
نحو تجديد المشروع الوطني الديمقراطي
(9) من بناء البديل إلى تشكيل قوة التغيير
يونس متي
تراجعت ثقة قطاعات واسعة من العراقيين بالعمل السياسي، بعد سنوات من الوعود التي لم تنعكس على حياتهم اليومية، واستمرار الفساد وضعف الخدمات وغياب العدالة. ولم يعد نقد النظام السياسي كافيا لاستعادة هذه الثقة، بل باتت الحاجة ملحة إلى بديل واضح يبين ما الذي ينبغي تغييره، وكيف يمكن بناء دولة تستجيب لحاجات المواطنين وتطلعاتهم.
لقد أظهرت التجربة العراقية بعد عام 2003 أن تغيير الحكومات وتبديل المسؤولين لم يؤديا إلى تجاوز الأزمات الأساسية. فقد استمرت المحاصصة الحزبية والطائفية والقومية، وتداخلت المصالح الحزبية مع مؤسسات الدولة، وظل الفساد وسوء إدارة الموارد عائقين أمام التنمية وتحقيق العدالة. وهذا يؤكد أن الأزمة لا تتعلق بأداء الحكومات وحده، بل بطبيعة النظام السياسي والاقتصادي والأسس التي تقوم عليها إدارة الدولة.
لذلك، لا يمكن أن يقتصر البديل الوطني الديمقراطي على إصلاحات جزئية تترك أسباب الأزمة قائمة. فالمطلوب دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وتحمي الحقوق والحريات، وتخضع مؤسساتها للمساءلة، إلى جانب اقتصاد يدعم الزراعة والصناعة، ويستثمر في التعليم والمعرفة، ويوفر فرص العمل، ويربط إدارة الثروة الوطنية بتحسين حياة المواطنين وتحقيق العدالة الاجتماعية.
غير أن تحديد هذه الأهداف لا يكفي وحده لبناء بديل مقنع. فالبرنامج الجاد يحتاج إلى تحديد أولوياته والخطوات اللازمة لتحقيقها، وبيان ما يميزه عن برامج القوى التي رفعت شعارات الإصلاح ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات من دون معالجة أسباب الأزمة. فالاختلاف الحقيقي لا يكمن في الشعارات، بل في السياسات والقدرة على تنفيذها وتحقيق نتائج ملموسة. وتتعزز مصداقية المشروع بقدر ما تنسجم ممارسات القوى التي تتبناه مع الأهداف التي تدعو إليها.
لكن وضوح البديل لا يضمن تحقيقه ما لم تتوفر القوى القادرة على حمله. فالتحديات التي تواجه العراق تتجاوز قدرة أي حزب منفرد على معالجتها، كما أن وجود مطالب مشتركة لدى قطاعات واسعة من المجتمع لا يؤدي تلقائيا إلى نشوء حركة تغيير. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء تحالف وطني ديمقراطي يوحد الجهود حول برنامج مشترك، ويتجاوز التفاهمات الانتخابية والمصالح المؤقتة.
ولا يعني هذا التحالف إنشاء تنظيم جديد يلغي الأحزاب القائمة أو ينتقص من استقلالها، بل إقامة تعاون مستمر بين القوى التي تلتقي حول أهداف وطنية ديمقراطية. ويتطلب نجاحه احترام تعدد الآراء والتجارب، والمساواة في الحوار والمشاركة في اتخاذ القرار، وإدارة الاختلاف بصورة تتيح استمرار العمل المشترك. فليس المطلوب التطابق في جميع المواقف، بل الاتفاق على أهداف أساسية وأولويات واضحة وآليات للتعاون، بعيدا عن احتكار القرار أو فرض إرادة طرف على الآخرين.
ولا تتحدد قوة التحالف بعدد الأحزاب المشاركة فيه، بل بمدى ارتباطه بالمجتمع وقدرته على التعبير عن مصالحه. فالعمال والموظفون، والفئات الوسطى، والشباب والنساء، والمهنيون، والنقابات المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني والمثقفون، يواجهون مشكلات وأولويات مختلفة، لكنهم يلتقون في مصالح مشتركة تتصل بالعدالة الاجتماعية وتحسين ظروف الحياة وتوسيع فرص المشاركة. وتكمن المهمة في بلورة برنامج يربط مطالبهم اليومية بالقضايا العامة المتعلقة بالدولة والاقتصاد والحقوق، ويفتح أمامهم المجال للمشاركة في تحديد الأولويات وصياغة الحلول.
ولا تتكون أكثرية اجتماعية مؤيدة للتغيير بمجرد الدعوة إليها، بل من خلال العمل بين الناس، والدفاع عن حقوقهم، والمشاركة في قضاياهم، وإثبات القدرة على تحقيق نتائج ملموسة. فالمجتمع ليس مجرد قاعدة انتخابية تسعى الأحزاب إلى استقطابها، بل قوة فاعلة في بناء البديل وتحديد مضمونه وتحويله إلى حركة اجتماعية وسياسية مؤثرة.
إن بناء تحالف وطني ديمقراطي فاعل يقتضي أن يؤدي الحزب الشيوعي العراقي، بما يمتلكه من تاريخ وتجربة، دورا مؤثرا في بناء هذا المشروع المشترك، وأن يستثمر رصيده السياسي والنضالي في تطوير العمل مع القوى الأخرى، والانطلاق من المشتركات من دون التفريط بهويته ومبادئه. فدوره لا يتحدد بقدرته على عرض برنامجه الخاص وحده، بل أيضا بمدى إسهامه في توحيد الجهود حول أهداف وطنية ديمقراطية، وتعزيز الثقة المتبادلة بين القوى المشاركة.
ويتطلب استمرار هذا التحالف برنامجا محدد الأولويات، وآليات واضحة لاتخاذ القرارات وتوزيع المسؤوليات ومتابعة التنفيذ وتسوية الخلافات. كما يحتاج إلى مراجعة دورية لما يحققه من نتائج، وتقييم قدرته على توسيع صلته بالمجتمع. فالشراكة لا تثبتها البيانات المشتركة وحدها، بل احترام الالتزامات وتحمل المسؤولية والقدرة على مواصلة التعاون رغم الاختلاف.
إن الانتقال من بناء البديل إلى تشكيل قوة التغيير يتطلب رؤية واضحة، وبرنامجا يستجيب لحاجات المجتمع، وتعاونا بين القوى الاجتماعية والسياسية القادرة على حمله. وعندما يجد المواطنون في هذا المشروع تعبيرا عن مصالحهم وتطلعاتهم، ويشاركون في بنائه والعمل من أجل تحقيق أهدافه، تتعزز فرص تحوله إلى قوة اجتماعية وسياسية مؤثرة تفتح الطريق أمام التغيير.
