للذهاب الى صفحة الكاتب   

صعوبة تربية الأبناء وشكوى الآباء

صالح مهدي محمد

 

 

لم تعد تربية الأبناء كما كانت في السابق، حين كان الأب يضع القواعد، وتلتزم الأسرة بها، ويعرف الابن ما له وما عليه. كانت كلمة الأب مسموعة، وكانت الأم شريكة في ضبط البيت، وكان الطفل ينشأ وهو يدرك أن للحياة حدوداً لا يمكن تجاوزها. أما اليوم، فقد أصبحت الشكوى تتكرر على ألسنة الآباء: لم نعد نعرف كيف نربي أبناءنا!

لماذا أصبحت التربية صعبة إلى هذا الحد؟ هل تغير الأبناء أم تغير الزمن، أم أن الاثنين تغيرا معاً؟

 

في الماضي، كان الابن يتعلم من أسرته، ومن محيطه القريب، ومن تجارب الحياة اليومية. كانت الأسرة المرجع الأول في معرفة الصواب والخطأ، وكان الأب والأم يملكان مساحة واسعة لتوجيه أبنائهما. أما اليوم، فقد تعددت مصادر التأثير، وأصبح الابن يتلقى أفكاره من جهات كثيرة، بعضها لا تعرف الأسرة عنها شيئاً. ولم تعد نصيحة الأب وحدها كافية لإقناع الابن، فقد يجد أمامه من يقول له عكسها، ويمنحه شعوراً بأنه أكثر فهماً من والديه.

 

المشكلة ليست في أن يطلب الابن الاستقلال، فهذا حق طبيعي مع تقدمه في العمر، بل في أن يتحول الاستقلال إلى رغبة في الابتعاد عن الأسرة، وكأن التربية مسؤولية تنتهي بمجرد أن يكبر الطفل، أو كأن دور الأب والأم يقتصر على توفير الطعام والملبس والتعليم، ثم لا يحق لهما السؤال أو التوجيه.

 

لقد أصبح بعض الأبناء ينظرون إلى النصيحة باعتبارها تدخلاً، وإلى المتابعة باعتبارها تقييداً للحرية، وإلى الاعتراض على قراراتهم باعتباره انتقاصاً من شخصياتهم. وفي المقابل، يجد الآباء أنفسهم في حيرة: إن شددوا في التعامل اتُّهموا بالتسلط، وإن تركوا لأبنائهم حرية الاختيار اشتكوا من ضياع المسؤولية.

لكن هل يمكن أن نطالب الابن بالاستقلال قبل أن نهيئه لتحمل نتائجه؟ وهل يكفي أن نقول له: أنت حر، من دون أن نعلمه أن الحرية ليست أن يفعل ما يريد فقط، بل أن يتحمل أيضاً عواقب ما يفعل؟

 

إن بعض الآباء يخطئون حين يتمسكون بأساليب تربوية قديمة لا تناسب أبناءهم اليوم، وبعض الأبناء يخطئون حين يرفضون كل ما يأتي من الآباء لمجرد أنه لا يتفق مع رغباتهم. وبين الطرفين تضيع أحياناً فرصة الحوار، ويتحول البيت من مساحة للتفاهم إلى ساحة للجدال والعتاب.

 

لسنا مطالبين بإعادة الزمن إلى الوراء، ولا بإبقاء الأبناء تحت سلطة الأسرة إلى الأبد، ولكننا بحاجة إلى فهم أن التربية ليست أمراً مؤقتاً ينتهي عند سن معينة، ولا هي أوامر ينبغي أن تُطاع من دون نقاش. إنها إعداد للابن كي يواجه الحياة، ويعرف كيف يختار، ومتى يتراجع، وكيف يميز بين ما يرغب فيه وما يحتاج إليه.

 

وربما على الآباء أن يدركوا أن أبناء اليوم لا يمكن تربيتهم بالطريقة نفسها التي تربوا بها، كما أن على الأبناء أن يفهموا أن تغير الزمن لا يلغي فضل الأسرة، ولا يجعل الخبرة القديمة بلا قيمة.

 

إن شكوى الآباء من صعوبة تربية الأبناء قد لا تكون لأن الأبناء أصبحوا أسوأ، بل لأن المسافة بين جيلين اتسعت، فيما لم تتغير لغة الحوار بينهما بما يكفي. وحين تصبح الحرية بديلاً عن المسؤولية، والنصيحة مرادفاً للتدخل، لن يكون البيت وحده هو الذي يعاني؛ بل سيجد الابن نفسه أمام حياة لم يتعلم بعد كيف يواجهها.