
كتاب العمامة والعرش (المرجعية والسياسة) لأحمد الحسني البغدادي
محمد جواد فارس
طبيب وكاتب
أن تكون جذريا، هو أن تأخذ الأشياء من جذورها. إذن بالنسبة للإنسان فالجذر هو الإنسان ذاته.
كارل ماركس
مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيجل
يطل علينا السيد احمد الحسني البغدادي بمؤلفه الجديد والذي هو مثير الاهتمام من خلال عنوانه الصارخ، [العمامة والعرش] (المرجعية والسياسة)، وكما عودنا السيد الجليل من خلال مؤلفاته في الدين والسياسة انها موضع أهتمام القراء والباحثين الاكاديمين، وذلك لعمق ارآئه وسلاسة ما يكتبه، والمدعومة بالوثائق والنصوص التاريخية.
كتابه هذا اليوم والذي اعتبره من المثل القائل؛ (مثل خبز باب الاغا) اي حار ومكسب وطيب، عندما أطلعت على الكتاب وجدته جدير بالقراءة.
الكتاب يتضمن الاهداء وهذا نصه: إلى الشهيد خالد الذكر الإمام الحسني البغدادي وأحفاده الشهداء صادق وحسنين وفيصل الذين أختطفت أجهزة مخابرات النظام العراقي السابق أرواحهم الزكية. موقع أحمد.
عرفت المؤلف في مواقع وأزمنة مختلفة ومنها لقاءاتنا في جلسات المؤتمر القومي العربي والذي كانت تعقد جلساته سنويا في بلدان عربية مضيفة، ومنها المؤتمر في الدار البيضاء في المغرب وبعده في الجزائر واليمن، والسودان، كانت للكلمات التي يلقيها السيد موضع اعتزاز المؤتمر وأعضائه من توجهات فكرية مختلفة, أضافة للخطبه في أحتفالات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, وعملنا سويا في دمشق عام 2008 بعد أحتلال العراق في (قوى تحرير العراق) والتي ضمت في صفوفه تيارات وطنية يجمعها هو الخلاص من المحتل للوطن، قوى من مختلف التوجهات الفكرية والتي كان قاسمها المشترك هو مقاومة المحتل وطرده وعودة السيادة الوطنية.
وكان المؤلف البغدادي غزير الانتاج في مجاله الديني والوطني ومن كتبه هكذا تكلم أحمد الحسني البغدادي، وكتابه في الثقافة الدينية إضاءات وتفسيرات وتأملات.. تفسيرية جديدة وكتب اخرى زود بها المكتبة العراقية والعربية والباحثين في الشأن الديني.
في كتابه الموسوم (العمامة والعرش) تناول سيرة جده محمد الحسني البغدادي ومواقفه المعروفة وذات الطابع الوطني في حرب التصدي للغزو البريطاني عام 1914 وبعده، كما في ثورة 1920 (ثورة العشرين) ضد الاحتلال البريطاني للعراق وموقفه التضامني مع شعب مصر، في حرب السويس ايام العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر هذا العدوان الذي شاركت فيه بريطانيا وفرنسا ودولة الكيان الصهيوني (إسرائيل) عندما اممت حكومة مصر بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر قناة السويس وعودتها الى الشركة الوطنية المصرية للقناة. السيد البغدادي (الجد) كان لديه عدد من الطلاب في حوزته العلمية يقوم بتدريسهم الفقه الجعفري.
والمؤلف احمد الحسني البغدادي موسوعي في المعرفة ليس فقط في الدراسة الفقهية الدينية، أنما لديه مكتبة منزلية ضمت كتب من كل التوجهات الفكرية، وتتضمن كتب لماركس وانجلس ولينين وادم سمث وماوتسي تونك وهوشي منة وارنستوا تشي جيفارا وكتب اخرى يرجع اليها وهو نهم في القراءة ويميز بين الغث والسمين، ويربط الكثير من الامور بشكل جدلي (ديالكتيكي).
كتابه العمامة والعرش هو بحد ذاته ثورة من اجل اعادة المفاهيم في شكل الحوزة الدينة ومدى تأثيرها بعهد الشاه محمد رضا بهلوي، وكذلك في انظمة الحكم في العراق، شارحا وبشجاعة ان الحوزة الدينية يجب ان تكون من علماء البلد نفسه، وان المثل يقول: (أهل مكة أدرى بشعابها)، وحتى يتم نفقة ما يأتيها من اموال المحسنيين ذو الامكانيات المادية، تصرف ليس فقط على طلاب الحوزة الدينية واحتياجاتهم، بل كذلك لبناء المستشفيات وتجهزيها بأحدث وسائل التشخيص والعلاج من اجل خدمة المرضى، وكذلك بناء المدارس للقضاء على الامية، وليس ارسالها لهذا البلد الفلاني الذي منه هذا المرجع كما حدث ويحدث الان.
تناول المؤلف في كتابه عن الخميني في دراسته في النجف حتى ترحيله أضافة لما جرى بعد الثورة في إيران واستدعائه من فرنسا الى طهران، اختلف مع المؤلف انه هو من قاد الثورة وجعل الوضع في إيران ناضج للانتفاض ضد الشاه، قد يكون فعلا هناك دور له من خلال ارسال رسائل الى رجال الدين تحفزهم، ولكن هناك دور للاحزاب الوطنية في إيران كما دور حزب تودا الايراني والذي كانوا في قيادته من كبار العسكر وهم لهم دور في الثورة وكذلك فدائي خلق، ولكن الخميني ازهق ارواحهم في السجون والمعتقلات والاحكام الثقيلة، من اجل ان يكون له ولرجال الدين السيطرة على الدولة، وهنا اقول ان من الافضل ان يكون هناك علمانية الدولة اي فصل الدين عن الدولة ولرجال الدين الابتعاد عن مؤسسات الدولة، وأن يهتموا بمدارسهم الفقهية في المرجعية في قم مثلا.
اما حول مقولة ماركس [الدين افيون الشعب] فقد شرح المؤلف كيف انها اجتزءت من نصها الكامل وهي وردت في كتاب ( مقدمة لنقد فلسفة الحق او القانون عند هيغل) وهذا هو النص يقول ماركس [إن العذاب الديني تعبير عن ألعذاب الفعلي، وهو في الوقت ذاته احتجاج على هذا العذاب الفعلي، فالدين هو زفرة المخلوق المضطهد، وهو بمثابة القلب في عالم بدون قلب، والروح في أوضاع خلت من الروح، إنه أفيون الشعب), وهنا يجب ان نلاحظ ان ماركس استخدم كلمة (الشعب) بصيغة المفرد وليس الجمع. أن فكر ماركس هو بحد ذاته ثورة أجتماعية شاملة حصلت على عدد من بلدان العالم، وعندما جاء الذكر ما كتبه محمد باقر الصدر في كتبه الثلاث [ اقتصادنا، وفلسفتنا، والبنك اللاربوي في الاسلام] اراد فيها الرد على كارل ماركس في الاقتصاد السياسي وهو صاحب النظرية المعروفة (بضاعة _ نقد _ نقد + الربح ) وكذلك قوانينه الاجتماعية مثل قانون التغيير الكمي يؤدي الى التغيير الكيفي، وقانون وحدة وصراع الاضداد، وقانون نفي النفي وماركس صاغ نظريته المادية الديالكتيكية اخذا من هيغل ديالكتيكه ومن فيورباغ ماديتة وزاوجهما. اراد محمد باقر الصدر في كتبه الثلاث التي صدرت بعد ثورة 14تموز 1958، بعد تشكيل حزب الدعوة الاسلامي انذاك واراد ان يقف ضد الحزب الماركسي (الحزب الشيوعي العراقي) والذي هيمن على الشارع العراقي، واراد ان يدحض افكار ماركس ولكن حسب رأيي لم يوفق في هذا المجال. في كتبه كان يقدم رؤية أسلامية في التوحيد والعقل، اما في الاقتصاد يشرح الاحكام الشرعية في الملكية والانتاج والتوزيع. ان ماجاءت به ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958, من قوانين وتشريعات زلزلة واقع المجتمع العراقي، وأذهلت رجال الدين الذين استشاطوا غضبا لهذه القوانين والمواقف الوطنية واعتبروها من دفع الحزب الشيوعي العراقي والديمقراطيين لها،
وفي بداية الستينات من القرن الماضي وأيضا بعد ثورة 14 تموز المجيدة وصدور قرارات مهمة ومنها قانون الاصلاح الزراعي والذي بموجبه جرى توزيع الاراضي على الفلاحين وكذلك قانون الاحوال المدنية برقم 188 وحقوق المرأة العراقية بشكل عام وفي الارث بشكل خاص، هذين القانونين دفعوا الاقطاعيين والرجعيين لأقناع المرجعية الدينية وعلى رأسها محسن الحكيم الطبطبائي باستخراج فتوى منه ضد الشيوعية وفعلا هذا تم وأصدر الحكيم فتواه المعروفة [الشيوعية كفر والحاد] هذه الفتوى، والجدير بالذكر ان محسن الحكيم في عام 1949 عندما اعدم حسين محمد الشبيبي ورفاقه على يد نوري السعيد وبدفع من أسياده الانكليز، طرح بيته للبيع وكان موقف الحكيم ان ينصح بعدم شرائه لان البيت نجس كان يسكنه شيوعي، مما ابتعدوا الناس السذج التزام بدعوة الحكيم وعندما انخفض سعر البيت اشتراه هو بسعر بخس.
وفي الختام ان كتاب [العمامة والعرش (المرجعية والسياسة)] كتاب قيم ودسم في محتوياته من معلومات جاء بها المؤلف أحمد الحسن البغدادي وهو رجل دين ويحمل لقب آية الله، وبشجاعته ووطنيته المعهودة كتب هذه الحقائق والتي اضافت للمكتبة العراقية والعربية وللباحثين في هذا المجال معلومات قيمة.
