
موهبة ادعاء المعرفة
صالح مهدي محمد
ربما ليس غريبًا، ولا يستدعي الدهشة، أن ترى فردًا تكفيه ثقة مفرطة بالنفس، وذاكرة مثقوبة، واستعداد فطري للكلام في كل ما لا يعرفه. أما المعرفة الحقيقية، فتلك مسألة ثانوية يمكن الاستغناء عنها متى توفر صوت مرتفع وجمهور لا يحب إحراج المتحدث.
تأمل المشهد في أحد المقاهي الشعبية. كان ضمن الحضور خمسة أشخاص يجلسون حول طاولة متعبة، تتوسطها فناجين القهوة وأكواب الشاي، فيما يتصاعد دخان السجائر وتختلط أصوات الزبائن بحديث التلفاز لم تمضِ دقائق حتى تحولت الطاولة إلى أكاديمية متعددة الاختصاصات، يديرها رجال لم يجمعهم العلم، بل جمعتهم الثقة العالية بأنهم يعرفون كل شيء.
بدأ الأول بتحليل الوضع السياسي تحليلًا لم ينخل آراءه أحد، وكانت آراؤه مستمدة من الظنون والأوهام. وحين سأله أحد الجالسين عن مصدر معلوماته، اعتدل في جلسته وقال: «عندي مصادر». لم يجرؤ أحد على سؤاله عن طبيعة هذه المصادر؛ فالرجل يتحدث بلهجة من يوزع الأسرار على الدول، مع أنه قبل قليل كان يسأل النادل إن كان الشاي قد حُسب عليه أم لا.
قاطعه الثاني، وكأنه الخبير الاقتصادي الذي لم تستقر ميزانيته الشخصية يومًا، ليشرح الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى انهيار العملة، مسترسلًا كذلك في شرح أسباب ارتفاع الأسعار، وكأن في ذهنه خطة سديدة للإنقاذ، لا تحتاج سوى إلى أن يتولى المتصدون للاقتصاد تنفيذها. كان يتحدث عن ترشيد الإنفاق، فيما يطلب من صاحب المقهى تسجيل حسابه على الدفتر إلى نهاية الشهر. ولحسن الحظ، لم يكن صاحب المقهى حاضرًا عند الطاولة؛ فربما كان سيكشف لنا أن الخطة الاقتصادية كلها متعثرة عند فنجان قهوة لم يُسدَّد ثمنه.
على الكرسي المجاور، كان رجل يراقب أحد الزبائن وهو يسعل. وما إن سمعه حتى أصدر تشخيصه: «هذه مناعة ضعيفة، وليست مشكلة صدر». ثم وصف له علاجًا شعبيًا، وحذره من الأطباء الذين، بحسب رأيه، لا يعرفون شيئًا. وحين سأله الزبون عن مصدر خبرته، نفخ دخان سيجارته وقال: «التجربة خير برهان». كان يتحدث بثقة طبيب استشاري، مع أن أقصى تجاربه الطبية أنه يخلط بين دواء الصداع وفوار الحموضة، ثم يتهم الصيدلي بالتقصير.
وفي طرف الطاولة، انشغل رجل رابع بتربية الآخرين. شرح كيف أفسدت الأساليب الحديثة أخلاق الأبناء، وكيف يجب أن يتعلموا الطاعة واحترام الكبار. كان يلقي محاضرته بحماسة، فيما يتصل به ابنه للمرة الثالثة، فيغلق الهاتف غاضبًا لأنه لا يريد أن يقاطعه أحد. الرجل الذي يطالب الأجيال بالحوار لا يسمح لابنه بإكمال جملة، والذي يشتكي من انعدام الاحترام يمارسه بوصفه امتيازًا شخصيًا لا حقًا متبادلًا.
أما الخامس، فكان ناقدًا أدبيًا. لم يكن على الطاولة كتاب واحد، ومع ذلك وجد طريقه إلى الثقافة. أعلن أن الأدب تراجع، وأن الشعراء لم يعودوا شعراء، وأن الروايات الحديثة مجرد كلام فارغ. وحين سأله شاب عن آخر رواية قرأها، صمت لحظة، ثم قال: «أنا لا أحكم على الكتب من القراءة فقط، عندي ذائقة». يا لها من ذائقة خارقة! تستطيع اكتشاف رداءة كتاب لم تفتحه، كما يستطيع المرء اكتشاف فساد الطعام من صورة الطبق.
كان المشهد مضحكًا لولا أن الطاولة التي اجتمع حولها خمسة أشخاص تحولت إلى منصة للخبراء في كل شيء. لم يبقَ اختصاص لم يتولَّ أحدهم زمامه، ولم تبقَ مشكلة في العالم لم يعلنوا امتلاك حل لها. وحده النادل ظل يتنقل بينهم بصمت، وربما كان الوحيد الذي يعرف حقيقة المشهد؛ فهو يسمع كل يوم من يشرح أسباب الفقر، ثم يطلب فنجان قهوته بالدين.
هذه ليست حكاية عن أشخاص استثنائيين، بل عن ظاهرة نلتقيها في البيوت والمدارس والمقاهي ومجالس العزاء. هناك دائمًا من يحوّل رأيه إلى حقيقة، ومعلوماته الناقصة إلى يقين، وتجربته المحدودة إلى قانون يصلح للبشرية كلها. وإذا واجهته بمعلومة تصحح كلامه، لا يراجع نفسه، بل يراجع أخلاقك؛ فأنت متعجرف، وهو صاحب خبرة، وأنت تفتعل الجدل، وهو يحاول تنويرك.
الغريب أننا لا نمنح هؤلاء مكانتهم رغم تبجحهم، بل نمنحهم إياها أحيانًا بسبب الطريقة التي يخفون بها افتقارهم إلى المعرفة. ننجذب إلى الإجابة السريعة، ونشك في المتردد، ونصف صاحب المعرفة الحذر بأنه لا يعرف بما يكفي. كأننا لا نريد من يحدثنا بالحقيقة، بل من يقدم لنا وهمًا مقنعًا عنها.
وهكذا تزدهر موهبة ادعاء المعرفة، فيما تتراجع فضيلة الاعتراف بحدودها. يصبح السؤال علامة ضعف، والتصحيح إهانة، والصمت عجزًا، مع أن أكثر العقول معرفة هي أقدرها على التمييز بين ما تعرفه وما تجهله.
لكن المفارقة الأشد ليست في هؤلاء الذين يدّعون المعرفة، بل فينا نحن الذين نصغي لهم دون اعتراض أو اتخاذ موقف يجعلهم يدركون أنهم لا يستطيعون إقناعنا بهذه الترهات.
