
من رحم النضال- للتأريخ/ 113
د. مزاحم مبارك مال الله
بعد ساعات بدأت الشمس تميل مسرعة نحو المغيب متخيلاً نفسي في لقطة سينمائية من على متن طائرة هيلوكوبتر، لممثل هائم وسط الضجيج يبحث عن مستقر له في احدى الباصات كي تقله الى حيث أحضان الاهل.
في سكون رهيب لف أجواء باص (التاتا) التي كانت تقل العسكريين بمختلف الرتب والمناصب طوال أيام طاحونة الحرب الإجرامية (التي لم أشارك بها فعليا) والتي خاضها الشعبان العراقي والإيراني دون ان تكون لكليهما لا ناقة ولا جمل. فكيف تريد الأنظمة الدكتاتورية ان تقنع الناس ان العامل الإيراني هو عدو العامل العراقي أو الأسكافي الإيراني لديه مشكلة مع الأسكافي العراقي، وما هدف المعلم الإيراني ليقتل المعلم العراقي... انها رغبات الدكتاتوريين في الاستحواذ على كل شيء بما فيها عقول الناس وافكارهم..
في ذلك السكون الذي مزقه أصوات شخير هنا أو هناك صادرة من ما يشبه الاشلاء العسكرية والتي بدت كجثث (من شدة التعب والإرهاق وخوار القوى) ترتدي الملابس الخاكية، وكذلك صوت محرك الباص، ناهيك عن سعال المدخنين.. وبين الغفو والصحو فجأة تفتح عينيك امام سيطرات التفتيش العسكرية (وهي مهمة الإنضباط العسكري بطبيعة الحال) وكأنهم متخصصون بهذه المهمة الإرهابية.. ومؤكد ليس كلهم مراتب عسكرية بل من بينهم بملابس مدنية للدلالة على عناصر الاستخبارات الشرسين.
ويا مكثر اللقطات والمواقف المؤلمة التي حصلت أمامي وانا شهدتها من قبل هؤلاء الشرسين والذين يعدون انفسهم أعلى وأقوى بل ومتميزين عن كل الناس الموجودين في باص التاتا، اسلوبهم اوامري متعجرف على طول الخط ، وربما يشعرون بالإهانة أو الإستفزاز حينما يجدون الجنود نائمين أو محتسري الرؤوس ساعة تسلقهم عتبات الباص.
التاتا هذه ومئات امثالها والتي اقلت آلاف الشباب الى المحارق وربما اعداد ليست قليلة منهم لم يرجعوا بها الى آهاليهم.. إنها المجرم الذي لا حياة فيه، إنها الواسطة التي كانت سبب هجمان البيوت وكذلك في ثراء أخرين على حساب آلام وجراح وتعب وسحق مشاعر العراقيين.
اعرف ان المسافة بين كراج العمارة وبين الوصول الى تقاطع الخط السريع من ناحية بغداد الجديدة والذي يطلق عليه (مفركك الأمين) بين 4 اربع ساعات واربع ساعات ونصف.. ربما يزيد او ينقص قليلاً تبعاً لوجود منغصات الطريق:
• "ياجماعة نوكَف بالكوت لو نطلع كَبل"..هكذا كان ينادي سائق التاتا والذي في احيان يرغب في مواصلة المسير دون التوقف ، فالوقوف يأخذ منه وقت لا يقل عن نصف ساعة، بينما هو يريد ان يصل الى بغداد ليقل وجبة جديدة من الملتحقين الى وحداتهم...
(يتبع)
