
ضفيرة إلى پير علي
ناظم ختاري
إلى صديقي وجاري وزميلي پير علي پير تعلو… إلى ذلك الصباح الذي كان يبدأ من زقاقٍ ضيّق وينتهي في ساحة مدرسةٍ ابتدائية، وإلى ضحكةٍ كانت تسبق الكلمات القصيرة، إلى… متى… على… من… عن… وإلخ.
كانت ختارة في تلك السنوات تشبه ضفيرةً طويلة، تجدلها نساء المحلة من قصب البردي، وتجدلها الحياة من طين البيوت المتلاصقة، وتجدلها أصوات الناس وهم يخرجون إلى أعمالهم قبل أن يستيقظ الضوء تمامًا. سطوحنا كانت تلامس بيت پير خدر، پير العائلة، وأولاده الذين كانوا يشبهون شبابًا خرجوا من كتابٍ قديم، پير ناصر، پير تعلو، پير سلو، وپير دورويش. وفي وسط هذا التشابك، كنا نحن، أطفالًا نمرّ بين البيوت كما تمرّ نسمةٌ بين أغصانٍ متقاربة.
مام خلف كان يملك مجرشةً في أسفل بيته، تدور فيها البغال كما لو أنها تدور حول قلب القرية نفسه. وعمي شمدين فتح دكانًا صغيرًا، يبيع فيه الشاي والسكر وسكريات الأطفال والمعجنات، ويجلب لنا رائحة الموصل كلما عاد منها محمّلًا بالبضائع. أما نساء محلتنا فكنّ يحصدن البردي ويجدلن منه حبالًا طويلة تسمى "رشى"، حبالًا تشبه شعر فتاة مدللة، تمتد ثلاثين مترًا، على قدر عمق بئر خلف" بيرا خه له فى" الذي كان يبتلع الماء… وأحيانًا يبتلع النساء أيضًا، وكان آخر ضحاياها داي سيفى زوجة المرحوم حجي ميرزو.
ذلك البئر كان فمًا مفتوحًا على حافة القرية، ينهل منه الناس من الفجر حتى آخر الليل، حتى ينضب تمامًا. وكانت محلتنا الأكثر حركة، كأنها قلب القرية النابض، ماشية تُسلَّم للرعاة في "حادور"، أطفال يخرجون إلى المدرسة، نساء يحملن الماء، ورجال يتهيأون ليومٍ جديد.
كنتُ واحدًا من أولئك التلاميذ، أخرج كل صباح، وألتقي پير علي عند بداية الزقاق المؤدي إلى بيتهم. نتسلل عبر زقاق حاجي سامو "كولانا حجى ستامو" إلى المدرسة، كأننا نمرّ عبر بابٍ سرّي لا يعرفه إلا أطفال المحلة.
پير علي كان طالبًا لا يشبه أحدًا، يرفع يده طوال الحصة، يجيب على كل سؤال يوجهه معلم الصف، لا تفوته شاردة ولا واردة. أما أنا، فكنتُ أتعثر في الواجبات، وأحتاج إلى صديقٍ يمدّ لي يدًا. فاتفقنا أن نحل واجباتنا معًا، مرة في باحة منزلهم، ومرة على السطوح المتلاصقة أو باحة منزلنا.
في درس الإملاء، كنت أقرأ له النص وهو يكتب بدقةٍ لا تخطئ. ثم يأتي دوري، فيلقّنني الكلمات واحدةً واحدة. كنت أكتبها ببطء، إلا تلك الكلمات القصيرة التي أحببتها، إلى… متى… على… من… عن… وإلخ. كنت أقول له ضاحكًا، "يا علي، هذه أجمل الكلمات… أكتبها بسرعة وكأنها تركض على الورق." فيضحك من قلبه، ثم يتعمد أن يفرض علي كلمات طويلة، فأتعثر، وننفجر ضحكًا، حتى يمرّ أحد أهلنا ويسأل، "ليش تضحكون؟"
ثم جاءت السنوات التي فرّقت الطرق. التحقتُ بمتوسطة ألقوش،ثم ثانوية سنجار، ثم ثانوية تللسقف، ثم بالجبل نصيرًا، ثم بموسكو طالبًا في معهد العلوم الاجتماعية، ثم عدت إلى العراق أعمل في السياسة، ثم إلى المنفى لاجئًا. أما پير علي، فصار معلّمًا، يزرع الحروف في مدارس القرية التي كثرت بعد ذلك.
في أول عودة علنية لي إلى ختارة عام 2007، التقيت عددا من زملائي، وبينهم پير علي. وجدته كما كان، بشوشًا، ذاكرةٌ تمشي على قدمين، ينظر إلى الماضي كأنه بيتٌ قديم لا يزال يسكنه.
لكن في زيارةٍ أخرى، وجدت أن صديقي فقد القدرة على النطق. لم يخبرني أحد، فوقع الخبر عليّ كحجرٍ في ماءٍ ساكن.
وفي آخر زيارة انتهت قبل أيام ، كنت أقود سيارتي عند مدخل القرية من جهة الشرق، فرأيت رجلاً يقف على حافة الطريق. اقتربت منه… فإذا هو پير علي. صعد إلى السيارة، فرحًا، ثم أشار إلى لسانه وقال، "ئه ڤه نينه… هذا ماكو." ضحكة حزينة خرجت منه، كأنها ضحكة ذلك الطفل الذي كان يرفع يده في الصف بلا توقف.
قلت له، "يا پيري العزيز… تتذكر إلى… متى… على… من… عن… وإلخ"؟ فانطلقت منه ضحكة طويلة، ضحكة تشبه ضفيرةٍ انحلّت ثم عادت لتتشابك من جديد.
هكذا تبقى الصداقة يا علي… كلمة قصيرة، لكنها تمتد في العمر مثل حبلٍ من قصب البردي، لا ينقطع… ولا تنساه اليد التي جدلته.
كولن في 22.10.2026
