
هل جربت أن ترتدي حذاء غيرك؟!
نوال عايد الفاعوري
ثمة حكمة لهنود أمريكا تقول: "قبل أن تحكم على شخص، سر لمدة ثلاثة أشهر وأنت ترتدي حذاءه".
لا أعلم لماذا ثلاثة أشهر... قد تكفي ثلاثة أيام، ولكن ربما إطالة المدة أدعى لفهم الآخر ودوافعه وبواعثه وظروفه.
ربما تكفي ثلاثة أيام، وربما لا تكفي سنوات، فثمة تجارب لا تُفهم من الخارج، وأوجاع لا تنكشف عن حقيقتها إلا لمن عاشها.
ولبس الحذاء استعارة وكناية لمحاولة العبور إلى حياة الآخر أن نرى بعينيه، ونشعر بقلبه، ونسير في الطرق التي سار فيها، حتى ندرك أن ما يبدو لنا تعثرًا قد يكون مقاومة شاقة، وأن ما نحسبه ضعفًا قد يكون آخر ما تبقى للإنسان من طاقة على الاحتمال.
كم من إنسان أسأنا فهمه لأننا رأينا خطوته الأخيرة، ولم نعرف المسافة التي قطعها قبلها!
وكم من قسوة حكمنا عليها دون أن نعرف ما خلفته الحياة في صاحبها من ندوب!
وكم من تصرف استنكرناه لأننا لم نجرب الظروف التي دفعته إليه!
نحن، في الغالب، نحاكم الآخرين من مقاعدنا الآمنة، ونقيس قراراتهم بموازيننا، وننسى أن ما نراه بسيطًا قد يكون في حياة أحدهم معركة لا يعرف كيف يخرج منها.
فكما نطلب من الآخرين أن يحاولوا فهمنا، علينا أن نحاول فهمهم أيضًا. لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، ولا أحد يستطيع أن يحكم على حكاية لم يعرف منها إلا فصلًا واحدًا.
لكن، هل يكفي أن نفهم؟
الفهم يمنحنا المعنى، وإن لم يمنحنا مخرجًا. قد نكتشف الأسباب، ونفهم الدوافع، وندرك كيف وصلت الأشياء إلى ما وصلت إليه، ثم نبقى عاجزين عن تغيير شيء.
وقد نصل إلى الحكمة متأخرين، بعد أن تكون الحياة قد استوفت ثمن الدرس، وتركتنا أمام خسارات لا يعوضها الفهم.
بعض الحقائق لا تنقذنا، بل تجعلنا أكثر وعيًا بما لا نستطيع إنقاذه. ولعل هذه إحدى مفارقات الوعي أنه يوسع رؤيتنا للعالم، لكنه قد يسلبنا بساطة العيش فيه.
نقرأ ما وراء الكلمات، ونفتش في دوافع البشر، ونبحث عن المعاني الخفية، حتى تصبح الأشياء التي كان يكفي أن نشعر بها أشياء علينا أن نفهمها أيضًا.
أحيانًا أشتهي قليلًا من الغفلة، وبعض الغباء، وتلك السذاجة الأولى التي تجعلنا نصدق الأشياء قبل أن نتعلم الشك فيها، ونضحك دون أن نفتش عما وراء الضحكة.
لكن، هل كانت لي سذاجة أولى أعود إليها؟ أم أنني كنت منذ البداية أسيرة هذا الوعي المعذب الذي لا يترك للأشياء براءتها الأولى، ولا يسمح للمشاعر أن تمر دون استجواب؟
تعبت من الحكمة التي تجعلني أرى الاحتمالات كلها، ومن الأسئلة التي تستيقظ في رأسي حتى حين لا أحتاج إلا إلى قليل من الطمأنينة.
أريد أن أمر ببعض الأشياء دون أن أفتش عن معانيها، وأن أترك للحياة حقها في أن تكون عصية على الفهم.
وأنا أكتب عن الحكمة، تذكرت أبي. تذكرت عينيه حين كان يستمع إليّ، ثم يقول بنبرة أعرفها جيدًا: "حكمة".
أبتسم كلما استعدت ذلك المشهد، ثم أشعر بوخزة في قلبي، كأن الذاكرة تمنحني لحظة من الدفء، وتذكرني في الوقت نفسه بأن بعض اللحظات لا تعود، مهما أتقنا استحضارها.
يا أبي، كم وددت لو أستطيع أن أقول لك اليوم إنني لا أريد مزيدًا من الحكمة.
أريد قليلًا من الغفلة، شيئًا من البساطة التي تعفيني من الإفراط في الفهم، وتسمح لي بأن أعيش بعض اللحظات دون أن أحولها إلى أسئلة.
لكنني، حتى في هذه الأمنية، لا أستطيع أن أتخلى عن السؤال
كأن الوعي باب ندخله مرة، ثم نكتشف أننا لا نعرف كيف نخرج منه.
ربما لا تكمن النجاة في التخلي عن الحكمة، بل في أن نتعلم متى نتوقف عن البحث، ومتى نترك للأشياء حقها في الغموض، ومتى نكف عن استنزاف أرواحنا في محاولة فهم ما لا نملك تغييره.
أن نفهم الآخرين دون أن نحمل أحزانهم جميعًا
وأن نتعاطف معهم دون أن نفقد أنفسنا في حكاياتهم
وأن نكون رحماء بما يكفي لنعذر، وحكماء بما يكفي لنعرف أن الفهم لا يعني دائمًا القبول، وأن الرحمة لا تقتضي أن نفتح أبوابنا لكل من آذانا.
أراقب الناس وهم يمضون في طرقهم، وأفكر في تلك الأحذية التي لا يراها أحد، وفي الأثقال التي يحملها أصحابها بصمت، وحكايات تختبئ خلف وجوه عابرة، وأشخاص ربما نلتقيهم كل يوم دون أن نعرف كم كلفهم الوصول إلى هذه اللحظة.
أود لو أناديهم جميعًا:
تعالوا ليلبس كل منكم حذاء الآخر!
تعالوا لنجرب أن نفهم بعضنا بعضًا، ولنخلع، ولو قليلًا، أحكامنا الجاهزة، ونسير في طرق الآخرين.
لعلنا نكتشف أن بعض الذين أسأنا الظن بهم لم يكونوا كما تخيلنا، وأن الذين قسونا عليهم كانوا يخوضون معارك لم نرها، وإن كان فهمنا لهم لا يمحو بالضرورة أثر ما فعلوه بنا.
تعالوا نتبادل الأحذية، لندرك أن لكل إنسان أرضًا يمشي عليها، ووجعًا يتقيه، وخوفًا يحاول إخفاءه، وحكاية لا تظهر كاملة في ملامحه.
وليتنا، ونحن نتعلم فهم الآخرين، نتعلم أن نكون أكثر رفقًا بأنفسنا، فلا نطالبها بفهم كل شيء، ولا نحملها مسؤولية إصلاح كل ما انكسر، ولا نحرمها من حقها في الفرح لمجرد أنها أدركت ما لم تكن تدركه من قبل.
ربما كانت الحكمة الأعمق أن نعرف متى نفهم، ومتى نعذر، ومتى نمضي، ومتى نترك الحياة تمضي دون أن نلاحقها بأسئلتنا.
تعالوا نرتدي أحذية بعضنا بعضًا، لعلنا نصبح أقل قسوة وأكثر رحمة، ولعلنا، ونحن نحاول فهم العالم، نترك لأنفسنا فسحة صغيرة من الغفلة الجميلة تلك التي لا تنقص من حكمتنا شيئًا، لكنها تعيد إلى أرواحنا بعض السلام.
نوال عايد الفاعوري
