
يوميات حسين الاعظمي (1505)
مقاميون بلا حدود 15
سلـيم شـبث مقامي اضاع طريقه
(1907–31/10/1981)
ملف خاصعن مطرب المقام العراقي سليم شبث. من كتابي (المقام العراقي بين طريقتين) الصادر في كانون ثاني 2011.
من المؤسف حقا، ونحن ننوي الحديث عن مطرب مقامي كبير كسليم شبث. ونفاجأ باننا لا نمتلك اية معلومات وافية عن حياته، بل حتى عن فنِّه..! رغم استماعنا الى مقاماته العراقية المسجلة بصوته، التي خلفها لنا ضمن نتاجاته المقامية الكثيرة. وحتى هذه التسجيلات المقامية المسجلة بصوته، لا نمتلك منها الا النزر اليسير التي نسمعها بين الحين والاخر من الاذاعة. وما زلتُ اتذكر وانا في مقتبل عمري وحديث عهدٍ بموسيقى وغناء المقامات العراقية. عندما سمعتُ باسمه واطلعتُ على شهرته واستمعتُ الى صوته وادائه المقامي العراقي لاول مرة في مقام الراشدي الذي يغنيه بزهيري هذا مطلعه وهذا مطلعه.
(يا راجبا بي مشاحيف الهــــــوى وجــــلة)
حيث اثار انتباهي الشديد للاسلوب الرائع الذي ادى به هذا المقام. الذي كان مميزا حقا في اسلوبه الادائي لهذا لمقام الراشدي هذا..! وما زال بالنسبة لي على الاقل، من اجمل مقامات الراشدي التي استمعتُ اليها من باقي المغنين الآخرين في تلك الحقبة الزمنية من حياتي. او طيلة هذه السنين التي تجاوزت اليوم الخمسين عاما من التجربة الفنية بهذه الندرة في الاسلوب والتعبير.
على كل حال، ان حديثنا عن المطرب المقامي المخضرم سليم شبث في بحثنا هذا الذي تطلع عليه عزيزي القارئ الكريم، يكاد يكون مقتصرا على ما استمعنا اليه من تسجيلات مقامية فقط..! وعليه سوف لن نفي حقه في الحديث عن فنه وحياته التي نفتقد الكثير من المعلومات عنهما، ولا تقتصر حالتنا هذه على سليم شبث فقط، وانما يشمل ذلك جميع الفنانين المقاميين في الموسيقى والغناء. من يهود العراق على وجه الخصوص الذين هاجروا من بلدهم العراق الى فلسطين المحتلة بعد جريمة اغتصابها عام 1948 من قبل الصهاينة. حيث لم تدوَّن الكثير من المعلومات عنهم..!!
ما نحن فيه، عند استماعنا الى غناء المقامات العراقية المسجلة بصوت المطرب سليم شبث، رغم اننا لم نستمع اليها كلها، يتملكنا شعور بأن المسيرة الفنية لهذا المطرب تميل نحو الانقسام الى مرحلتين جماليتين تعبيريتين فنيتين..! فقد كان سليم قد تأثر في بدايته الفنية في الغناء المقامي بالمطرب رشيد القندرجي، وبالتالي بالمبادئ الفنية(للطريقة القندرجية) وادى ذلك باسلوب ادائي يكاد يكون خاصا به. وقد عُدَّ في البداية من اتباعها المعروفين..! ونلاحظ ذلك جليا عند سماعنا الى بعض مقاماته الاولى، كمقام السيكاه ومقام العجم عشيران ومقام الراشدي وغيرها. واستمر في مساره الذوقي هذا الى منتصف زمن مسيرته الفنية تقريبا..! حيث يبدأ القسم الثاني منها بتأثره بحقبة التحول والتطورات السريعة التي اخذت منه مأخذا افسدت عليه الكثير من الالتزامات الفنية والجمالية التي لم يستطع سليم شبث ان يضع لها حداً..! حتى جرفته التحولات الى اتجاهات جمالية مبعثرة..! كذلك لم يستطع ان يضع لها منهجا وتوليفا واضحا..! بحيث اضاعت عليه الكثير من امكانياته الاولى التي بدأ بها مشواره الفني، انطلاقا من الفترة الانتقالية وما بعدها، وضاع في متاهات التغيرات والتطورات الآخذة بالزيادة والاستمرار. وهكذا يكون سليم شبث قد تمرّد على بداياته وعلى قيمهِ التي بدأ فيها كمطرب مقامي يحسب له حسابا مهمَّا .. تمرد على زملائه القندرجيين. بعد ان اخذت تسجيلاته الصوتية في غنائه للمقامات العراقية تأخذ منحاً يكاد يكون مستقلاً في اسلوبه. وهو امر جيد نسبة لمبدأ التطور والتجديد والابداع. ولكنه كان استقلالاً عشوائيا غير مدروس..! اذ يبدو انه تأثر بتفاعلات الفترة الانتقالية ونتائجها، وامسى مطربا غير مطيع للتقاليد التاريخية والاصولية والتعبيرية القديمة التي نشأ عليها. متحررا من معظمها، معبرا عن هذه الفترة في تفاعلاتها الدرامية. وبذلك يَنـْظَمُّ سليم شبث اعتبارا من تأثيرات هذه الفترة، الى المغنين الذين ثبتَ تأثرهم بالطرق السائدة في هذه الفترة وعلى الاخص الطريقتين(القندرجية والقبانجية)، بغض النظر الى النواحي السلبية او الايجابية في هذا الانظمام. الذين اتسم اداؤهم ببعض الخصوصية الادائية. رغم ان منهجه الادائي اصبح غير واضح المعالم. ونلاحظ ذلك في بعض تسجيلات سليم شبث الصوتية عندما نستمع اليه مثلا في مقام البنجكاه ومقام النوى.
استمد غناء المقام العراقي ما بعد صدمة الحرب العالمية الاولى (1914–1918) الشيء الكثير من تحولات وتطورات حقبة التحول التي زادت سرعتها بعد الحرب بصورة ملحوظة. الامر الذي عجَّل في التغيّرات والتطوّرات واعطى دفعا قويا للمنافسات والتفاعلات الغنائية وطرقها المتبعة. وهكذا نجد من سليم شبث نموذجا تقليديا يتمرّد على تقاليده لينظم الى صف المغنين الذين يسعون الى تكوين بعضا من الاستقلالية والخصوصية الادائية في غنائهم للمقام العراقي، ليصبح واحدا مع ثلاثة آخرين زملاء له في هذا التفاعل الجمالي والفكري الذي ساد الفترة الانتقالية، وهم ابرز المغنين الذين اخترتهم ممن عبـّروا وتأثروا بـ(الفترة الانتقالية). عبد الهادي البياتي وحسن خيوكة ومجيد رشيد فضلا عن موضوع بحثنا سليم شبث. الذين كان جلّ اهتمامهم منصبّاً على محاولة التفرد في غناء المقام العراقي..!
مقام الراشدي
يمكن ان نعتبر مقام الراشدي المغنى من قبل سليم شبث في مرحلته الاولى من سيرته الفنية. افضل ما يمثل تسجيلاته المقامية التي تسنى لنا سماعها. في مجمل تجاربه الجمالية والفكرية لحقبة التحول وحقبة التجربة معاً. ومع انه كان كلاسيكيا في البداية..! فقد ثبـَّتَ شهرته في اذهان الجماهير المقامية المحافظة على الاصول التاريخية لغناء المقام العراقي. بل وحتى الجماهير التي كانت تتطلع الى التجديد، من خلال هذه البداية الرصينة. فلم تكن حقبة التحول نفسها هي الشيء الوحيد الذي اظهر سليم شبّث بوضوح كمغني للمقامات العراقية. وانما تعدّاها الى شعور فنان المقامات اليهودي العراقي، عازفا كان ام مغنيا للمقام العراقي، وعازفا على الاكثر، بالسلطة المعنوية..! كون اغلبيتهم من اليهود ولا دور يذكر للمسلمين غير الغناء المقامي. الامر الذي جعل من الموسيقي اليهودي العراقي كما يبدو، يشعر بالتفوق وبالحرية في التصرف الفني الذي تجاوز الحدود المطلوبة. وربما كان هذا الامر احد الاسباب المباشرة في ضياع جهود الكثير من هؤلاء المغنين العراقيين من اليهود في غنائهم للمقام العراقي بسبب عدم التزامهم الدقيق بالاصول المقامية التقليدية التاريخية وعدم نجاح اغلب مقاماتهم لهذه الاسباب..! وعليه فان دور اليهود العراقيين في الموسيقى، في حقبة النصف الاول من القرن العشرين. كان اكبر بكثير من دورهم في غناء المقام العراقي. وقد قلت ذلك في كتابي الاسبق(الطريقة القندرجية في المقام العراقي واتباعها) عندما تحدّثتُ عن المطرب اليهودي العراقي الاصولي القدير حسقيل قصاب. وبسبب شهرة هؤلاء المغنين التي يستحقها القليل منهم، فقد ترسّخت فكرة غير حقيقية في أذهان اجيال من الجماهير المحبة للمقام العراقي في بغداد والعراق كله، على ان التسجيلات المقامية الصوتية للمغنين العراقيين من اليهود، تعد اكبر مرجع للتعلم والفائدة..! في حين ان الامر يختلف تماما، فقد تساهل، بل تجاهل المغنون اليهود الاصول التاريخية في غناء المقامات العراقية ولم يلتزموا بها كل الالتزام، وتصرفوا بها على امزجتهم في التقديم والتاخير والحذف والاضافة التي كانت في غالبيتها مقحمة..! ولا يعني ذلك عدم وجود مقامات جيدة ومكتملة اديت من قبل مغنين من مقاميي يهود العراق..! ولكنهم من ناحية اخرى، عبروا عن المضمون التعبيري للمقامات العراقية بصدق بالغ وجميل..! وهكذا كانت اتجاهاتهم الجمالية مختلفة. فيوسف حريش تأثر بالطريقة الزيدانية والطرق السائدة الاخرى في زمنه. مما اضفى على تعابيره نوعا من الاستقلالية. وحسقيل قصاب كان قندرجيا واضحا ومن اتباع الطريقة القندرجية. وسليم شبث موضوع البحث الذي بدا قندرجيا كما مرَّ بنا وانتهى به المطاف ضائعا في خضم التحولات والتغيرات محاولا استقلالية غنائه وتنظيم منهجه ولكن دون جدوى..! وفلفل كرجي ويعقوب العماري اللذين تأثرا بالطريقة القبانجية واستقوا غنائهما منها.
مقام الحديدي
يعتبر مقام الحديدي من المقامات العراقية الجيدة التي اداها المطرب سليم شبث. اذ يبدو ان غناءه لهذا المقام كان ضمن المرحلة الاولى من سيرته الفنية، فقد كان غناؤه صادقا في تعابيره البغدادية الجميلة، نقيّاً معبِّراً عن تجربة خالصة. رغم بعض الملاحظات البسيطة في الشكل التقليدي لهذا المقام الذي يتسم بالحزن والشجن المؤثر. وهو من المقامات الناجحة ذات الحبكة المتماسكة في بناء جمله اللحنية التاريخية. وفيه يغني سليم شبث هذا الزهيري وهذا مطلعه.
(ما جان ذنبي بنار حشــــاي سليتني)
لقد قلنا بأن المطرب سليم شبث كان دقيقا حريصا كما يبدو، على تفاصيل الشكل المقامي والتعابير الكلاسيكية في بداية مسيرته الفنية، فقد تأثر في البداية باساليب الطرق القديمة، وتـُلمذ عليها حتى عدَّ من اتباع الطريقة القندرجية، وفي هذا الصدد فان تسجيلاته الغنائية في المقام العراقي الاولى تدعم هذا القول وخاصة المقامات الفرعية مثل مقام الراشدي وكذلك الامر مع مقام الحديدي. اللذين مرَّ ذكرهما. وبها شرع سليم شبث يكشف عن تأثره وتأييده للاتجاهات الذوقية والجمالية الكلاسيكية، وإنشدَّ الى ذلك فأخذ يكرس اسلوبه الادائي وتعابيره الغنائية المقامية بهذا الاتجاه.
أن حالة المطرب سليم شبث، واحدة من الحالات التي تبين مدى تأثير الفترة الانتقالية في الغناء المقامي على معاصريها من المغنين والموسيقيين المقاميين على وجه العموم، بل لابد من البحث فيها ودراستها لمعرفة اسباب تعثرها في مرحلتها الثانية من مسيرة سليم شبث الفنية في غنائه وتعابيره وافكاره. فلو تتبعنا مقاماته التي سجلها بصوته في هذه الفترة او بعدها، نلاحظ التغيرات الاكيدة في افكاره وجمالياته الادائية، والاهم من كل ذلك اهماله الواضح للشكل المقامي..! اذ يبدو ان هذه الفترة من التحولات والتطورات قد اثرت عليه سلبا اكثر منها ايجابا. فقد اصر على تشتته في اداء الاصول المقامية (الشكل (form، لقد كان مندفعا في بداياته الى التعلم، منصرفا لكليته الى الالتزام في الغناء متأثرا بالطريقة القندرجية الرصينة. لكنه خرج منها معلنا تمرُّده عليها وتحرُّره من قيودها ومنهجها. خرج منها نقيا موهوبا، ثم تاه في خضم التطورات والتأثيرات السريعة الاخرى..!
- هل اصابه الغرور...؟
- هل احسَّ انه تعلم كثيرا واعجب بكل ما تعلمه...؟
- هل احسَّ ان ما تعلمه كافيا لهندسة مسيرته المستقبلية..؟
لقد اكد المطرب سليم شبث لا مبالاته لغنائه المقامي في هذه الفترة وماتلاها. بحيث اصبح اتقانه لعلاقات البناء اللحني عند غنائه للمقام العراقي ركيكة هي الاخرى، بل ركيكة جدا..! وما علينا الا ان نستمع الى بعض مقاماته العراقية التي وصل الامر بها حتى الى المقامات العراقية الرئيسة او المقامات ذات الوزن الثقيل من الحشد في الشكل المقامي كمقام النوى الذي يظهر فيه سليم مطربا مبتدئا، بل مبتدئا جدا..!
مقام النوى
لاحظ عزيزي القارئ وانت تستمع الى مقام النوى بصوت سليم شبث، الارباكات الواضحة في العلاقات اللحنية، وهو يغني مقام النوى العراقي. فأنت لا تعرف ماذا يغني واي مقام يؤدي بالتحديد..! لقد حشَّد الكثير من القطع والاوصال النغمية واسهب في الكثير منها..! ولعل أول ملاحظة هي مرافقته فرقة موسيقية مكونة من التخت البغدادي وليس الجالغي البغدادي الذي يكون دوره بارزا جدا في مقامات عراقيةكمقامات النوى والمنصوري والسيكاه تحديدا. التي يرافقها ايقاع السماح 4/36 . لقد عبثَ سليم شبث بالفرقة الموسيقية وعبثوا به..! فالجميع لم يكونوا على علم دقيق بتفصيلات هذا المقام الشكلية ومضوا في ضجيج من الغناء والموسيقى العشوائي.
خلال الميانة حيث يتغير من ايقاع السماح 36/4 الى ايقاع اليكرك العراقي (4/12)، حيث لم تنتهي القضية الا ويفاجئنا سليم شبث بالنزول الى النوى ليصل الى التسليم وهو نهاية المقام..! ويمكننا الان ان نستعرض ما جاء في هذا المقام.
ان اللغة الادائية والحوار الفني بين سليم شبث والفرقة الموسيقية، لم يكن منسجما. بل غير ناجح في بناء علاقات لحنية سليمة متماسكة في مقام مثل مقام النوى العراقي المغنى من قبله. فقد كان لأمر اللامبالاة وعدم الالتزام بالاصول الشكلية المقامية في هذا المقام بالذات، أمر غريب وعجيب..! وشعور سليم كما يبدو بالزهو المعنوي غير المبرر، سببا مباشرا لعدم نجاح سليم شبث في غناء مقام النوى العراقي الذي يعدُّ من اجمل المقامات العراقية، بل اجملها وارقّها. اذ توصف تعابيره الادائية الرومانسية بترف المقامات العراقية. فعدم دقة التقاليد الادائية والاخذ بها، من شأنها ان تؤثر حتى على المضمون التعبيري. كذلك التخبط في ادخال قطع واوصال جديدة غير مناسبة، وتكرار بعضها والاسهاب بها وغير ذلك من الامور، تكون كافية لعدم الاثارة والنجاح، ومن ثم رد فعل سلبي تجاه سليم شبث وقيمته الفنية في غناء المقام العراقي. اذ يبدو انه يرتجلها آنيا دون تفكير مسبق لهذه الانتقالات بين القطع والاوصال والاجناس الموسيقية الاخرى التي اعطى صلاحية لنفسه بادخالها ولكن بصورة غير موفقة نسبيا..!
ان بدايات سليم شبث كانت آية في ملاءمتها لتطور فنِّهِ الغنائي الخاص، فدقة الاصول المقامية كان ملتزما بها، والتعابير التي كان يطرقها واستمر بها حتى بعد تمرده كانت ولم تزل جميلة، بل هي سبب من اسباب شهرته و قيمته الفنية.
على كل حال، يمكن ان نعرض عليك عزيزي القارئ الكريم ما جاء من تحولات في غناء مقام النوى لسليم سبث. وقبل كل ذلك اليك الابيات الشعرية التي غناها سليم شبث في مقام النوى الذي سار فيه على اسلوب القندرجيين من حيث قلة الابيات المغناة. للشاعر شمس الدين الكوفي. حيث لم يغن منها اكثر من اربعة ابيات..! حيث قال الشاعر الشيخ شمس الدين محمود بن احمد الهاشمي الحنفي الكوفي المتوفى سنة 675 هـ، يذكر واقعة بغداد ويرثي اهلهـــــا ويذكر خرابها وقتل الخليـفة المستعصم بالله رحمه الله. بعـد سقوط العباسيين (656هـ 1258م). وهذا مطلع القصيدة.
(عندي لأجــل فراقــــهم آلام/فإلام اعـــذل فــيكم وألام)
التحرير... كان جيدا
البيت الاول من القصيدة المغناة كان باسلوب التحرير
قطعة الموعة لم تكن مشبعة.
البيت الثاني من القصيدة يغنيه باسلوب التحرير، لكنه يفاجئنا بالصعود المبكر والمباشر الى الميانة..! وهو هنا ينحو منحى القندرجيين، ولكن القندرجيين وغيرهم يفعلوا ذلك بعد ان يمروا بقطعة العشيْش(من مقام البيات) ثم يستمروا الصعود بالميانة باسلوب مقام المحمودي في صيحاته. اي انهم يمزجون الجلسة بالميانة، في حين ان سليم شبث ابكر في عمله للميانة، وكذلك لم يمر بقطعة العشيش..!
من هنا يبدا سليم شبث عبثه. حيث يبقى بالجواب يعمل صيحة من البيات ينهيها بالسيكاه. ثم يعود الى صيحة المحمودي بلا داعي لذلك. ثم يعمل قطعة بهيرزاوي ينهيها بالمثلثة بصورة غير دقيقة..! ثم يحاول ان يعمل قطعة الجبوري لكنه لا يكون تام النجاح فيها، وكذلك الامر عندما يعاود محاولته بقطعة المقابل. ثم يذهب الى اسلوب الشرقي دوكاه في بداية صيحة جديدة لكنه ينحرف عنه ليمر باسلوب الابوذية. واخيرا تنتهي بقطعة القطر ثم يعود الى صيحة جديدة من المحمودي..! بعد ذلك ينتقل الى قطعة المسجين وقطعة الجبوري. اللتان لا يكون فيهما دقيقا ايضا في الاداء. يسير بقطع من مقام البيات في استعراض عشوائي لامبرر له..! واخيرا ينجح في الرجوع الى النوى وهو المقام الاساس الذي يغنيه وينهي به المقام وهو التسليم..!
بالطبع ان الفرقة الموسيقية في هذا الكم من الصيحات العشوائية، الواردة ضمن الميانة. لا تعمل شيء سوى انها تؤدي عزفها بموسيقى مقام البهيرزاوي(سلَّمه بيات). ولا تدله او تساعده في غناء تسلسل القطع والاوصال الموجودة اصلا في غناء مقام النوى. سواء في ميانته او في سياق غناء مقام النوى كله..! ان سماعنا لهذا العمل الغنائي يجعلنا نقول. ان ما كنا نسمعه هو ليس مقام النوى..! او ليس مقام النوى المتعارف عليه تقليديا. وبنفس الوقت لايوحي ان سليم شبثكان ملتزما بهذا العمل تجديدا..! لان عمله هذا فاشل بدرجة معينة في نواحيه الفنية والتقليدية والجمالية..! فلا تسلسل منطقي للقطع والاوصال التي حشّدها في الميانة، ناهيك عن ان حبكة البناء والعلاقات الفنية فيما بين هذا الحشد من الانغام، ضعيفة جدا هي الاخرى. حيث يوحي للسامع، بان اي قطعة عملها سليم مستقلة تماما عن القطعة الاخرى او تكاد. فلا علاقات قوية للمسارات اللحنية ولا بناء محكم فيما بين المواد الاولية في عموم هذا المقام الكبير.
ان المطرب سليم شبث في هذا المقام نحى بنسبة ما، منحى الطريقة القندرجية، لكنه بصورة مشوهة دون اي منهج واضح. عدد ابيات شعرية قليلة، وهو اسلوب قندرجي في اختصارهم للكلام المغنى. كذلك نحى منحاهم عندما وصل الى الميانة التي عملها بصورة مباشرة من بيت القصيدة باسلوب مقام النوى لينتقل الى البيات في الميانة باسلوب مقام المحمودي. اضافة الى انه اكتفى بكل التفصيلات في ميانة واحدة، وقد نعذره في ذلك. على اساس ان الطرق الادائية القديمة حتى رشيد القندرجي، كانت ميانة واحدة في مقام النوى. واصبحت ميانتين اثنتين عندما اداها مطرب العصور المقامية محمد القبانجي في ذروة عطائه الابداعي في النصف الاول من القرن العشرين. وبقيت هكذا ضمن منهج الطريقة القبانجية الذي تبعه وامتثل له الكثيرون ممن جاء بعد القبانجي.
لقد تأثر المطرب سليم شبث بصورة سلبية اكثر منها ايجابية، بالتغيرات والتطورات الحاصلة في زمنه. وبالمضامين التعبيرية لفترة الانتقال بتأملاتها وجمالياتها. فقد اهمل عنايته بالشكل المقامي ولم يعره اهتماما دقيقا، يقدم ويؤخر ويضيف ويحذف ويغير حسب هواه وامكانيته..! دون ان ينتبه الى العلاقة الوثيقة الصلة بين شكلٍ ومضمونٍ تقليديين تاريخيين، وحاجة كل منهما للاخر بعلاقة وطيدة وبناء محكم.
على الاجمال، يبدو ان المطرب سليم شبث في مقام النوى هذا، لا يعرف اصوله التقليدية الشكلية بدقة، كذلك الامر مع الفرقة الموسيقية التي لم توحي ان عازفيها على علم دقيق بهذا المقام ايضا. ومضوا شبه عاجزين على مسايرة تفاصيل المقام والحوار الفني مع مطربهم سليم شبث، حيث لم تكن عملية منهجة وتنظيم المواد الاولية لهذا المقام واضحة. فليس هناك تسلسل دقيق للانتقالات السلمية المتجسدة في القطع والاوصال التي يعول فيها على ادراك المطرب والعازف في آن واحد في السير الى نجاح العمل ككل. ان موسيقيي الفرقة كافراد، موسيقيون جيدون بلا شك، ولكنهم كمجموعة تعزف اصولا تاريخية تقليدية لم توفق في معرفة مساراتها اللحنية وتسلسلها بدقة، فضاعت مع ضياع مطربها وقائدها سليم شبث، الذي لم يستطع ان يصل باصول مقام النوى وعلاقاته السلمية الى بر الامان..!
نتيجة لهذا الانتماء الرائع والحب الكبير للمقام العراقي الذي يجسده سليم شبث في تعابيره المقامية، يتجلى الصدق العميق في القصد، وان ما يهدف اليه سليم شبث في غناء هذا المقام او ذاك، ليس هو تبديد المعنى او ترديه الى عمل غير متكامل. وانما يهدف الى تأدية واجب اخلاقي فرضه عليه انتمائه وحبه التام للمقام العراقي، فهو يحاول ان ينقل الصورة الحقيقية التاريخية للمقام العراقي ويعبر باصدق ما يمكنه ذلك من تعبير، بغض النظر عن امكانية نجاحه الفني في ذلك من عدمه.
ان ما اصاب سليم شبث وهو في منتصف مسيرته الفنية تقريبا، ومن خلال الصراع الذي احتدم بين(الطريقتين القندرجية والقبانجية) والطرق الاخرى في الفترة التي اطلقنا عليها مجازا بالفترة الانتقالية في الفكر والجمال الغنائي للمقام العراقي، هو ما كان اشبه بالتحول من عابد ناسك متدين في فكره الفني وجماله، الى متمرد فضّلَ العصيان على كل ماضيه..! مما ادى بصورة او باخرى الى انحلال في قوة البصيرة الفنية والكمال الفني. فمن مقام الراشدي المتماسك في معظم متطلبات ادائه، الى عبث وتفكك وركاكة اداء في مقاماته المتأخرة..!
اما في شأن هذه المقامات العراقية المتأخرة التي اداها سليم شبث بعد انتصاف تجربته الغنائية، فانها مقامات لاتقوم على موقف ومنهج واضح من هذه الامور كالمقامات التي غناها منذ بدايته الغنائية. فمقاماتالبنجكاه والعجم عشيران والسيكاه والنوى، امثلة لادائه المربك في التنظيم والتصميم الاصولي للمقامات العراقية.
مقام البنجكاه
في مقام البنجكاه(سلّمه رست السوزناك)، نجده ينحو منحى القندرجيين في احدى سماتهم..! حيث يكتفي بغناء هذا المقام باربعة ابيات شعرية فقط..!
على كل حال، رغم بعض الملاحظات، إلا أن اداءه في مقام البنجكاه هذا كان جميلا. وتصرف بمسارات هذا المقام بصورة جيدة وجميلة. لكنه يفاجئنا مرة اخرى بصعوده الى الميانة دون المرور بالجلسة.! او لم يعمل اي تهيئة منطقية لصعوده بالميانة رغم انه ادى الميانة بصورة جيدة ايضا..! فقد اعادها مرتين وعمل خلالها قطعة البختيار. ورغم ان منطلقات سليم شبث في هذا المقام من ميادئ الطريقة القندرجية، إلا أن تأثيرات الطريقة القبانجية نحسُّها موجودة هي الاخرى في تفصيلات وتعابير ادائه لهذا المقام. واخيرا يعود الى عدم اهتمامه بالاصول المقامية، حيث ينهي المقام بتسليم غير مكتمل، فهو لا ينزل الى درجة - do رست(في حالة غنائه لمقام البنجكاه على درجة الفا جهاركاه) كما لم يفعل الجلسة قبل الميانة حيث النزول ايضـــــــا الى درجة( do رست).
واليك عزيزي القارئ الكريم قصيدة الشاعر حافظ ابراهيم التي اداها سليم شبث في مقام البنجكاه حيث لم يغن منها اكثر من اربعة ابيات وهذا مطلعها.
(أثرتَ بنا من الشوق القديمِ/وذكرى ذلك العيشِ الرخيمِ)
ان فضيلة المطرب سليم شبث في غنائه للمقام العراقي. هي في تكريسه للتعابير العراقية المقامية التي جسّدها في كل تسجيلاته الغنائية المقامية طيلة مسيرته الغنائية في غناء المقام العراقي. فهو لم يتأثر من حيث المضمون التعبيري، بكل التيارات الجمالية التي هجـّنت الكثير من الغناء العراقي خلال القرن العشرين، وبقي على نقائه التعبيري المحلي والوطني طيلة سيرته الفنية، مع بقائه مخلصا لمبادئه القندرجية الاولى التي نشأ عليها واستهل خطواته الفنية الاولى بها. حتى تمرده عليها في منتصف سيرته الفنية.
ما دمنا نتحدث عن هذه النواحي المهمة، فانه من الانصاف القول. ان فضيلة الفنانين العراقيين اليهود، عازفون او مغنون. لم يتأثر معظمهم بهذه التيارات الجمالية السريعة التي استطاعت ان تهجـّن الكثير من اساليب التعبير في الغناء المقامي في النصف الاول من القرن العشرين. فقد حافظ معظمهم على نقاوة التعابير العراقية في هويتها وخصوصيتها المميزة عن كل البلدان والاقاليم، في كل مقاماتهم الغنائية وعزفهم المقامي ومؤلفاتهم الموسيقية. اغاني، مقطوعات، سماعيات، مقدمات موسيقية وغيرها. رغم عنفوان التطورات والتغيرات والتحولات التي سادت تلك الحقبة للحياة برمتها.
يمكننا ان نضيف اهمية اخرى لسليم شبث، التي يمكن ان نعدها فضيلة ايضا..! هي في تكريس نفسه لفن الغناء المقامي ضمن حدوده التي يعترف بها صراحة بواسطة غنائه وقدر معرفته بالمقامات العراقية التي غناها.
مقام العجم عشيران
ان مقام العجم عشيران المغنى بالقصيدة ادناه من قبل سليم شبث. حيث ينجح في ادائه لهذا المقام الرئيسي. ولكن الملاحظة التي تكاد تكون وحيدة فيه، هي انتقاله من قطعة الصبا الى التسليم دون الرجوع الى سلم مقام العجم عشيران وهو المقام المغنى ليتم التسليم فيه..! وهذا مطلع القصيدة.
(في فؤادي لــــهب من حبـكم/وبقــــــلبي جمرة وسعير)
مقام السيكاه
اذا شئنا قدرا اكبر من التحديد، نقول ان ايحاءات المطرب سليم شبث في غنائه المقامي، تظهر ظنونه بنفسه. بانه قد وصل الى الكمال في تلمذته وتعلمه المقامي لمبادئ الطريقة القندرجية. ولكن الامر غير ذلك. حيث يصاب بالارباك الفني والتقليدي مرة اخرى..! اذ يبدو ذلك واضحا في مقام السيكاه الذي يغنيه بهذه القصيدة لصفي الدين الحلي وهذا مطلعها.
(خذ فرصة اللذات قبل فواتها/واذا دعتك الى المــدام فواتها)
في مقام السيكاه هذا، وهو من المقامات الرئيسة كسلم وكمقام عراقي رئيسي يغنى باصول تقليدية وتاريخية عريقة. اقول مرة اخرى يصاب سليم شبث بالارباك في هذا المقام. ان مثل مقامات النوى والمنصوري والسيكاه تحديدا، لا يمكن ان يصل اداءها الى الصدق التام في الشكل والمضمون التعبيري المقامي، إلا بمرافقة فرقة الجالغي البغدادي التي تنسجم تماما مع تعابير حقيقة هذه المقامات..! وتنسجم ايضا مع الايقاع الخاص الذي يرافق موسيقى هذه المقامات فقط، وهو ايقاع السماح 36/4 الذي يعد اكبر ايقاع عراقي. وهي الاجواء الحقيقية لمثل هذه المقامات.
ان فرقة الجالغي البغدادي، هي الفرقة الموسيقية المتخصصة في مرافقة غناء المقام العراقي منذ القدم، باعتبارها الفرقة الموسيقية التي يعول علي عازفيها معرفة وادراك للاصول المقامية التقليدية والتاريخية. ويكون عملها مع المغني متوازنا ومتكاملا لكليهما من حيث المبدأ، في غناء المقامات العراقية بشكلها الاصولي ومضمونها التعبيري. ولكننا نلاحظ مرة اخرى ان سليم شبث في مقام السيكاه هذا، ترافقه فرقة من التخت البغدادي باسلوب المحاورة بين المغني والآلة الموسيقية المنفردة..! دون استخدام ايقاع السماح الذي يضفي على مثل هذا المقام روحا تعبيرية غاية في الاصالة والتعبير وهذا ايضا خلاف للتقاليد.
- يبدا بالتحرير بنجاح تام، ويكاد يكون تحريرا خاصا به.
- ثم يشرع في غنائه لابيات القصيدة باسلوب جميل وخلاب حيث يمر بقطعة المنصوري وهي من مقام الصبا ثم ينزل الى الجلسة ليبدأ بالمهمات الادائية العالية وهي الميانات المتتابعة.
- يغني ميانة البلبان.
- ثم الحكيمي ولكنه غير مشبع.
- يغني قطعة المخالف كركوك بنجاح واضح يعقبها بالفاظ(يابة حنين .. يابة حنين ..) وهي قطعة السنبلة التي لم تكن مشبعة ايضا.
- ينتقل الى قطعة التفليس بصورة غير واضحة.
- يصل الى قطعة الجمـَّال.
- حتى يصل بالمقام الى تسليمه.
وبذلك لم يؤد سليم شبث في هذا الخضم من الميانات، ميانتي السفيان والمثلثة، ولا المقطع الايقاعي الذي يؤدى بالفاظ. هابابا .. بابا .. بابا .. كذلك لم يؤد عتابة السلمك رغم انها ثبتت في مقام السيكاه من خلال الطريقة القبانجية.
ان الغرض من كل هذا النقاش، ومن نقد نتاجات سليم شبث في غنائه للمقامات العراقية، هو التوصل الى دقة الغناء الاصولي التاريخي لشكل ومضمون المقامات العراقية. وتنبيه الاجيال القادمة الى الاخطاء والنواقص الادائية لتجنبها في التسجيلات المستقبلية.
مقام الكلكلي
نذهب الى مقام اخر. مقام الكلكلي(عقد مخالف خماسي وليس سلـَّما سباعيا كبقية السلالم) كما هو معروف في الدراسات الموسيقية النظرية. وعليه فعقد المخالف عقد خماسي عراقي خاص باهل العراق ويكاد لا يتداول في باقي الدول العربية..!
مقام الكلكلي من هذا العقد. والملاحظ في هذا العقد او هذا النغم، انه من الانغام او السلالم التي لايفضل فيها الانتقالات السلمية كثيراً. وهي بالمقابل انغام تتحمل التكرار والاعادة لانها انغام مملوءة بتعابير الحزن والشجن والتاريخ..! وليس من السهولة ربطها بصورة مستمرة بانغام اخرى. ورغم ان التجربة الادائية لهذا المقام على مدى تاريخه تحوي في ثناياها على اصول ادائية معروفة. مع انه من المحتمل ان الذائقة الجماهيرية اعتادت على سماعها. وبسبب هذا التكرار وهذا الاعتياد بحيث اصبحت اصولا تقليدية. فانها قـُبلتْ جماليا واقتنع الجميع بها كونها اصبحت تراثا تقليديا ينبغي السير على منواله..! فالمغني هنا يتحمل اعباء عقلية وجمالية ومزاجيه عند تركيزه في تقوية علاقات الجمل الادائية اللحنية فيما بين القطع والاوصال الثابتة في مقام الكلكلي. وعندما نستمع الى هذا المقام بصوت سليم شبث، فاننا نلاحظ هذه الظروف موجودة، ولكنه ينجح نجاحا كبيرا في التعبير عن مضمون هذا المقام التعبيري. رغم انه اخلَّ في عمل بعض من القطع والاوصال المتعارف عليها اصلا. حيث يؤكد مرة اخرى عدم اهتمامه بالاصول الشكلية.
- تحريره لمقام الكلكلي جيد.
- يغني البيت الاول من الزهيري بنغمة التحرير.
- يغني البيت الثاني والثالث بنغمة الكلكلي مع بعض التصرف الآني.
- يعمل قطعة العبوش ونغمها بيات لينهيها بنغمة الكلكلي.
- يعود الى غناء البيت الرابع والخامس بنغمة الكلكلي مع بعض التصرف الآني ايضا.
- يغني البيتين السادس والسابع بنغمة الكلكلي ثم يعيدهما مرة اخرى لينهي المقام بهما وهو التسليم.
في هذا العمل كله كان ينبغي كاصول تقليدية تاريخية مقامية. ان يؤدي قطع مثل العذال بلفظة .. ليل .. ليل .. وقطعة الكوياني .. ولكنه مع كل ذلك حافظ لنا على الجو النغمي لهذا المقام وغناه بمزاج شجي في هذا الزهيري ومطلعه.
(لي خلة منهم ريح الـــــوداد يطيب)
مقام المسجين
اما بالنسبة لمقام المسجين(سلَّمه بيات) المغنى من قبل سليم شبث بنفس الزهيري المعتاد غناؤه من غيره من القدماء والمعاصرين له وهذا مطلعه.
(احباب قلبي فلا لي غيـــــرهم تسجين)
ادى سليم شبث هذا المقام بديناميكية غنائية جيدة، رغم ان هذا المقام كما مر بنا تقليدا للسابقين بصورة تكاد تكون متطابقة. وبالتالي فهو تقليد جاهز لا وجود للاجتهاد فيه. اذ يبدو ان المطرب رشيد القندرجي هو الذي ساعد على تثبيت غناء هذا الزهيري عند غنائه لهذا المقام..!
يبدا سليم شبث هذا المقام بالتحرير الذي ينبغي ان ينتهي بالوقوف على درجة الرست. في حين ان سليم انهاه بالبيات..! وبذلك لا يعتبر هذا التحرير نموذجا دقيقا لمقام المسجين. ولكنه في البيت الاول من الزهيري يفعل ذلك حيث ينهيه بالوقوف على درجة الرست. ثم ينهي البيت الثاني من الزهيري بقطعة القطر. وفي البيت الثالث يمر بالنوى ثم يؤدي بعد ذلك صيحة المحمودي. اما في البيت الرابع فيعمل قطعة القريباش. وفي البيت الخامس من الزهيري يبدا بالصبا بقطعة الحديدي ثم يتلفظ بالفاظ مقام المقابل وهي من البيات، لكنه يبقى في الصبا رغم الفاظ قطعة المقابل. وفي البيتان السادس والسابع حيث يبدا بهما بصيحات المحمودي وينتهي بالبيات ثم يعيدهما وينزل الى القرار وهو التسليم.
على الرغم من ان سليم شبث يغني مقام المسجين تقليدا يكاد يكون متطابقا للسابقين. الا انه يحاول ان يتصرف ببعض مساراته اللحنية، ولكنه يخفق كعادته في اختياره مسارات لحنية مناسبة لتعابير هذا المقام ذو الاصول الشكلية التقليدية التاريخية..! حيث تستمع اليه عزيزي القارئ الكريم وكأنك تستمع الى مقام المحمودي..! ربما يصل بنا الامر ان نقول بان سليم شبث لم يكن دقيقا في اظهار الشكل المقامي في عموم مقاماته التي سجلها على وجه التقريب..! انه دائما يحاول ان يتصرف، ولكن معظم محاولاته تبوء بالفشل..! انه يريد ان يقول انني لست مقلدا ببغاويا في ادائي. وهو كذلك الى حد ما. ولكن توليفه للعلاقات الفنية خلال غنائه للمقام العراقي ضعيفة في غالب الاحيان. ولا يمتلك خزينا كافيا من الانغام يمكن ان يستحضرها في اللحظات المناسبة. فهو لا يمتلك حلولا آنية مناسبة في اللحظات الحرجة. فليس عنده غير الذهاب الى قطعة المحمودي اولا ثم يغوص في الانتقالات الاخرى غير المجدية في غالب الاحيان. فترتبك عنده العلاقات داخل وحدة البناء الفني للغناء.
ان سليم شبث، لا يذكرنا دائما بأن ما يغنيه هو المقام الفلاني مثلا. فتصرفاته وانتقالاته السلمية داخل العمل الغنائي متشابهة في معظم الاحيان وفي معظم المقامات العراقية التي سجلها بصوته. وكأنه يغني في جميع الاحيان مقاما واحدا..! انه يسترسل في غنائه ويتنقل بين الانغام بحرية مطلقة بحيث يبدو انه قد نسي انه يغني المقام الفلاني. في حين ينبغي على المغني ان يذكـِّر المستمع دائما بما يغنيه، لان المقام المغنى هو محور العمل كله. وفي ذلك تكمن قوة العمل برمته. ومن ثم تاكيدا لامكانية المغني ومهارته الادائية. ولذلك فان المقامات المغناة من قبل سليم شبث، غالبا ما تكون غير مدروسة ومربكة العلاقات في بنائها الفني الامر الذي يجعل مقاماته عرضة لعدم النجاح الكافي، وعلى الاخص مقاماته المسجلة في المرحلة الثانية من مسيرته الفنية.
عودة الى مقام الراشدي
نعود الى مقام الراشدي الذي اشرنا اليه سابقا. حيث يبدو ان سليم شبث كان قد سجله في مرحلة مسيرته الفنية الاولى. فقد كان مقاما رائعا. بحيث يمكننا ان نقول هذا هو سليم الذي يستحق شهرته. فقد كان انجازه لمقام الراشدي يوازي شهرته. ورغم انني استمعت اليه وانا في حداثة عمري وحديث عهد بغناء المقام العراقي اواخر ستينيات او مطلع سبعينيات القرن العشرين. ربما لا اتذكر جيدا دقة سليم شبث في ادئه لهذا المقام من حيث الشكل الاصولي التقليدي. الا ان نجاح سليم في هذا المقام جاء بمقاييس عديدة منها.
1 – غنى سليم هذا المقام بزهيري جديد.
2 – نجاح كبير في تعابيره العراقية البغدادية.
3 – سيطرة سليم على ديناميكية غنائه لهذا المقام بحركة متنوعة ومتصلة باستمرار حتى نهاية المقام.
4 – تفرد سليم في هذا المقام باسلوب مغاير لاقرانه المعاصرين رغم انه مستقى من الطريقة القندرجية وطرق اخرى.
هذا وقد ادى سليم شبث مقام الراشدي بهذا الزهيري وهذا مطلعه.
(يا راجبا بي مشاحيف الهــــــوى وجلة)
والى حلقة اخرى ان شاء الله.

صورة 1/ حسين الاعظمي في مدينة فونتين بلو على ضواحي باريس عام 2000.
صورة 2 / مطرب المقام العراقي سليم شبث (1907-1981).
صورة 3 / تذكارية في الاعظمية امام تسجيلات ندى بعدسة ماجد الاعظمي صاحب التسجيلات، يظهر فيها من اليمين سعد الاعظمي والرياضي سامي طبرة والصديق سعدي مهدي وحسين الاعظمي اواخر الثمانينيات من القرن العشرين (تنشر اول مرة)
