للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال- للتأريخ /117

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

أختلطت في دقائق أصوات طقطقة اشتعال الخشب وارتطام امواج المياه مع قارب مربوط بسلك الى اليابسة كان في انتظارنا حينما يبزغ الفجر ..

ربما غفوت لثوان وأنا واقف او بوضع القرفصاء.. فكلما عاد لي الوعي بما يحيطني، أشعر أني قد دخلت محطة جديدة من محطات هذه الرحلة التي لا تريد ان تنتهي بي الى بر الأمان.

إجتمعت كل المنغصات في تلك الليلة الليلاء.. وكارثة استذكار الماضي القريب لا تريد ان تنتهي في مقارنتها مع حاضري المتعب الذي اعيشه الان في أبعد مكان عن المدينة والمدنية.

 

عانى الآمر من نوبة ربو حادة بسبب البرد القارص والتعب لساعات طويلة والمتمثل بالأشراف المباشر على حركة الفوج الى عمق المياه في الهور المترامي ..

بعد ان فحصت صدر الآمر بالسماعة سمعت الأزيز المثالي والناتج عن تضييق القصيبات الهوائية بسبب نوبة الربو، مما أضطرني أن أزرقه أبرة الهيدروكورتيزون والتي شعر بعدها بأرتياح كبير جعلته ينام حتى ظهور الخيط الأول من الفجر متلفلفاً ببطانيته في سيارة الواز المخصصة له.

 

في السادسة صباحاً بدأتُ اميز هذا الحشد الكبير من الجنود والآليات والموجودات بمختلف أنواعها، فهي متناثرة على مساحة واسعة بإنتظار الإنتقال الى عمق الهور.. ومازالت أعمدة دخان النيران التي اضرمناها طوال الليل بهدف التدفئة وما تبقى منها يتصاعد، فرأيت الجنود يفترشون الأرض وكل منهم أخذ وضعاً في النوم او الإسترخاء، فمنهم من حشر نفسه بين اكداس الأغراض الملقاة على الأرض، وأخر فوق قمرة سيارة والثالث انبطح تحت هيكل ايفا مركونة هناك، والصورة بمجملها بدت لي كمشهد فلم حربي يصور الجنود بعد ملحمة قتالية طاحنة، جلتُ بنظري هنا وهناك، فمن يؤدي صلاته وأخر يرشف الشاي، فالجنود قد اعتادوا ان لا مستحيل امامهم.. فبسرعة يضرمون النار ويأتون بأي وعاء يملأونه ماء، اما الشاي اليابس والسكر فمتوفر في جعبهم دوماً خصوصاً وان الكل يسلي نفسه بالتدخين وهم بحاجة مستمرة الى الشاي.

 

ما هي الا برهة من الزمن وقد علت أصوات صافرات نواب الضباط والعرفاء ينادون الجنود والمراتب بالنهوض بسرعة والتجمع استعداداً للملمت كل الموجودات لغرض المغادرة الى مواضع الفوج فيمقر هور انعاج.

 

وجهاً لوجه مع الآمر الذي زاد من تشكراته لي على الأبرة التي (بزيتها) لي ..اول مرة دكتور اشعر نفسي مرتاح..هكذا عبر لي الآمر عن شعوره .. شعرت انه يبالغ بشعوره فليس من المعقول ان الزميل الذي سبقني لم يعطيه هكذا ابرة خصوصاً وانه ذكر لي ان النوبة تعاوده بين أوان واخر..

(يتبع)