للذهاب الى صفحة الكاتب   

إعادة تشكيل الفضاء المواطني بين فتح آفاق الحريات الضرورية

وطلب رعاية الحقوق الأساسية، مقاربة معيارية

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

 

مقدمة

يشهد الفضاء المواطني في العصر الراهن تحولات عميقة تمس بنيته ووظائفه وشروط وجوده. فلم يعد هذا الفضاء مجرد مجال عمومي تقليدي تلتقي فيه الذوات الحرة لتداول الآراء وممارسة الحقوق السياسية، بل أصبح حقلًا متوترًا تتقاطع فيه مطالب متضاربة في الظاهر: مطلب توسيع الحريات الضرورية التي تضمن القدرة على الفعل والمبادرة والتعبير، ومطلب رعاية الحقوق الأساسية التي تكفل الحد الأدنى من الكرامة والأمان والحماية. إن إعادة تشكيل هذا الفضاء لا تتم عبر مجرد إصلاحات مؤسسية أو قانونية، بل تتطلب مقاربة معيارية تعيد التفكير في الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها الاجتماع السياسي في شروط معاصرة تتسم بتآكل السيادة التقليدية، وتوسع منطق السوق، وتزايد الهشاشة الاجتماعية، وتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة جديدة للصراع والمراقبة. تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الفضاء المواطني لا يستعيد حيويته إلا إذا نجح في التوفيق الجدلي بين بعدين متكاملين لا متعارضين: بعد الحريات الضرورية التي تفتح آفاق الفعل والمشاركة والمقاومة، وبعد الحقوق الأساسية التي تطلب رعاية مؤسسية ومجتمعية تحول دون سقوط الأفراد في أوضاع تجعل الحرية شكلية أو مستحيلة. والمقاربة المعيارية هنا تعني تجاوز الوصف التشخيصي إلى طرح معايير لما ينبغي أن يكون عليه هذا الفضاء، معايير تستند إلى مبدأ الكرامة الإنسانية بوصفه ناظمًا أعلى، وإلى فكرة المواطنة بوصفها علاقة تبادلية بين الحقوق والواجبات، وبين الاستقلالية والتضامن. سنسعى في ما يلي إلى استجلاء أبعاد هذه الإشكالية عبر أربعة مستويات مترابطة: أولًا، تحليل أزمة الفضاء المواطني الراهن وشروط إعادة تشكيله؛ ثانيًا، استكشاف مطلب فتح آفاق الحريات الضرورية؛ ثالثًا، تفصيل طلب رعاية الحقوق الأساسية؛ ورابعًا، بلورة المقاربة المعيارية التي تسمح بالتوفيق الخلاق بينهما دون اختزال أحدهما في الآخر.

 

أولاً: أزمة الفضاء المواطني وشروط إعادة التشكيل

يعاني الفضاء المواطني المعاصر من أزمة متعددة الأبعاد. فمن جهة، أدت التحولات النيوليبرالية إلى خصخصة متزايدة للمجال العام، حيث تحولت مساحات كانت مخصصة للتداول والحوار إلى سلع أو إلى فضاءات خاضعة لمنطق الربح والمراقبة. ومن جهة أخرى، أدى صعود الخطابات الأمنية والهوياتية إلى تضييق حرية التعبير والتجمع، تحت ذريعة حماية النظام أو الهوية الجماعية. وفي الوقت نفسه، كشفت الأزمات الاقتصادية والصحية والبيئية عن هشاشة واسعة تجعل قطاعات كبيرة من المواطنين غير قادرة فعليًّا على ممارسة حقوقها النظرية، لأن شروط الحياة الأساسية غير مضمونة.

 

يضاف إلى ذلك التحول الرقمي الذي أعاد رسم حدود الفضاء المواطني. فالفضاء الافتراضي فتح إمكانات جديدة للتعبير والتنظيم والمقاومة، لكنه في الوقت ذاته أصبح ساحة للمراقبة الجماعية، ونشر المعلومات المضللة، وتضخيم الخطابات الاستقطابية، وإنتاج أشكال جديدة من الإقصاء. هكذا أصبح الفضاء المواطني موزعًا بين مستويات متعددة: محلي ووطني وعابر للحدود، واقعي ورقمي، رسمي وغير رسمي، مما يجعل إعادة تشكيله أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

 

إعادة التشكيل، في هذا السياق، لا تعني العودة إلى نموذج كلاسيكي مثالي للمجال العام، بل بناء فضاء قادر على استيعاب التعدد والتعقيد الراهنين دون التخلي عن مبادئ المساواة والحرية والكرامة. وهذا البناء يتطلب الاعتراف بأن المواطنة لم تعد محصورة في العلاقة القانونية بالدولة، بل امتدت لتشمل علاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية وبيئية. كما يتطلب الوعي بأن الفضاء المواطني ليس معطى جاهزًا، بل هو نتاج صراع مستمر حول من يملك حق الظهور والكلام والفعل داخله.

 

ثانيًا: فتح آفاق الحريات الضرورية

تُعد الحريات الضرورية الشرط الأول لأي فضاء مواطني حي. والحريات المقصودة هنا ليست الحريات الشكلية المجردة التي تُعلن في الدساتير دون ضمانات فعلية، بل تلك الحريات التي تمكن الأفراد والجماعات من الفعل الحقيقي داخل الفضاء المشترك. تشمل هذه الحريات حرية التعبير والتجمع والتنظيم، وحرية الضمير والمعتقد، وحرية التنقل والمبادرة، وحرية الوصول إلى المعلومات والمشاركة في القرار. لكنها تتجاوز ذلك إلى ما يمكن تسميته بحرية الوجود العمومي: أي القدرة على الظهور في الفضاء المشترك دون خوف من الوصم أو الإقصاء أو العنف. فتح آفاق هذه الحريات يعني رفض كل أشكال التقييد التعسفي أو الأمني المفرط الذي يحول الفضاء المواطني إلى مجال مراقب ومقيد. ويعني أيضًا مقاومة المنطق الذي يجعل الحرية امتيازًا للفئات القادرة اقتصاديًّا أو ثقافيًّا، بينما تظل قطاعات واسعة محرومة فعليًّا من ممارستها. فالحرية الضرورية تتطلب شروطًا مادية ورمزية: حدًّا أدنى من الأمان الاقتصادي، وقدرة على الوصول إلى التعليم والمعرفة، وحماية من أشكال التمييز والعنف الرمزي. غير أن فتح آفاق الحريات لا يعني إطلاقها بلا حدود. فالحرية المطلقة التي تتجاهل آثارها على الآخرين تتحول سريعًا إلى أداة للهيمنة. لذلك يجب أن تُفهم الحريات الضرورية داخل أفق معياري يعترف بترابطها مع مبدأ المساواة. فحرية التعبير، مثلًا، تفقد معناها المواطني إذا أصبحت وسيلة لنشر خطاب الكراهية الذي يخرج فئات معينة من دائرة المواطنة الرمزية. وحرية السوق تفقد مشروعيتها إذا أدت إلى تدمير الشروط البيئية أو الاجتماعية التي تجعل حياة الجميع ممكنة. هكذا يصبح فتح الآفاق مشروطًا بوعي حدوده الأخلاقية والسياسية. في الممارسة، يتطلب فتح هذه الآفاق سياسات نشطة لا مجرد امتناع عن التدخل. فالدولة والمجتمع مطالبان بتوفير الضمانات المؤسسية التي تحول الحرية من إمكانية نظرية إلى قدرة فعلية: حماية الصحافة المستقلة، وضمان حق التظاهر السلمي، وتسهيل تكوين الجمعيات، وحماية الفضاءات العمومية من الخصخصة المفرطة، وضمان النفاذ العادل إلى الفضاء الرقمي. دون هذه الضمانات تظل الحرية شعارًا فارغًا.

 

ثالثًا: طلب رعاية الحقوق الأساسية

إذا كانت الحريات الضرورية تفتح آفاق الفعل، فإن الحقوق الأساسية توفر الأرضية التي تجعل هذا الفعل ممكنًا ومستدامًا. والحقوق الأساسية المقصودة هنا تشمل الحقوق المدنية والسياسية التقليدية، لكنها تمتد بوضوح إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية: الحق في العمل اللائق، والحق في السكن، والحق في الصحة، والحق في التعليم، والحق في بيئة سليمة، والحق في الحماية من الفقر والهشاشة. هذه الحقوق ليست ثانوية أو تكميلية، بل هي شروط إمكانية ممارسة المواطنة ذاتها. طلب رعاية هذه الحقوق يعني الاعتراف بأنها لا تتحقق تلقائيًّا بمجرد إعلانها القانوني، بل تحتاج إلى رعاية مستمرة من قبل المؤسسات والمجتمع. والرعاية هنا مفهوم معياري يتجاوز المساعدة الخيرية أو الإحسان، ليصبح التزامًا سياسيًّا وأخلاقيًّا يقوم على مبدأ التضامن والمسؤولية المشتركة. فالدولة ليست مجرد حكم محايد بين أفراد أحرار، بل هي ضامنة للشروط التي تجعل الحرية والكرامة ممكنتين للجميع. والمجتمع بدوره مطالب بتطوير أشكال من التضامن الأفقي التي تكمل الرعاية المؤسسية وتصحح عيوبها.

 

 تكتسب رعاية الحقوق الأساسية أهمية خاصة في سياق يتسم بتزايد أشكال الهشاشة: هشاشة العمل، وهشاشة السكن، وهشاشة الصحة، وهشاشة الوجود البيئي. فهذه الهشاشة لا تهدد فقط رفاهية الأفراد، بل تهدد قدرتهم على المشاركة المواطنية. فالشخص الذي يعيش تحت ضغط الحاجة اليومية يجد صعوبة بالغة في ممارسة حرية التعبير أو المشاركة السياسية بفعالية. ومن ثم فإن إهمال رعاية الحقوق الأساسية يؤدي إلى إفراغ الفضاء المواطني من مضمونه، وتحويله إلى مجال نخبة قادرة على الفعل بينما تظل الأغلبية على الهامش.

 

غير أن طلب الرعاية يواجه تحديًا مزدوجًا. فمن جهة، هناك خطر تحول الرعاية إلى وصاية تلغي استقلالية الأفراد وتحولهم إلى متلقين سلبيين. ومن جهة أخرى، هناك خطر اختزال الحقوق في حد أدنى بيولوجي لا يضمن الكرامة الحقيقية. لذلك يجب أن تُفهم الرعاية بوصفها تمكينًا لا وصاية، وبوصفها ضمانًا لشروط الاستقلالية لا بديلاً عنها. فالغاية النهائية من رعاية الحقوق هي تمكين المواطنين من أن يكونوا فاعلين أحرارًا ومتساوين داخل الفضاء المشترك.

 

رابعًا: المقاربة المعيارية – نحو توازن جدلي بين الحرية والرعاية

تتمثل أصالة المقاربة المعيارية في رفضها للاختيار الإجباري بين الحريات والحقوق، أو بين الاستقلالية والتضامن. فهي ترى أن الفضاء المواطني السليم هو ذلك الذي ينجح في تحقيق توازن جدلي بينهما، بحيث تعزز كل واحدة منهما الأخرى بدل أن تتعارضا. فالحريات الضرورية بدون رعاية الحقوق تظل شكلية ومتاحة للقادرين فقط، بينما رعاية الحقوق بدون فتح آفاق الحرية تتحول إلى وصاية بيروقراطية تلغي البعد المواطني للوجود. يقوم هذا التوازن على مبدأ معياري أعلى هو الكرامة الإنسانية بوصفها قيمة غير قابلة للاختزال. فالكرامة تتطلب في الوقت ذاته حماية الفرد من الحاجة والإذلال (بعد الحقوق والرعاية)، وتمكينه من الفعل الحر والمشاركة (بعد الحريات). ومن هذا المبدأ تتفرع معايير فرعية توجه إعادة تشكيل الفضاء المواطني: معيار المساواة الفعلية لا الشكلية، ومعيار المشاركة الشاملة التي لا تستبعد أحدًا بسبب وضعه الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي، ومعيار المسؤولية المشتركة التي تجعل من رعاية الحقوق التزامًا جماعيًّا لا عبئًا على فئة دون أخرى، ومعيار الاستدامة الذي يربط الحقوق والحريات بشروط البقاء البيئي والاجتماعي للأجيال القادمة.

 

في المستوى المؤسساتي، تترجم هذه المعايير إلى ضرورة بناء مؤسسات قادرة على الجمع بين الضمان والحماية من جهة، والانفتاح والتمكين من جهة أخرى. مؤسسات تضمن الحد الأدنى من الحقوق الأساسية للجميع، وفي الوقت ذاته تحمي الحريات وتوسع مجالات المشاركة.

 

وفي المستوى المجتمعي، تترجم إلى تنمية ثقافة مواطنية ترى في التضامن شرطًا للحرية لا نقيضًا لها، وترى في الحرية مسؤولية تجاه الآخرين لا انفلاتًا فرديًّا.

 

تواجه هذه المقاربة تحديات عملية كبيرة، أبرزها مقاومة القوى التي تستفيد من تضييق الفضاء المواطني أو من خصخصته، وصعوبة التوفيق بين المطالب المتضاربة في سياقات الأزمات، وخطر الانزلاق نحو نماذج سلطوية باسم الرعاية أو نحو نماذج فوضوية باسم الحرية. غير أن هذه التحديات لا تلغي الحاجة المعيارية إلى التفكير في فضاء مواطني يعيد ربط الحرية بالحق، والاستقلالية بالتضامن، والفرد بالجماعة.

 

خاتمة

إعادة تشكيل الفضاء المواطني بين فتح آفاق الحريات الضرورية وطلب رعاية الحقوق الأساسية ليست مجرد خيار سياسي ظرفي، بل هي مهمة معيارية ملحة في عصر تتزايد فيه أشكال الهشاشة والإقصاء والمراقبة. والمقاربة التي اقترحناها ترفض الثنائيات المانوية التي تضع الحرية في مواجهة الحق، أو الفرد في مواجهة الجماعة، وترى أن حيوية الفضاء المواطني رهينة بالقدرة على تحقيق توازن جدلي بينهما. هذا التوازن يقوم على الاعتراف بأن الحرية الحقيقية لا تزدهر إلا على أرضية من الحقوق المضمونة، وأن الحقوق لا تكتسب معناها المواطني إلا إذا فتحت آفاق الفعل الحر والمشاركة. ومن خلال مبدأ الكرامة بوصفه ناظمًا أعلى، يمكن توجيه عملية إعادة التشكيل نحو فضاء أكثر عدلًا وانفتاحًا واستدامة. فضاء لا يكتفي بحماية المواطنين من الحاجة والخوف، بل يمكنهم من أن يكونوا فاعلين في صياغة مستقبلهم المشترك. وهكذا تستعيد المواطنة معناها العميق بوصفها ممارسة حرة ومتضامنة داخل فضاء مشترك يُعاد بناؤه باستمرار على أسس معيارية واضحة. فمتى يتم تفعيل منظومة المواطنة الحقيقية في واقعنا الاجتماعي الراهن؟