للذهاب الى صفحة الكاتب   

لمـن نُنتِـج؟- بين الجواب الرأسمالي وجواب "اقتصادنا" الإسلامي

صائب خليل

11 ت1 2026

 

(هذا جزء من كتاب اعكف على اعداده كموجز لشرح مبسط لـ "اقتصادنا" للسيد محمد باقر الصدر. النص معظمه من الكتاب بدون تغيير، وما تم تغييره هو فقط ما يساعد على فهم الموضوع واختصاره، دون تغيير المعنى)

 

لمن ننتج؟ إلى من يجب توجيه الإنتاج؟ أنها أسئلة توجه الى "المذهب الاقتصادي" فـ "علم الاقتصاد" لا يجيب عن مثل هذه الأسئلة لأنها أسئلة "أخلاقية" يحددها التوجه العام للاقتصاد والهدف منه، فهي اختصاص "المذهب الاقتصادي"، وبالتالي فالجواب عليها يختلف حسب نوع الاقتصاد. ولا بأس بأن نبدأ بتوضيح الجواب الرأسمالي على السؤال باعتبار انه الاقتصاد الذي نعيش فيه ونعرفه أكثر من غيره، لنقارنه بعد ذلك بالجواب الإسلامي ونحدد أيهما الأنسب برأينا.

 

جواب المذهب الرأسمالي

يعتمد المذهب الرأسمالي في توجيه الإنتاج على ما تحدّده قوانين العرض والطلب في السوق الحرّة؛ لأنّ الاقتصاد الرأسمالي الحرّ يقوم على أساس المشاريع الخاصة وبالتالي فهي توجه لتحقيق أكبر قدر ممكن من الربح. فكلّما ازداد الطلب على سلعة، ضمن الرأسمالي بيعها وبسعر مربح، ووجه رأسماله الى المشاريع التي تنتجها.

وقد يبدو من هذا أن الإنتاج يوجه من قبل المستهلكين ومكيّفاً طِبقاً لحاجاتهم، كما تدعي الرأسمالية.. ولكن هذا ليس دقيقا كما سنرى.

 

نقد الموقف الرأسمالي

يتضح خلل الادعاء الرأسمالي بتوجيه الإنتاج حسب حاجة المستهلك، من ملاحظة ان "الطلب" في المفهوم الرأسمالي تعبير نقدي أكثر من كونه تعبيراً بشريّاً عن حاجة من الحاجات؛ لأنّه لا يشمل إلاّ "الطلب الذي يتمتّع بالقوّة الشرائية"، ويمتلك رصيداً نقديّاً قادراً على إشباعه! أمّا الطلبات التي لا تملك "ثمن طلبها"، فنصيبها الإهمال مهما كانت مُلِحَّة وضرورية للإنسان والمجتمع.

 

هذه الحقيقة التي يحرص الرأسماليون على تجاهلها، تبدّد فجأة كلّ تلك الأحكام الذهبية التي ينسجها أنصار الاقتصاد الحرّ حول الإنتاج الرأسمالي وتكيّفه وفقاً لحاجة الإنسان وطلبه، خاصة وأن القوّة الشرائية في المجتمع الرأسمالي تتركز في القلّة المحظوظة التي تسيطر على ثروات البلاد، وتفتقدها بشكل كبير ومتزايد مع الزمن، القاعدة الأدنى التي تتكوّن منها أكثرية المجتمع الرأسمالي.

 

ونتيجة التفاوت الهائل في القوّة الشرائية تَحتَكِر الطلبات ذات القوّة الشرائية الضخمة، القدرة على توجيهَ الإنتاج، وتُملي إرادتها عليه، وتحرم الطلبات الحياتية للجمهور منها، ويؤدّي ذلك إلى تجنيد المشاريع الرأسمالية كلّ طاقاتها لإشباع الطلبات المترَفة فتمتلئ الأسواق الرأسمالية بألوان من سلع الترف والكماليات، بينما تفقد الكمّية الكافية من السلع الضرورية لحياة الانسان. هذه إذن هي الطريقة التي تحكم حركة الانتاج ونتائجها على السوق والمجتمع في الرأسمالية.

 

التوجيه الإسلامي للإنتاج الاجتماعي

النظام الاقتصادي الإسلامي يتجاوز هذه المشكلة من خلال قاعدتين:

1 ـ يشترط الإسلام على الإنتاج الاجتماعي أن يشبع الحاجات الضرورية لجميع أفراد المجتمع، بإنتاج الكمّية اللازمة من تلك السلع. وبدون ذلك، لا يجوز توجيه الطاقات إلى غير ذلك من حقول الإنتاج. فالحاجة الإنسانية نفسها ذات دور مباشر وإيجابي في توجيه حركة الإنتاج، بقطع النظر عن رصيدها النقدي او مردودها.

2 ـ يحتمّ الإسلام أيضاً على الإنتاج الاجتماعي أن لا يؤدّى إلى الإسراف، فهو محرّمٌ في الشريعة على الأفراد وعلى المجتمع. فكما يحرّم على الفرد أن يستعمل العطور الثمينة في غسل ساحة داره؛ لأنّه إسراف، كذلك يحرّم على المجتمع أن ينتج من العطور أنواعا وكميةً تزيد على الحاجة الحقيقية للمجتمع.

 

ويسمح الإسلام لولي الأمر او الحكومة، بالتدخل في توجيه الإنتاج حين يكون ضروريا لضمان إنتاج الحدّ الأدنى الكافي من السلع الضرورية، من جهة، وضمان عدم تجاوز الحد الى الإسراف، من ناحية أخرى، مثلما يسمح لها بالتدخل لضمان قيامها بواجباتها الاقتصادية الأخرى للمجتمع؛ فمشاريع الإنتاج الخاصة إن تركت لإرادة أصحابها دون توجيه مركزي من قبل السلطة الشرعية ستؤدي إلى تسيب الإنتاج الاجتماعي، وتعرّضه للإسراف والإفراط من جانب، وللتفريط بالحدّ الأدنى من الضروريات من جانب آخر. فلا بدّ لضمان سير الإنتاج الاجتماعي بين الحدّين، من تدخل الحكومة بالأشراف والتوجيه