للذهاب الى صفحة الكاتب   

رحلة بأجر وأعصاب

صالح مهدي محمد

 

 

في أحد الأيام، استأجر صديقي سيارة أجرة خاصة للذهاب إلى متجر لبيع القرطاسية. بدا السائق مستعجلا منذ اللحظة الأولى، بالكاد حيّاه، ثم انطلق بسرعة وكأن المدينة كلها تحترق، أو كأن هناك جائزة تنتظره عند نهاية الطريق. لم يترك مسافة أمان، ولم يخفف سرعته عند المنعطفات، بل كان يتعامل مع الطريق وكأنه ملكية خاصة لا يشاركه فيها أحد.

 

وعندما طالبه صديقي بالتمهل قليلا، جاءه الرد باردا وواثقا: «لا تخف، أعرف طريقتي». وهي جملة يقولها بعض السائقين وكأنها صك أمان، مع أن الراكب لا يعرف إن كان صاحبها خبيرا في القيادة أم مجرد مغامر يختبر أعصاب الآخرين على حساب سلامتهم.

 

وحين وصل صديقي أخيرا إلى متجر القرطاسية، نزل من السيارة وهو يحاول استعادة هدوئه، ثم قال: «دفعت الأجرة مرتين؛ مرة بالمال، ومرة بأعصابي». ولعل المبلغ الثاني كان أكبر، لكنه لم يكن مدونا في أي اتفاق، ولم يكن من حق السائق أن يفرضه عليه.

 

هذه الحكاية التي رواها لي ليست استثناءً، بل صورة تتكرر كل يوم، مع اختلاف الوجوه والسيارات والطرق. ففي عالمنا اليوم، أصبح استئجار السيارات وطلب خدمات توصيل الركاب أمرا سهلا وسريعا، ولم يعد الوصول إلى سيارة أجرة يحتاج إلى كثير من العناء. لكن ما لم يصبح سهلا حتى الآن هو العثور على سائق يجمع بين مهارة القيادة ورقي التعامل، ويعرف أن مهمته لا تبدأ بتحصيل الأجرة، ولا تنتهي بمجرد الوصول إلى الوجهة، بل تمتد إلى الطريقة التي يقطع بها الطريق مع من ائتمنه على حياته.

 

وحين نسأل عن السعر قبل الركوب، فإننا نظن، بحسن نية، أن الاتفاق عليه هو الضمان الأساسي لرحلة مريحة. غير أن السعر، على أهميته، ليس سوى الجزء الأسهل في الحكاية؛ فالأجرة يمكن الاتفاق عليها مسبقا، أما أخلاق السائق ووعيه وسلوكه خلف المقود فلا تظهر إلا بعد أن تتحرك السيارة، وحينها قد يكتشف الراكب أنه اتفق على ثمن الرحلة، لكنه لم يتفق على مقدار الخوف الذي سيدفعه خلالها.

 

لقد بات واضحا أن بعض السائقين لا تنقصهم القدرة على تحريك السيارة بقدر ما تنقصهم القدرة على فهم معنى القيادة. فالمشكلة ليست دائما في معرفة متى تضغط على دواسة الوقود، بل في إدراك أن الطريق ليس حلبة سباق، وأن الركاب ليسوا جمهورا جاء ليصفق لمهاراتك، وأن الوصول قبل الموعد بدقيقتين لا يستحق المخاطرة بحياة إنسان.

 

ومن هنا تبدو العبارة التي اعتاد الناس ترديدها أكثر من أي وقت مضى جديرة بأن تستعاد، لا بوصفها شعارا محفوظا، بل باعتبارها قاعدة ينبغي أن تحكم سلوك كل من يجلس خلف المقود: » السياقة فن وذوق وأخلاق«.

 

بلا شك، هي فن، لأنها تحتاج إلى التركيز وحسن التقدير والقدرة على التصرف في المواقف المختلفة، لا إلى السرعة واستعراض المهارة.

 

وذوق، لأنها تكشف طريقة تعامل السائق مع الآخرين؛ مع المسن الذي يحتاج إلى بعض الوقت للصعود، ومع الراكب الذي يطلب تخفيف السرعة، ومع المارة الذين يعبرون الطريق، وحتى مع السائق الذي يختلف معه في أولوية المرور. فالذوق لا يظهر حين يكون الطريق خاليا، بل حين تضيق المساحة ويصبح احترام الآخرين ضرورة لا مجاملة.

 

وأخلاق، لأنها مسؤولية يومية تتعلق بأرواح الناس، حتى وإن كانوا غرباء لا يعرف السائق أسماءهم ولا تفاصيل حياتهم. فالذي يركب سيارتك ليس فردا زائدا، ولا رقما يضاف إلى أرباح يومك، بل إنسان له عائلة تنتظره، وأعمال يريد إنجازها، وحياة لا يحق لأحد أن يضعها في دائرة الخطر لمجرد أنه مستعجل أو سيئ المزاج.

 

ومع ذلك، ثمة من يتعامل مع الراكب وكأنه عبء مؤقت ينبغي التخلص منه بأسرع ما يمكن، فيرفع صوته، ويضيق ذرعا بأسئلته، ويقود بعصبية، ثم يتوقع منه أن يشكره عند الوصول. وربما يظن أن قبض الأجرة يمنحه الحق في التصرف كما يشاء، متناسيا أن الاتفاق المالي يحدد ثمن الخدمة، لكنه لا يشتري صبر الراكب على سوء المعاملة، ولا يمنح السائق ترخيصا لتعريض سلامته للخطر.

 

لذلك، في المرة المقبلة التي تطلب فيها سيارة أجرة، لا تجعل سؤالك الأول مقتصرا على: «كم الأجرة؟»، بل تذكر أن هناك سؤالا أهم، وإن كنت لا تستطيع طرحه دائما قبل الركوب: «من الذي سيقود بي؟ وهل سأصل معه بسلام؟».

 

وهكذا، فإن ثمن الرحلة لا يقاس بالنقود وحدها، بل بما تشعر به حين تنزل من السيارة؛ فإن وصلت مرتاحا، فقد دفعت أجرة نقل، وإن وصلت وأنت تراجع تفاصيل نجاتك، فربما كنت قد دفعت أجرة أخرى لم يخبرك بها أحد.