
يوميات حسين الاعظمي (1501)
مقاميون بلا حدود/ 11
رشيـــد الفضـلي المقامي المأساوي
(1904-1969)
ملف خاص عن مطرب المقام العراقي رشيد الفضلي. من كتابي (الطريقة القندرجية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في كانون ثاني 2007.
في وصف عام لاداء مطرب المقام العراقي رشيد الفضلي للمقامات العراقية المسجلة بصوته، يغلب علينا عند سماعنا لهذه التسجيلات والتمعن في أسلوبه الادائي، الشعور باننا لانستطيع أن نضعه ضمن أتباع الطريقة القندرجية بصورة مباشرة ومطمئنة..! ولا الى غيرها من أساليب وطرق غنائية كانت لاتزال موجودة عند نشأته الفنية ومنها (الطريقة الزيدانية) او غيرها. والغريب أننا لانستطيع أيضا وصفه بأنه يمتلك طريقة خاصة به..! فغنائه للمقامات العراقية التي سجلها في إذاعة بغداد، خليط مهجن غير مرتب من أساليب عدة تأثر بها عند نشأته الفنية. ولكن رشيد الفضلي لم يستطع أن ينضِّمها أو يضع لها منهجا واضحا. أذ يبدو أن التطورات السريعة لحقبة التحول التي عاشها كانت سريعة جدا بحيث لم يدركها تماما. فغنى المقامات العراقية على هذه الشاكلة المحاطة ببعض الغموض في الاسلوب. ولكنه مع ذلك يبدو لنا من خلال بعض الصفات الفنية في ادائه، انه يميل الى الطريقة القندرجية. وأهم هذه الصفات، هي اهتمامه بالشكل المقامي والتزامه بالتقاليد. وكذلك اهتمامه بالمسارات اللحنية المقامية اكثر من اهتمامه في توضيح مفرادات الكلام المغنى. وعليه فإن وضعه في هذا الكتاب ضمن اتباع الطريقة القندرجية، اكثر منطقية نسبيا، وافضل من وضعه في مجموعة اسلوبية اخرى..! خاصة وانه عاصر الطريقة القندرجية منذ بداية نشوئها. وربما من الوقت المناسب الآن ان نفتتح حديثنا عنه وعن تجربته المقامية ونحن نستمع الى قصيدة المتنبي مغناة بصوته في مقام الجهاركاه بهذا المطلع.
(اليوم عهدكم فـاين الموعــد/هيهات ليس اليوم عهدكم غد)
قيمة رشيد الفضلي الفنية
يعد المطرب القدير رشيد الفضلي من المطربين المقاميين الجيدين من الذين ولدوا وظهروا فنيا في حقبة التحول وعاش حتى حقبة التجربة..! ومهارته الادائية تدنو في احسن حالاتها من مهارة معاصريه الجيدين. ولكنه لم يبلغ مستوى المطرب الحاذق نجم الشيخلي في الاداء المقامي مثلاً. إلا أن الكثير من جهده انصب في غناء المقام العراقي. وعليه يجب اعتباره من المغنين المقاميين الجيدين المعاصرين لحقبة زمنية كثرت فيها التحولات والتطورات في شتى مجالات الحياة.
أن رشيد الفضلي يستغل ماضيه وحاضره البيئي بصورة تكاد تكون مميزة كصفات موضوعية لغنائه المقامي. إلا أنه في إسلوبه المغلَّف ببعض الغموض، يتَّسم بتعابير شديدة الحزن بحيث تغلب عليها في معظم الأحيان روح الكآبة والمأساة.
نشأته وتعابيره الحزينة
ولد رشيد الفضلي في بغداد عام 1904 وتوفي فيها عام 1969، وعاش ممتلئا بهموم الحياة ومشاكلها. وتجسَّد كل ذلك في أدائه لبعض المقامات العراقية التي تتصف تعابيرها أصلاً بالحزن والشجن كمقام المخالف ومقام المدمي ومقام الحديدي وغيرها. التي قد تكون أكثر مقاماته استحسانا في ألاداء وتبدو فيها كل صفات غنائه الحزينة. ففي مقام الحديدي(سلَّمه صبا) نجد هذا المنحى في التعابير المغنى بهذا الزهيري وهذا مطلعه.
(يازين الاوصاف أطعنت الحشا بسناك)
أن رشيد الفضلي، مطرب مقام عراقي بحكم بيئته. ومحب للمقام العراقي بحكم ميوله التلقائيه. وعلى هذا ألاساس، فقد نجح في فنه ألادائي. إن الصفات التي يراها المؤدون المعاصرون له كالمقاميين جميل ألاعظمي ويونس يوسف وصديقة الملاية ومحمد العاشق. هي الصفات الرئيسة لمؤدي المقام العراقي. فاهتمامه بالشكل المقامي يبدو واضحا في مقاماته وفي التعابير البيئية التي تعبر عن حياته التي عاشها بصورة واضحة. وهي في نفس الوقت من أبرز صفاته. ومهارته في وحدة عمله المقامي مقبولة رغم الملاحظات.
مقام المخالف
نواصل ألآن سماعنا لمقاماته ذات التعابير الحزينة، حيث يغني مقام المخالف(هامش4) وهذا مطلع الزهيري.
(من عــالم الذر قدرت العــطا واقسمت)
مقام المدمي
لنستمع أيضا إلى مقام المدمي(سلَّمه حجاز) الذي مرَّ ذكره قبل قليل، حيث أشرنا ألى المقامات العراقية الثلاثة الملأى بالحزن والشجن في تعابيرها وهذا مطلع الزهيري.
(بعد الهجر لاتســــل ياصاح ملـــوني)
مقام الحسيني
لعل مقام الحديدي الذي إستمعنا وأشرنا إليه فيما سبق من حديــث في البداية، حيث يمتاز بأنه مقام عراقي ذو روح حزينة في أدائه أصلاً، ويؤكد ذلك أنه من سلَّم مقام الصبا الذي يتصف هو ألآخر بتعابيره الحزينة..! فإن ملائمة الطريقة الادائية في اسلوبها الحزين مجتمعة مع سلَّم لمقام عراقي حزين وكلام حزين في غناء مقامي ذو ميول حزينة..!! فعليك أن تتأمل عزيزي القارئ والمستمع..! ولكن رغم ذلك نجد له بعض التعابير الاقل حزنا وهو يؤدي مقام الحسيني بهذه القصيدة التي أستطعت أن أفهم منها بيتين فقط من شريط التسجيل الصوتي ولم أفهم مفردات القصيدة الباقية ورغم أن التسجيل يكاد يكون واضحا وجيدا، إلا أنه يؤكد ميوله هنا إلى سمات الطريقة القندرجية في غموض وادغام الحروف والكلمات.
(مالقلــبي تهزة الاشــــواق/خبــــر ينا أهكذا العشــاق)
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
هامش1: مقام المخالف- هو احد المقامات العراقية الخاصة بالعراق ولا يؤدى في اي بلد آخر, وهو ليس سلَّما سباعيا بل عقدا خماسيا يرتكز على درجة السيكاه(مي كار بيمول). ويذكر ان فنان العرب الكبير كاظم الساهر قد لحن من هذه العقد اغنية غنتها لطيفة التونسية وقد زادت من شهــرتها. انظر عــــقد المخالف الخماسي بالنوتة ادناه ضمن صور الحلقة.

صورة 1 / حسين الاعظمي يوقع كتابه (افكار غناسيقية) لاخيه وصديقه الاستاذ عمر العزاوي مسؤول الشعبة الاعلامية في سفارة العراق في الاردن. مساء يوم 7 آب 2023 في قاعة رجال الاعمال العراقي في الاردن. عشية احتفال الاعظمي بذكرى اليوبيل الذهبي لتجربته الفنية.
صورة 2 / جمع من الباحثين والمؤرخين العرب في دار الاوبرا السلطانية بمسقط يوم 17 /12 /2014 ايام مؤتمر المؤرخين العرب الاول ويظهر حسين الاعظمي والمغربي الكبير عبد العزيز بن عبد الجليل وسط الصورة.
صورة 3 / جمع من الاصدقاء الفنانين والاعلاميين في سهرة جميلة (نيسان 2024) الواقفون يمينا د ثامر الناصري وباسم الشيخ وجلال النداوي و د حسن الدبوني ووليد عاصم و د محمد كمر في شقته وعلي بدر و......؟. الجالسون د حميد عبد الله وحسن حسني وحسين الاعظمي وحاتم العراقي وسعيد البغدادي.
