
الغُربةُ في أحضانِ الوطن.. صدمةُ العودةِ ومرارةُ الواقع!
جبر شلال الجبوري
الموتُ الحقيقيُّ هو أن تعيشَ بين أهلك غريباً..
لخّصتْ زيارتي الأخيرة إلى العراق هذه الحقيقة؛ إذ مكثتُ فيه شهرين من الغربة، والحسرة، والألم، شهرين لم أذق فيهما طعم الحياة. لقد تبدل كل شيء؛ فالأماكن والناس التي كانت يوماً تزهو بالرقي، والمحبة، والتفاني، تحولت إلى ما يشبه الصحراء المقفرة. وثمة حربٌ شعواء تُشن على كل ما هو أخضر في العراق؛ فحيثما تجولتَ، تتراءى لك مئات المقابر الجماعية التي دُفنت فيها أصناف النخيل وهي في عز شبابها نتاج التجريف والإهمال.
أما بغداد، فقد استحالت إلى ما يشبه "كراجاً" كبيراً للسيارات؛ ازدحاماتٌ مجنونة في كل مكان، ومعارك وخلافات تندلع في كل حي وشارع جراء ذلك الاختناق المروري. شوارعُ مدينةٍ منهكة لم يطرأ عليها أي تغيير أو إعمار حقيقي منذ عشرات السنين، بدت حزينةً كحزن أبنائها. لن ترى ملامح جديدة سوى "المولات" الفارهة المملوكة للفاسدين وسرّاق المال العام، والتي لا يملك الفقير ثمن المرور بجانبها. وفي المقابل، تنتشر الدراجات النارية، و"التكتك"، و"الستوتات" بشكل غريب غيّر ملامح العاصمة وجعلها تبدو كبعض بلدان شرق آسيا المزدحمة. وبمجرد أن تجود السماء بقطرات المطر، يخرج العراق بأكمله عن الخدمة، لتتحول شوارع بغداد إلى برك ومستنقعات وسط غيابٍ تام للأجهزة المختصة.
وحتى في الخدمات، تتجلى المفارقة؛ فالكهرباء الوطنية طيلة أيام شهر رمضان المبارك لم تنقطع عن الناس، ولكن مافيات وعصابات "المولدات الأهلية" فرضوا على الشعب أتاوات إجبارية مستحوذين على ثمن كهرباء الدولة بلا رادع! وعلى أرصفة الشوارع، تندفع أفواجٌ من الشباب العاطلين كباعة متجولين، يعملون ليل نهار لكسب قوتهم، وتتعالى أصوات مكبراتهم في كل وقت لتزيد من صخب المدينة المنهكة.
خلال تلك الشهرين، لم ألتقِ بأي صديق؛ لأنني أحسست بأن هناك انقلاباً مخيفاً في تركيبة الناس وسلوكياتهم، فلم يعد بمقدورك أن تتناقش مع أحد دون أن تكون عرضةً للإهانة أو التوتر؛ فالكل متأخر وضاغط بالرغم من أن الأغلبية بلا شغل ولا عمل. وإذا قادتك الظروف لإنجاز معاملة في دائرة حكومية، فستدخل في دوامة لا تنتهي من القلق، والروتين، والابتزاز.
وفي طرقات العاصمة، تقتحم عينيك أفواج السيارات الفارهة للمسؤولين وحماياتهم، وهم يطلقون صفارات التنبيه بكل صلافة ودون خجل لقطع الطرق على المواطنين. أما القصور والمنازل الخرافية التي شيدها الحيتان والفاسدون على حافات نهر دجلة الخالد، فقد تجاوزت على حرمة النهر والشوارع المحيطة، وقطعت حتى نسائم الهواء عن عامة الناس، لتغدو السمة المميزة لطبقة الحكم الجديدة؛ حيث تصدر الكذاب، والمنافق، وسيء السمعة المشهد، واستعانت المنحرفات بنفوذهن داخل مراكز الشرطة لتمرير الصفقات والإفراج عن الموقوفين.
لم يعد في بلدي ما يغري بالبقاء؛ فعصابات المخدرات والتلاعب بالدولار تتسيد الأسواق، ومهربو النفط استحالوا بقدرة قادر إلى شيوخ عشائر ووجهاء بفضل عائدات التهريب الضخمة، في حين تحول بعض أدعياء المشيخة إلى مجموعات تبحث عن المنفعة وانشغلوا بفض نزاعات عشائرية عبثية لا أول لها ولا آخر. شبابٌ ضائع يعاني البطالة، ونساءٌ ترتفع بينهن نسب الطلاق والعنوسة دون معيل سوى الله.
إنه بلدٌ يسير في طريق المجهول؛ فالقوى السياسية مرتهنة وعميلة للأجنبي، ودول الجوار تكالبت على تدمير العراق عبر شراء ذمم المرتزقة الذين باعوا شرفهم ودينهم لقاء فتات الموائد. العراق الذي كنا نأمل أن يُبنى بسواعد أبنائه البررة، رأينا الأيدي تعبث فيه وتدمره.
وأمام هذا الواقع المرير، سنبقى نعيش في منافي الغربة، نجتر الحسرة، ونتذكر بدمع العين أننا كنا نملك وطناً عظيماً.. كان اسمُهُ العراق.
جبر شلال الجبوري
