للذهاب الى صفحة الكاتب   

العراق: وفرة الثروات وسوء الادارة

جواد العطار

 

 

ما زال الوضع الاقتصادي بالعراق في حالة من عدم الاستقرار، تنذر بتحديات ومخاطر جسيمة وكارثية اذا استمر الوضع على ما هو عليه، في ظل غياب سياسة اقتصادية رشيدة ومدروسة تستوفي متطلبات النجاح، مع اقتصاد احادي ما زال يعتمد بشكل اساسي على تصدير النفط ، الذي يمثل ٨٨ بالمئة من ايرادات الحكومة و٩١ بالمئة من صادرات السلع ، وفق آخر تحديث لبيانات البنك الدولي.

هذا الاقتصاد المدعوم بكميات هائلة من الثروات الطبيعية المتنوعة، من الغاز والنفط والفوسفات وغيرها، وبقدرات بشرية يتمتع بها شعب فتي يفوق تعداده ٤٦ مليون نسمة، وفق آخر بيانات وزارة التخطيط العراقية ، وبموقع جغرافي مهم بين نهرين طويلين وتربة خصبة للزراعة ، في بلد يمتد تاريخه لأكثر من سبعة آلاف عام، ويزخر بالحضارة والمقومات السياحية والمراقد الدينية والمقامات والزيارات على مدار العام من مختلف اصقاع الأرض... ومع كل هذه الامكانات، ما زال اقتصاده يعاني، ولم يستطع الساسة الحفاظ على وضع متوازن يلبي الاحتياجات ويقود ابناء البلد الى بر الامان نحو حياة كريمة تصون كرامة الانسان وتحفظه من الحاجة والاقتراض.

فما السبب؟ هل هو الاحتلال، ام السياسات الخاطئة ام الساسة انفسهم أم الفساد ام المحاصصة؟ باختصار، من الذي اوصلنا الى هذا الحال؟ والسؤال الاهم: لماذا لم تتحول هذه الامكانات الى رخاء يلمسه المواطن؟

ان الذين اوصلوا العراق الى هذا الحال هم الساسة الذين اخفقوا في ادارة دفة الدولة والحكم، والسياسات الخاطئة التي كرست الاقتصاد الريعي، والفساد الذي استنزف الثروات ونخر مؤسسات الدولة، والمحاصصة التي اثقلت مؤسسات الدولة وتقاسمت من خلالها المناصب دون وجه حق او معيار عادل.

اما الاحتلال، فعلى الرغم من مسؤوليته عن جانب كبير من الدمار والاضطراب، فإن ذلك لا يعفي القوى السياسية التي تولت الحكم بعد عام ٢٠٠٣ من مسؤولية ما آلت اليه اوضاع البلد اليوم.

ان المشكلة الحقيقية ليست في فقر العراق، بل في طريقة ادارة ثرواته؛ وليست في قلة موارده، بل في غياب الارادة السياسية لبناء دولة منتجة وعادلة. فبلد يمتلك النفط والغاز، ويحتل المرتبة الخامسة عالميا وفقا لتقديرات منظمة اوبك باحتياطي يفوق ١٤٥ مليار برميل، يفترض الا يبقى اسير تقلبات اسعار النفط عالميا، او ان يثقل كاهل مواطنيه بالبطالة والحاجة والديون وارتفاع تكاليف المعيشة، او بفرض الضرائب وزيادة المكوس، او ان يلجأ الى رفع سعر صرف الدولار وخفض قيمة الدينار العراقي في بلد لا ينتج الا النزر اليسير من احتياجاته، ويستورد معظم ما تبقى منها.

اننا لا نحتاج الى طباعة المزيد من العملة العراقية، ولا الى رفع سعر صرف الدولار الامريكي محليا، ولا إلى موازنة انفجارية تتجاوز ٢٠٠ تريليون دينار، مثلما هو مخطط لموازنة عام ٢٠٢٧ ، التي يُتوقع ان يذهب ٧٠ بالمئة منها لتسديد رواتب جيوش الموظفين. بل نحن بحاجة اليوم الى ثورة حقيقية تتجاوز الروتين، وتعمل على بناء الصناعة المحلية، وتطوير الزراعة، وتنشيط السياحة، وكل ما من شأنه توفير فرص العمل وتعزيز قيمة البلد في اعين مواطنيه قبل زائريه.

وخلاصة القول، ان الاحتلال اسهم في صناعة الازمة بشكل او بآخر، لكنه انسحب عام ٢٠١١  واستمرار الازمة اليوم تتحمل مسؤوليته منظومة الحكم التي لم تنجح في بناء دولة المؤسسات والانتاج والمحاسبة.