
حول اعتذار نعوم تشومسكي عن علاقته بإبستين
علاء اللامي
كاتب عراقي
لم يحظَ بيان الاعتذار الذي أصدرته فاليريا تشومسكي، زوجة العالم الألسني والناشط المناهض للإمبريالية نعوم تشومسكي باسمها وباسم زوجها المريض والعاجز عن الكلام بتغطية إعلامية عادلة ومحايدة تكافئ تلك الضجة التي حظيت بها التقارير الإخبارية العاجلة التي نشرت حول فضيحة وجرائم إبستين، والرد الأولي لتشومسكي حول الموضوع والذي لم يخلُ من التسرع والاستعلائية وقد اعتذر عنه لاحقا. فقد تحدثت بعض التقارير والمقالات وخصوصا في الصحافة الخليجية أو الممولة خليجياً بطريقة اتهامية لا تخلو من الأحكام المسبقة والثأرية من مواقف تشومسكي السياسية النقدية القديمة والمناهضة لأنظمتهم الحاكمة الاستبدادية التابعة للغرب.
العالم المرموق حين يخطئ
سنحاول في هذا النص تسليط الضوء على هذه القضية، وتحديدا على المفصل الخاص بعلاقة آل تشومسكي بإبستين. منطلقين من مبدأ يُعلي من شأن الحقيقة أولاً، ويؤكد أن الإنجاز العلمي المرموق لعالم كبير ما، ومواقفه التضامنية الإيجابية مع قضايانا، لا يعني ولا يمكن أن يكون رافعة لتبرئة مسبقة لصاحبها من أي اتهام، لأنهما أمران من طبيعة مختلفة ثانياً.
فالإنجاز العلمي المرموق لتشومسكي، وخصوصاً نظريته الألسنية في "النحو التوليدي" التي عُدَّت ثورة حقيقية في علم اللسانيات الحديث، وكذلك مواقفه السياسية التقدمية تبقى إنجازات باهرة تحمل اسمه، وهي في الوقت نفسه ملك للتاريخ والإنسانية جمعاء ولن تتأثر جوهرياً بما يحدث له شخصياً لاحقاً من ظروف وحوادث عوارض وأخطاء هي ذات طبيعة بشرية أولاً وأخيراً.
يُعَدُّ تشومسكي، إضافة إلى تخصصه العلمي الألسني، مؤرخاً وكاتباً سياسيا نقدياً مهتماً بشكل خاص ومن باب التضامن الأممي بالقضية الفلسطينية وسبق له أن زار قطاع غزة متضامناً وملبياً لدعوة علمية في غزة بتاريخ 18 أكتوبر 2012. ولا يمكن الشطب على إنجازه النظري وممارساته التضامنية بأية طريقة كانت بسبب خطأ شخصي ارتكبه لاحقاً، خصوصاً وأن الرجل ليس متهما وليس مداناً في هذه القضية بل أخطأ في التعامل خلالها مع الشخص المدان واعتذر عن ذلك كما سنبين تفصيلا.
ولتشومسكي في هذا الباب التأريخي النقدي والتضامني عدة كتب مهمة منها كتاب "حول فلسطين (On Palestine)" بالاشتراك مع المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية إيلان بابيه، وكتاب "أوهام الشرق الأوسط / (Middle East Illusions)"وكتاب "المثلث المشؤوم (The Fateful Triangle)" الذي يُعد من أهم المراجع التاريخية والسياسية التي تفكك العلاقات الاستراتيجية بين أمريكا وإسرائيل وتأثيرها المدمر على الشعب الفلسطيني منذ النكبة وحتى ثمانينيات القرن الماضي. وآخر كتاب له ألَّفه بالاشتراك مع المؤرخ بابيه هو "غزة في أزمة (Gaza in Crisis)" يوثقان فيه مسار العدوان الإبادي والانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين والحصار المفروض على قطاع غزة وتواطؤ السياسة الأمريكية.
من المعلوم أن تشومسكي توقف عن النشاط السياسي والفكري عامة سواء كان ذلك بالكتابة أو عقد اللقاءات والحوارات بشكل نهائي بعد إصابته بالجلطة الدماغية في حزيران - يونيو 2023، وكان حينها قد بلغ الرابعة والتسعين من العمر.
ورغم إصابته بالجلطة الدماغية وفقدانه القدرة على الكلام، ظل تشومسكي ثابتاً في موقعه التضامني مع الشعب الفلسطيني خلال حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها. فقد ذكرت زوجته فاليريا في حزيران - يونيو سنة 2024، كما نقلت وكالة أسوشتيدبرس، أن زوجها موجود في مستشفى بساو باولو، بعد إصابته بالسكتة الدماغية. وقالت للوكالة إنَّ زوجها ظل يتابع الأخبار القادمة من فلسطين وهو على سرير المرض وعندما يرى صور الحرب والقتل والتدمير في غزة يرفع ذراعه اليسرى في إشارة غضب ورثاء.
الاعتراف بخطأ جسيم في التقدير والتحقق
لنلقِ نظرة على أهم ما ورد في الاعتذار الذي قدمته فاليريا تشومسكي في 7 من شباط / فبراير من العام الجاري:
يمكن الاعتقاد أن العبارة الأهم التي وردت في هذا البيان هي: "لقد كنا مهمِلَين ولم نتحقق بصورة شاملة من خلفيته (إبستين). كان هذا خطأً جسيماً. وعن هذا التقصير في التحقق والتقدير، أعتذر بالنيابة عن كلينا. وقد شاركني نعوم، قبل إصابته بجلطته، أنه كان يشعر بالأمر نفسه". ثم تضيف: "كان من المزعج للغاية لكلينا، أن ندرك أننا دخلنا في علاقة مع شخص قدّم نفسه بصفته صديقاً مساعداً، بينما كان يعيش حياة سرية مليئة بأفعال إجرامية ولا إنسانية ومنحرفة".
وتقول أيضاً: "نعوم وأنا ندرك خطورة جرائم جيفري إبستين، والمعاناة العميقة لضحاياه. وليس في هذا البيان ما يُقصَد به التقليل من تلك المعاناة، ونحن نعرب عن تضامننا غير المشروط مع الضحايا".
والأهم في اعتذار الزوجين تشومسكي إنهما لم يكتفيا بالقول إنهما لم يكونا يعرفان حقيقة إبستين، بل أقرّا صراحةً بأن عدم البحث في خلفيته كان خطأً جسيما. وهذا مهم لأن علاقتهما لم تكن لقاءً عابراً. وفي التفاصيل تسجل فاليريا إنها وزوجها كانا قد "تناولا العشاء في منزل إبستين في نيويورك. وأقاما عدة مرات في شقة عرضها عليهما في نيويورك. وزارا شقته في باريس. وتناولا الغداء في مزرعته في نيو مكسيكو. وحضرا لقاءات أكاديمية واجتماعية متعددة معه". لكنها تؤكد في المقابل أنهما لم يذهبا إلى جزيرته، ولم يشاهدا أطفالاً أو قاصرين في اللقاءات التي حضراها، ولم يشاهدا سلوكاً إجرامياً أو غير لائق منه".
اعتذار حقيقي ولكن
هناك اعتراف مهم آخر ورد في البيان، وفيه تقول فاليريا "إنَّ رد تشومسكي العلني الأول عام 2023، أي بعد إدانة إبستين، لم يكن كافياً في إظهار خطورة جرائم الشخص المدان ومعاناة ضحاياه، لأن تشومسكي افترض أن إدانته لهذه الجرائم مفهومة ضمناً". ثم تضيف إنَّ الموقف كان ينبغي أن يكون أكثر صراحة وحزما". والعبارة الأخيرة توحي بأن السيدة تشومسكي غير مقتنعة تماماً بهذا التفسير لعدم إظهار خطورة جرائم إبستين ومعاناة ضحاياه من قبل تشومسكي "لأنه كان يفترض أنَّ ذلك مفهوم ضمناً". وهو تبرير ضعيف فعلاً ولا يعوَّل عليه كثيراً.
ولكن، كيف فسَّرت فاليريا تقديم تشومسكي النصح إلى إيبستين بأن يتجاهل الهجوم الإعلامي عليه؟ إنها تعلل ذلك بأن إبستين أقنع تشومسكي بأنه يتعرض للاضطهاد بصورة غير عادلة من قبل الإعلام، وأن تشومسكي تحدث متأثراً بتجربته الشخصية في النزاعات السياسية والإعلامية وما لاقاه من اضطهاد إعلامي، وأن إبستين كان قد بنى له "رواية كاذبة ومخادِعة" عن قضيته. وهذا يعني بكل صراحة أن تشومسكي أبدى -للأسف - قدراً كبيراً من حسن النية تقارب السذاجة. ولكن التفسير الذي قدمته الزوجة عموما قابل للتصديق خصوصاً من قبل المطلعين على معاناة تشومسكي مع الإعلام البرجوازي الغربي، ولكنه قد لا يكون تفسيرا مقنعاً لغيرهم.
في تعليلها لسبب تأخرها، هي وزوجها، في إصدار بيان الاعتذار، تبين فاليريا إنَّ زوجها المسنَّ نعوم، يعاني منذ إصابته بجلطة في يونيو/حزيران 2023 من وضع صحي شديد التعقيد، وأنه غير قادر على الكلام أو المشاركة في النقاش العام أو جمع المعطيات والوصول إلى المعلومات الخاصة بالموضوع. لذلك كانت هي المسؤولة عن رعايته، ولم يكن لديهما فريق للعلاقات العامة، بل اعتمدت على نفسها وقدرتها وعلاقاتها الشخصية ولهذا لم تتحدث عن الموضوع تفصيلاً إلا الآن.
وعن بدايات العلاقة بينهما وبين إبستين تقول إنهما تعرفا إليه معا سنة 2015 في إحدى المناسبات المهنية الخاصة بتشومسكي. وإنه قدَّم نفسه لهما بصفته فاعل خير يدعم العلوم، وخبيراً مالياً. وأنه بدأ بعد ذلك في التواصل مع تشومسكي وإرسال الهدايا وخلق فرص للقاءات والنقاشات العلمية. وتقول إنهما يدركان الآن أن ذلك كان جزءاً من أسلوبه في استمالة تشومسكي. وتقول إنهما في السنوات اللاحقة لم يكونا يعرفان بإدانته عام 2008 في فلوريدا، وإن الأمر لم يصبح معروفاً لهما إلا بعد تقرير صحيفة
(Miami Herald) في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 الذي فجَّر الفضيحة من جديد وكان بقلم الصحافية الشجاعة جولي براون.
خلافات عائلية ومبالغ مالية
أما عن المبلغَين من المال اللذين استلمها زوجها من إبستين عبر محاميه، الأول هو عشرون ألف دولار، والثاني 270 ألف دولار، توضح فاليريا أنَّ المبلغ الأول جاء بعد أن طلب "إبستين من تشومسكي أن يصمم له مسابقة علمية في ميدان اختصاصه علم الألسنيات لتكون مسابقة دورية لها جائزة مالية. وقد اشتغل تشومسكي فعلاً على هذا المشروع وأرسل نتائج عمله إلى إبستين الذي ردَّ بعد مدة بإرسال شيكٍ بمبلغ عشرين ألف دولار له كأجر عن العمل الذي قام به. فكان المبلغ المذكور مقابل عمل مهني أكاديمي محدد، وليست استثماراً أو هدية أو منحة مالية شخصية. وقامت جهة مالية قانونية تابعة لإبستين بالتواصل معهما لترتيب إرسال الشيك إلى منزلهما بشكل رسمي، وقد أكدت وثائق وزارة العدل الأميركية التي سُربت لاحقاً هذه المعطيات.
إن هذه الرواية يصعُب الشك بتفاصيلها، فالوثائق والأدلة المعلنة لا تنفي أو تعاكس دوافع وسياق تسديد المبلغ ولكنها قد لا تمنع المتابع المحايد من أن يتساءل عن الدوافع الحقيقية وراء المشروع الذي اقترحه إبستين على تشومسكي، ولماذا لم يشك هذا الأخير بأن تكون له دوافع أخرى له غير الدوافع الأكاديمية؟
أما بالنسبة للمبلغ الثاني والبالغ 270 ألف دولار، فهو مبلغ كبير، وربما سيصدم من لا يعرفون شيئاً عن الحالة المالية الجيدة لآل تشومسكي. ويمكن أن نأخذ فكرة واضحة بمراجعة الوثائق المالية التي ظهرت في الملفات التي توضح لنا هذا السياق.
ففي كشف مالي من بين آلاف الكشوفات والوثائق التي أطلقتها وزارة العدل الأمريكية التي تم تسريبها وتداولها على نطاق واسع في أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026، يظهر كشفٌ مؤرخ حول نهاية 2017/بداية 2018 الأصول والأرصدة المالية لتشومسكي وزوجته فاليريا وأولاده الثلاثة من زوجته المتوفاة كارول بمجموع يقارب 8.3 (ثمانية ملايين وثلاثمائة ألف) دولار. كما يظهر حساب (IRA) لتشومسكي حيازته لأكثر من مليوني دولار.
إذن، لا يمكن احتساب هذا المبلغ البالغ 270 ألف دولار خارقاً أو مستحيلاً قياساً للوضع المالي لعائلة تشومسكي. ولكن خلف هذا المبلغ يوجد خلاف عائلي مالي قديم بين أفراد عائلة تشومسكي..
ويعود إلى قلق زوجته فاليريا على نصيبها ونصيب زوجها المسن من الأصول المالية للعائلة، التي يعود قسم منها إلى أولاد تشومسكي من زوجته السابقة الراحلة كارول. وأولاده هم؛ إفيفا تشومسكي الابنة الكبرى ولدت سنة 1957 وهي مناضلة يسارية سارت على خطى والدها في الفكر والنشاط الأكاديمي والتضامن مع الشعوب وتعمل مؤرخة وأستاذة جامعية متخصصة في تاريخ أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، ولها عدة مؤلفات حول قضايا الهجرة، والعمالة، والاستعمار، وديانا تشومسكي التي ولدت سنة 1960 وهاري تشومسكي المولود سنة 1967.
وقد نشأت خلافات بين الأبناء وأبيهم وزوجته قبل أن يتعرَّف تشومسكي وفاليريا على إبستين. وكان لديهم محامي يشرف ويتابع قضية أصولهم المالية هو ماكس كوهلنبرغ. وكان هو المسؤول المُعَيَّن قانونياً لإدارة الصندوق الائتماني العائلي الخاص بزوجة تشومسكي الأولى. وبما أن الأموال كانت تابعة لهذا الصندوق، وكان كوهلنبرغ هو الشخص الذي يتحكم في توزيعها لضمان حقوق الأبناء، فقد استعان تشومسكي بإبستين ومحاميه ليساعده في استعادة مبالغ تعود له ولم يستطع محاميه استعادتها. وهنا تدخل إبستين واستطاع عبر محاميه الجنائي الشهير ريد وينغارتن ومحاسبه (ريتش كان) أن يستعيد من أموال تشومسكي المعلقة مبلغ 270 ألف دولار.
وقد أقرَّت فاليريا في بيان الاعتذار الرسمي أن لجوءهما إلى إبستين في ذلك الخلاف العائلي كان "خطأً فادحاً وناتجاً عن سوء تقدير وسذاجة"، وهذا يوحي أن الملف ترك جرحاً عائلياً وأزمة إرثٍ لم تُحل بالطريقة التي خططوا لها.
أما تشومسكي فقد أوضح في مناسبة سابقة أنه هو وزوجته الأولى (كارول) التي تُوفيت عام 2008، لم يعيرا المسائل المالية اهتماماً كبيراً طوال حياتهما. وعندما قرر في عام 2018 نقل وإعادة هيكلة أصوله وتوزيع أموال الحسابات المشتركة من زواجه الأول، واجه عقبات وتعقيدات قانونية وفنية تمنعه من سحب وتوزيع المبالغ بسهولة. لذلك فإن مبلغ الـ 270 ألف دولار، كان بالفعل من أموال تشومسكي وليس ثروة جديدة منحها له إبستين. ومما يمنح كلامه صديقية إضافية أن المبلغ الذي استلمه تشومسكي فعلاً هو (269,159) دولاراً وهو ما يشير إلى أن محامي إبستين قد يكون استقطع جزءاً من المبلغ كأتعاب محاماة أو استقطاعات إدارية بلغت 841 دولاراً، وهذا الأمر بحاجة إلى الاطلاع التفصيلي على الوثيقة الخاصة بتحويل المبلغ.
تشومسكي يلتقي بمَن وصفه مجرمَ حربٍ
كشفت الوثائق وجداول مواعيد المدان إبستين أنه رتب لقاءً جمع بين تشومسكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك.
وكما تقدم فقد عُرف تشومسكي بمواقفه الجذرية المناهضة للسياسات الإسرائيلية مثلما عُرف كمؤرخ وكاتب سياسي مهتم بالشأن الفلسطيني. وقد ذكرنا بعض عناوين كتبه وأبحاثه التاريخية المهمة في هذا الباب. وعلى هذا يغدو لقاؤه بباراك من دون أن يتنازل عن قناعته السياسية النقدية ضد هذا الأخير أمراً مبرراً مهنياً من قبله ككاتب ومؤرخ. وفي سياق تعليقه على اللقاءات التي رتبها إبستين له مع باراك، وصف تشومسكي باراك مرة أخرى بأنه "قائد سياسي قاتل" و "مجرم حرب".
وفي تصريح سابق لصحيفة (The Harvard Crimson) تعليقاً على معرفته بالأشخاص الذين التقى بهم، قال تشومسكي "لقد التقيت بجميع أنواع البشر، بما في ذلك كبار مجرمي الحرب، ولا أشعر بالندم على لقاء أي منهم". والمؤكد أنه كان يشير بشكل مباشر إلى باراك وغيره من السياسيين.
وعندما سُئل تشومسكي عن سبب قبوله الجلوس مع باراك مادام أنه يراه مجرمَ حربٍ، أوضح أن موقفه الثابت هو عدم مقاطعة اللقاءات السياسية أو الأكاديمية؛ حيث يرى أن "مناقشة القضايا المصيرية تتطلب التحدث مع صناع القرار الفعليين بغض النظر عن موقفه الأخلاقي أو السياسي من تاريخهم العسكري". ويبقى هذا رأي تشومسكي الشخصي، وقد نتفق أو نختلف معه، وأنا شخصيا أختلف معه تماماً. والمهم هنا هو أن تشومسكي لم يتراجع بفعلته هذه عن مبادئه التضامنية مع الشعب الفلسطيني ولا عن مناهضته لسياسات الكيان الإبادي ومسؤوليه ومنهم إيهود باراك الذي ظل يصفه بقاتل ومجرم حرب قبل وخلال وبعد اللقاء به.
خلاصات واستنتاجات
إنَّ الخلاصات التي يمكن أن نخرج بها من بيان الزوجين تشومسكي الاعتذاري تؤكد لنا إنهما لا يقولان "لم تكن لنا علاقة بإبستين"، بل يقولان "كانت لنا علاقة شخصية ومهنية واجتماعية حقيقية به، وكانت أوسع مما ظهر في البداية، لكننا لم نكن نعرف طبيعة جرائمه، وكان قبولنا لهذه العلاقة وعدم التدقيق في خلفيته خطأً جسيماً نعتذر عنه".
اللافت أن فاليريا لا تنكر اللقاءات، ولا مبلغ تصميم المسابقة العلمية البالغ الـ 20 ألف دولار، ولا المساعدة الاستشارية التي قدمها لهما محامو إبستين والمتعلقة باستعادة الـ 270 ألف دولار؛ وإنما تقدم تفسيرا لها وتقول إن إبستين استغل ثقة تشومسكي وحاول استخدام علاقته به لتحسين صورته عن طريق تقديم هذه الخدمات.
بعد مراجعة بيان الاعتذار والوثائق التي نشرتها لجنة الرقابة في مجلس النواب والدفعات الأحدث من ملفات وزارة العدل، إضافة إلى التقارير التي قارنت المراسلات، يمكن وضع القضية بصورة أكثر دقة. والأهم هنا هو الفصل بين ما تقوله فاليريا، وما تقوله الوثائق نفسها وما لا تستطيع الوثائق إثباته. وفي تفصيل ذلك نقول؛
إن الوثائق تثبت وجود علاقة شخصية وفكرية ومالية متواصلة بين تشومسكي وإبستين بعد 2008، وبصورة أكثر حميمة واتساعاً مما كان معروفاً من تصريحات تشومسكي السابقة. لكنها لا تثبت، في الوثائق التي تمت مراجعتها، أن تشومسكي شارك في جرائم إبستين أو كان يعلم بتلك الجرائم. وهذا تمييز مهم جداً حتى لا ينتقل بعض المغرضين من إثبات وجود علاقة إلى استنتاج آخر غير مثبت.
وعلى سؤال "هل كان تشومسكي وإبستين صديقين؟"، يصف البيان إبستين بأنه قدّم نفسه كصديق مفيد، وأنه "حاصر" تشومسكي تدريجياً. وفاليريا نفسها كتبت لإبستين في رسالة: "نحن نعدّك أفضل صديق لنا". ولكن الثابت أن هذه الصداقة لم تكن قديمة وممتدة فهي لم تستمر لأكثر من أربع سنوات، من سنة 2015 وانقطعت نهائيا سنة 2019 باعتقال إبستين وانكشاف جرائمه ثم موته.
ومع ذلك فإن ما تقوله فاليريا من إنها وزوجها وقعا في فخ أنشأه إبستين وإنه تلاعب بتشومسكي وخدعه يتناقض شكلياً في الأقل مع الثقة العالية التي أبداها تشومسكي بإبستين.
من جهة أخرى فالوثائق المنشورة لا تعطينا أكثر من تأكيد على وجود علاقة وثيقة أكثر مما يوحي به بيان الاعتذار، ولا تتجاوز ذلك إلى تأكيد وجود ارتكابات مُخِلَّة وإجرامية من قبل الزوجين تشومسكي أو مشاركة ذات طابع غير قانوني مع إبستين.
فهل كان تشومسكي يعرف حقيقة إبستين الإجرامية ومتاجرته بالدعارة مع قاصرات؟ هذه أكثر نقطة تحتاج إلى الحذر والدقة. ففي بيان الاعتذار تقول فاليريا إنهما لم يكونا يعرفان إدانة 2008، وإن إبستين قدّم نفسه بوصفه فاعل خير مهتماً بالعلوم وخبيراً مالياً. وتقول إنهما لم يدركا "المدى الكامل" لجرائمه إلا بعد اعتقاله الثاني سنة 2019. والوثائق المعلنة لا تثبت عكس ما تقوله فاليريا، ولا تنفي ما قالته بصورة حاسمة، ولكن خصوم تشومسكي يؤكدون وجود فجوة ومشكلة زمنية حقيقية:
فتشومسكي لم يكن يتعامل مع إبستين فقط في 2015 أو 2016؛ بل استمرت مراسلاته حتى 2019، أي بعد ظهور التحقيق الصحافي المدوي في صحيفة (Miami Herald) عام 2018. فكيف يمكن تفسير ذلك؟
يمكننا أن نستنتج أنَّ الوثائق التي نشرت وتمت مراجعتها لم تقدم دليلاً واحداً مباشراً أو غير مباشر يقول إنَّ تشومسكي كان يعلم أن إبستين يمارس الاتجار الجنسي بالقاصرات. لذا، فإن عبارة "لم نكن نعرف شيئا" على لسان زوجته ستكون فضفاضة قياساً لهذا المعطى؛ أما عبارة "لم نكن نعرف المدى الحقيقي لجرائم إبستين" فهي أكثر توافقاً مع ما تقوله ومع ما يمكن إثباته وثائقياً وهذا فرق جوهري.
ليس متهما بل إنه مخطئ اعترف بخطئه
إذا وضعنا بيان الاعتذار والوثائق جنباً إلى جنب، فإن الوثائق تجعل من الصعب جداً القول إنَّ علاقة تشومسكي بإبستين كانت مجرد معرفة عابرة أو علاقة مهنية محدودة، بل كانت هناك صداقة وثقة وتواصل شخصي ومالي مستمر. وهذا أمر اعترف الزوجان تشومسكي بأنه كان خطأ جسيماً، واعتذرا عنه في بيانهما بكلام صريح وغير قابل للتأويل.
وأخيرا، فالهدف من كتابة هذا النص لم يكن نفي اتهام معين عن تشومسكي، فالرجل ليس متهماً بأية تهمة من قبل القضاء في بلده، ولم يبادر إليها على حدِّ علمنا حتى أشرس خصومه السياسيين. ولكن هذه الحادثة أو العلاقة بحد ذاتها قد تكون تركت أثراً معتماً على الهالة النبيلة التي أحاطت باسمه وسمعته طيلة عقود، وسهلَّت التشنيع عليه واستهدافه من قبل خصومه وأعدائه المعروفين للجميع جيداً، بل هي محاولة لمقاربة الحقيقة تسليط الضوء على تفاصيل هذه القضية عملياً وعَبْرَ أسلوب الشك المنهجي والتساؤلات وإعادة الاعتبار للوقائع والمعطيات والوثائق وربطها بسياقها الحقيقي. أما الهدف الأعمق غوراً من كل ما سبق عرضه فهو إنصافُ رجلٍ كان مثالاً في الإنصاف والشهامة عَبْرَ التضامن مع قضية ومأساة الشعب الفلسطيني طوال أكثر من نصف قرن، وفي هذا الجهد التحليلي المتواضع بعض الاعتراف بالجميل ومقابلة الإحسان بالإحسان إنما ليس على حساب الحقائق.
