للذهاب الى صفحة الكاتبة   

حين يتحوّل الاسم إلى معركة سياسية، ويصبح الكابوس سيناتورًا!

نوال عايد الفاعوري

 

"اسمه عبد الرحمن ويناديه محمد..!

أنا الرئيس ويحق لي أن أناديه بالاسم الذي أختاره"!

هكذا برر دونالد ترامب اختياره أن ينادي المرشح الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد باسم "محمد السيد"  متجاهلًا اسمه الحقيقي وكأن الاسم والهوية شأنان يملك الرئيس الأمريكي حق التصرف فيهما وفق أهوائه السياسية.

 

لم يختر ترامب في سياق خطابه الذي يستهدف المسلمين والمهاجرين أن ينادي عبد الرحمن السيد باسم "محمد" عبثًا. فالأمر يتجاوز مجرد الخطأ في الاسم أو التلاعب به إنه توظيف رخيص للهوية والدين بوصفهما سلاحًا انتخابيًا، واستدعاء متعمد لمخاوف الناخبين من المسلمين والمهاجرين، في سباق انتخابي بلغ فيه الابتذال السياسي مستويات لافتة، ولا سيما في الخطاب الجمهوري.

وليست هذه المرة الأولى التي يستحضر فيها ترامب الإسلام باعتباره وصمة يحاول إلصاقها بخصومه.

إنه يفعل ذلك باستمرار ساعيًا إلى تذكير الناخبين بأن خصمه ينتمي إلى فئة يقدمها ضمنيًا بوصفها غريبة عن المجتمع الأمريكي أو موضعًا للريبة والشك.

وقد فعل الأمر نفسه حين أصر على تسمية الرئيس الأسبق باراك أوباما بـ "باراك حسين أوباما" مستحضرًا اسمه الأوسط في سياق الإيحاء بأصوله وهويته الدينية.

كما سخر قبل أيام من شيوع اسم محمد بين المسلمين، مستندًا إلى أرقام أطلقها بلا دليل زاعمًا أن 65% من المسلمين يحملون هذا الاسم!

 

لكن ما لم يحدث من قبل على ما يبدو هو أن يتحول ترشح سياسي إلى مصدر لكل هذا الغضب والاستنفار لدى رئيس الولايات المتحدة ونائبه، كما حدث مع عبد الرحمن السيد.

فترامب وجي دي فانس لم يتركا فرصة في تجمع انتخابي أو مناسبة جماهيرية من دون مهاجمة السيد أو السخرية منه في مشهد يثير التساؤل: لماذا يستنفر هذا الثنائي الرئاسي كل هذه الطاقة لمواجهة مرشح قد يصبح عضوًا في مجلس الشيوخ؟

إنه تكتل رئاسي لافت في مواجهة "سيناتور محتمل"!

 

لقد أصبح عبد الرحمن السيد محورًا أساسيًا في خطاب الجمهوريين وكأنهم لم يعودوا يجدون ما يقدمونه للناخب الأمريكي سوى التحذير منه وتوظيف هويته وديانته في محاولة للتأثير في خيارات الناخبين، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تقدم الديمقراطيين في عدد من الولايات.

 

وفي خضم هذه المواجهة، يواصل السيد تحدي منافسه المباشر، مايك روجرز، الذي تشير الحملة الانتخابية إلى أنه يواجه صعوبات في الحفاظ على شعبيته.

وقد امتد التوتر السياسي إلى ملفات أخرى، من بينها انتقادات روجرز لترامب بشأن صفقة الديزل مع روسيا في محاولة لاستعادة جزء من شعبيته المتراجعة.

ومع اقتراب موعد الانتخابات يبدو أن عبد الرحمن السيد يسعى إلى تحويل الهجمات التي يتعرض لها إلى فرصة سياسية مستفيدًا من هدوئه وقدرته على تجنب الانجرار إلى المعارك الجانبية.

فهو طبيب متخصص في علم الأوبئة لكنه يخوض معركته السياسية بقدر كبير من الاتزان في مواجهة رئيس اعتاد التصعيد، ونائب رئيس لا يخفي طموحاته السياسية المستقبلية.

ولعل هذا تحديدًا ما يجعل صعود السيد مصدر قلق لدى بعض خصومه الجمهوريين.

فالرجل بخلاف كثير من الشخصيات التي برزت في المشهد السياسي الأمريكي لا يواجه العوائق الدستورية التي قد تحول دون طموحه إلى مناصب أعلى إذ إن ولادته في الولايات المتحدة تمنحه من حيث المبدأ الأهلية الدستورية للترشح للرئاسة متى استوفى بقية الشروط المطلوبة.

وهنا تتجاوز المسألة حدود مقعد في مجلس الشيوخ لتلامس سؤالًا أكبر: هل يمكن أن يتحول هذا الطبيب الأمريكي من أصول مصرية إلى شخصية مؤثرة في مستقبل السياسة الأمريكية، وربما إلى منافس محتمل على قيادة البلاد يومًا ما؟

ذلك هو الاحتمال الذي قد يجعل صعوده أكثر إزعاجًا لبعض خصومه ولا سيما أولئك الذين يرون في السياسة امتدادًا لصراع الهويات والانتماءات.

لكن عبد الرحمن السيد لا يبدو مستعدًا لمنح خصومه ما يريدون.

أمام تشويهات ترامب ونائبه لا ينفعل السيد ولا يسمح لهجماتهما بأن تبعداه عن أهداف حملته الانتخابية.

يرد بهدوء واختصار ويعيد النقاش إلى القضايا التي تمس حياة الأمريكيين مباشرة.

وحين تثار حوله الضجة يأتي رده بسيطًا ومباشرًا:

"اسمي ليس السبب في غلاء المعيشة الذي يعاني منه الأمريكيون".

جملة قصيرة لكنها تعيد المعركة إلى جوهرها: الاقتصاد، وتكاليف الحياة، ومشكلات المواطنين، بدلًا من الانشغال بأسماء المرشحين وأصولهم ودياناتهم.

ومع ذلك، لا يفوت السيد فرصة للسخرية من الطريقة التي ينطق بها ترامب وفانس اسمه، أو من اختزاله إلى "عبدول" متحديًا إياهما أن ينطقا اسمه الكامل "عبد الرحمن"  على نحو صحيح.

 

إنه يدرك أن السخرية من اسمه ليست تفصيلًا عابرًا في الحملة بل جزء من خطاب أوسع يحاول اختزال شخصيته في هويته بدلًا من مناقشة مواقفه وبرنامجه السياسي

 

دقيقة واحدة تختصر معركة كاملة

في لقاء جماهيري بولاية ميشيغان ومع اقتراب موعد الانتخابات وجه شاب يدعى تومي إلى عبد الرحمن السيد سؤالًا مباشرًا:

— هل تنفي علاقتك بجماعة الإخوان المسلمين؟

أجاب السيد بهدوء:

— نعم، بكل تأكيد.

لكنه لم يكتف بالإجابة، بل قرر أن يواجه السؤال بسؤال، وأن يكشف ما وراءه من افتراضات مسبقة. وفي دقائق قليلة، تحول الحوار إلى مشهد تناقلته وسائل إعلام، بعدما أظهر جانبًا من شخصية المرشح وطريقته في التعامل مع الاستفزاز.

أصر السيد على أن يوضح لتومي طبيعة السؤال الذي طرحه، قائلًا:

— لماذا تطرح هذا السؤال؟ هل تفترض أنني لن أنفي علاقتي بهم؟

أجاب الشاب مرتبكًا:

— لم أسمعك تنفي علاقتك بهم حتى الآن.

فرد السيد:

— وهل نفيت أنت علاقتك بهم؟ أنا أيضًا لم أسمعك تنفي علاقتك بهم حتى الآن!

قال تومي:

— أنا أريد أن أعرف إجابتك فقط.

فأجابه السيد:

— لقد أجبتك للتو هل تشكك في ولائي لأي جهة أخرى غير الدستور الأمريكي؟

قل لي يا تومي: هل سألتَ كل شخص تعرفه في حياتك هذا السؤال؟ حسنًا، أنا أعرف لماذا سألتني أنا تحديدًا، والجميع يعرف ذلك. لكن دعني أخبرك بشيء: الدستور الأمريكي الذي منحني حق الترشح يمنح الحق نفسه للآخرين، بصرف النظر عن دياناتهم.

ثم انتقل إلى نقطة أكثر عمقًا، وسأل تومي:

— هل تعرف جون كينيدي؟

بدا الشاب مرتبكًا ولم يتمكن من تقديم إجابة واضحة.

استأنف السيد حديثه:

— يجب أن تعرف وعليك أن تقرأ التاريخ عندما ترشح جون كينيدي لرئاسة الولايات المتحدة كان أول رئيس أمريكي كاثوليكي وقد سئل آنذاك عما إذا كان ولاؤه سيكون للبابا في الفاتيكان فأجاب باختصار: لقد ترشحت لأكون رئيسًا للولايات المتحدة لا لأكون رئيسًا للكاثوليك

ثم وجه السيد سؤاله إلى تومي:

— هل فهمت الآن؟

لم يكن استحضار تجربة كينيدي مجرد استشهاد تاريخي عابر بل كان محاولة لنقل النقاش من دائرة الشك في الهوية الدينية إلى دائرة أوسع تتعلق بالمواطنة والولاء للدستور

فالسؤال الذي وجه إلى السيد لا يتعلق به وحده بل يعيد إنتاج جدل قديم في السياسة الأمريكية حول قدرة المواطن المنتمي إلى أقلية دينية على الوصول إلى أعلى المناصب من دون أن يطالب بإثبات ولائه على نحو لا يطلب من غيره

وفي سياق الاتصال السياسي، تبدو إجابة عبد الرحمن السيد أكثر من مجرد رد ذكي على سؤال محرج.

فاستدعاء شخصيات تاريخية بعينها ولا سيما جون كينيدي ليس تفصيلًا بلا دلالة إذ يمنح المرشح فرصة لتوسيع النقاش وربط تجربته الراهنة بسياق تاريخي يعرفه الأمريكيون

لقد اختار السيد مثالًا أمريكيًا راسخًا واستند إلى تجربة رئيس كاثوليكي واجه بدوره تساؤلات بشأن ولائه الديني ليقول ضمنًا إن المجتمع الأمريكي سبق أن خاض هذا الجدل وإن تكراره اليوم مع مسلم أمريكي لا يجعله أقل إقصاءً أو تمييزًا

وهنا تكمن أهمية تلك الدقيقة من الحوار: لم يسمح السيد للسؤال بأن يحاصره بل أعاد توجيهه نحو صاحبه ثم وضعه في سياقه التاريخي والدستوري

لقد نقل النقاش من سؤال عن هويته إلى سؤال عن المعايير التي يحاسب بها المواطن الأمريكي ومن الشك في انتمائه إلى حقه في المساواة وهذا في حد ذاته شكل من أشكال الذكاء السياسي

 

ما وراء الاسم

عبد الرحمن السيد ليس مجرد اسم عابر في المشهد السياسي الأمريكي وقد لا يكون ترشحه محطة انتخابية تنتهي بإعلان النتائج.

فكلما اتسعت دائرة الجدل حوله ازدادت أهمية السؤال المتعلق بما يمكن أن يمثله صعوده في بلد لا تزال فيه الهوية والدين والأصول العرقية عناصر حاضرة بقوة في الصراع السياسي

إنه طبيب متخصص في علم الأوبئة وابن عائلة مصرية مهاجرة ومواطن أمريكي يخوض معركة سياسية في بيئة انتخابية شديدة الاستقطاب

لكن ما يميز تجربته في هذه المرحلة ليس أصوله وحدها ولا كونه مسلمًا يخوض سباقًا انتخابيًا بارزًا بل الطريقة التي يتعامل بها مع الهجمات الموجهة إليه وقدرته على إبقاء خطابه مرتبطًا بالقضايا التي تهم الناخبين بدلًا من السماح لخصومه بفرض جدول أعمالهم عليه

قد يصنع عبد الرحمن السيد قصة سياسية مختلفة وربما غير متوقعة في الولايات المتحدة غير أن الحكم على حجم هذا التحول سيظل مرتبطًا بنتائج الانتخابات وبقدرته على تحويل الاهتمام الإعلامي إلى دعم انتخابي مستدام

ففي السياسة لا يكفي أن تصبح محور الحديث بل ينبغي أن تتحول إلى خيار يثق به الناخبون

ومع ذلك ثمة ما يستحق التأمل في هذه المواجهة: حين يضطر رئيس الولايات المتحدة ونائبه إلى تكرار اسم مرشح والسخرية منه واستحضار هويته في كل مناسبة فإنهما قد يمنحانه من حيث لا يريدان مساحة أكبر في الوعي العام.

وفي خضم ذلك كله يواصل السيد الرد بنصف ابتسامة واثقة كلما طرحت عليه الأسئلة ذاتها بشأن الهجمات اليومية التي يتعرض لها من ترامب وفانس.

فيقول ساخرًا:

"يبدو أن دونالد ترامب وجي دي فانس لا يستطيعان التوقف عن ذكر اسمي. لكن المشكلة أنهما لا يعرفان كيف ينطقانه! لا بأس، فهذا لا يهم لأنهما سيضطران إلى تعلم كيفية نطق اسمي مع إضافة كلمة "سيناتور" قبله في نوفمبر المقبل" !

قد تكون العبارة مجرد مزحة انتخابية لكنها تحمل في طياتها رسالة واضحة: لن يسمح عبد الرحمن السيد لخصومه بأن يختزلوا حملته في اسمه بل يراهن على أن يصبح هذا الاسم نفسه جزءًا من معادلة سياسية جديدة.

ففي السياسة قد يبدأ الصراع بمحاولة تشويه اسم وينتهي بفرض صاحبه على الجميع أن يتذكروه.

 

نوال عايد الفاعوري