم، لا يزال يحتفظ بقدرات عسكرية في مناطق أخرى، بما فيها البقاع وأجزاء من الجنوب. وهو ما يجعل الحديث عن إنهاء قدراته العسكرية أو نزع سلاحه بالكامل أكثر تعقيدًا من مجرد تحقيق مكاسب ميدانية في منطقة جغرافية محددة.
وتكشف هذه المعادلة عن مأزق لبناني مزدوج: فمن جهة، تواجه الدولة ضغوطًا إسرائيلية وأميركية متزايدة لتوسيع سيطرتها الأمنية وبسط سلطة الجيش على الأراضي اللبنانية؛ ومن جهة أخرى، تصطدم هذه المطالب بتوازنات داخلية حساسة وبالواقع العسكري والسياسي الذي يمثله حزب الله.
وبالتالي، فإن قدرة الحكومة اللبنانية على تنفيذ أي تفاهمات لن تتوقف على القرارات الرسمية وحدها، بل ستتأثر بمدى توافر التوافق الداخلي، وقدرة الجيش اللبناني على الانتشار والقيام بمهامه، وطبيعة الضمانات الدولية المقدمة للبنان.
اتفاق الإطار وحدود الانسحاب الإسرائيلي
وفي ما يتعلق بالتفاهمات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة، فأن مسألة الانسحاب الإسرائيلي ترتبط، وفق التصور المطروح، بالتقدم في ملف نزع السلاح وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي يُفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
إلا أن المسألة، تبدو أوسع من مجرد ترتيبات ميدانية أو إجراءات أمنية محددة؛ إذ تتداخل فيها أهداف إسرائيل الاستراتيجية، ومستقبل حزب الله العسكري، وقدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها، ودور الولايات المتحدة في إدارة التفاهمات وضمان تنفيذها.
وهنا تبرز إشكالية أساسية: هل تسعى إسرائيل إلى التوصل إلى ترتيبات أمنية تتيح لها الانسحاب التدريجي مقابل ضمانات لبنانية، أم أنها تستخدم شروط الانسحاب أداةً لإبقاء الضغط العسكري والسياسي قائمًا، إلى حين تحقيق أهداف تتجاوز منطقة جنوب الليطاني؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل التهدئة على الجبهة اللبنانية، ومدى قدرة التفاهمات السياسية على منع تجدد المواجهة.
ما بعد الانتخابات: نحو تسوية أم تصعيد مفتوح؟
تدل المعطيات على أن الانتخابات الإسرائيلية قد تشكل محطة مفصلية في تحديد توقيت القرارات العسكرية، لكنها لن تكون العامل الوحيد الذي يرسم مستقبل المواجهة مع حزب الله. فالاتجاه العام داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية يميل إلى مواصلة الضغط على التنظيم، بينما تظل قدرة لبنان على الاستجابة لهذه الضغوط محدودة بفعل التعقيدات الداخلية والاختلال في موازين القوة.
وفي هذا السياق، تتبلور ثلاثة مسارات محتملة: الأول، استخدام التهديدات العسكرية والاغتيالات المحتملة لتعزيز الموقف الإسرائيلي في المفاوضات؛ والثاني، توسيع العمليات العسكرية بعد اتضاح نتائج الانتخابات وتشكيل الحكومة المقبلة؛ والثالث، التوصل إلى تفاهمات أمنية مرحلية تربط الانسحاب الإسرائيلي بترتيبات تتعلق بانتشار الجيش اللبناني ومستقبل السلاح.
لكن أيًا من هذه المسارات لا يخلو من المخاطر. فالاغتيالات قد تؤدي إلى ردود عسكرية تفتح الباب أمام تصعيد أوسع، فيما قد تتحول الشروط الإسرائيلية الصارمة إلى عقبة أمام التفاهمات، وقد تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام استحقاقات تفوق قدرتها على التنفيذ في المدى القريب.
إن ملف حزب الله لم يعد مجرد قضية أمنية مرتبطة بالحدود اللبنانية الإسرائيلية، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية تتقاطع فيها الانتخابات الإسرائيلية، والمفاوضات الأميركية، ومستقبل النفوذ الإيراني، وأزمة الدولة اللبنانية. ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة توظيف للتهديد العسكري في خدمة الأهداف السياسية، مع بقاء احتمال التصعيد قائمًا ما لم تنجح الأطراف المعنية في تحويل التفاهمات المؤقتة إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استقرارًا.
