للذهاب الى صفحة الكاتب   

الإعلام والحقيقة بين شظايا الصورة ودوافع التأويل

صالح مهدي محمد

 

 

يُعدّ الإعلام نافذةً تطل على الواقع، غير أنه غدا في كثير من تجلياته مرآةً مهشّمة تعيد توزيع الصورة وفق زوايا متفاوتة، وتمنح بعض التفاصيل حضورًا طاغيًا، فيما تدفع تفاصيل أخرى إلى هامش الرؤية. فما يظهر أمام المتلقي أجزاء منتقاة بعناية، تُرتَّب بطريقة توحي بتماسك المشهد واكتماله، بينما تستقر خلفها فجوات وانكسارات تحجب جوانب أساسية من الحقيقة. وفي هذا السياق، تتجاوز الإشكالية حدود الكذب الصريح والمقاصد الكامنة وراءه، لتطال الكيفية التي تُقتطع بها الحقيقة من سياقها، ثم تُقدَّم في صورة مكتملة تستأثر بوعي المتلقي وتوجّه تأويله.

 

الحقيقة، في جوهرها، واقع مركّب يستدعي زمنًا للفهم ومسافةً للتأمل، ويتطلب ربط الوقائع بسياقاتها، ومقاربة التفاصيل ضمن شبكة العلاقات التي تمنحها معناها. غير أن الإعلام، بحكم إيقاعه المتسارع، يميل إلى اختزال هذا التعقيد في عناوين موجزة، وضغط الوقائع في صور خاطفة، وتلخيص التجارب الإنسانية في مقاطع عابرة. ومع كل عملية اختزال، تتوارى طبقة من المعنى، حتى لا يبقى في الواجهة سوى هيكل خفيف، سريع التداول، يسهل استهلاكه ويظل محدود القدرة على استيعاب عمق التجربة الإنسانية وتشابك أبعادها.

 

المرآة المكسورة تعكس أجزاءً من الصورة، وتترك للعلاقات بين تلك الأجزاء مهمةً شاقة في استعادة المشهد. فكل شظية تكشف جانبًا، فيما تظل الصلات التي تربط الجوانب بعضها ببعض رهينةً لما تمنحه زاوية الرؤية من إمكانات. وهنا تتجلى المعضلة الأساسية: قد يتلقى الجمهور الصورة المجزأة بوصفها مشهدًا مكتملًا، فيملأ الفراغات اعتمادًا على خياله، ومخزونه الثقافي، وتجاربه السابقة، أو التصورات التي ترسّخها الرسائل الإعلامية المتكررة. وعند هذه النقطة، ينتقل الإعلام من نقل الوقائع إلى الإسهام في إنتاج المعنى الذي تكتسبه، وفي تحديد الكيفية التي يستقر بها الحدث في الوعي العام.

 

فمن يعيد بناء الحقيقة إذًا؟ تتوزع هذه المهمة بين أطراف متعددة تتداخل مصالحها وتأثيراتها داخل المجال الإعلامي؛ من السلطة والسوق والأيديولوجيا إلى الجمهور نفسه، بما يمارسه من تأويل وانتقاء وإعادة تداول للمحتوى. فالرسالة الإعلامية تُصاغ في بيئة تحكمها اعتبارات سياسية واقتصادية وثقافية، وتؤثر فيها توقعات الجمهور وآليات الاستهلاك ومؤشرات التفاعل. وما يستقطب الانتباه يجد طريقه إلى التكرار، وما يثير التفاعل يحظى بمساحات أوسع من الانتشار، بينما تتراجع القضايا التي تتعارض مع الأطر السائدة أو تربك الروايات المهيمنة. وهكذا، تتقدم الحقيقة المتداولة بوصفها حصيلةً لعمليات الانتقاء والتأطير وإعادة الإنتاج، فتغدو المسافة بين الحدث كما وقع وصورته في المجال العام رهينةً لموازين القوة وطرائق العرض وشروط الانتشار.

 

وفي هذا الإطار، تكتسب اللغة أهمية حاسمة؛ فالكلمات تتجاوز وظيفة وصف الواقع إلى الإسهام في تحديد دلالاته وتوجيه النظر إليه. إن تسمية الحدث ترسم موقعه في الوعي، وتؤثر في الأحكام التي تتكون حوله: أهو أزمة أم واقعة عابرة؟ أهو احتجاج أم فوضى؟ أهو صوت يعبّر عن مطلب أم ضجيج يستدعي التجاهل؟ تحمل كل مفردة زاويةً مخصوصة للنظر، وتفتح أمام المتلقي مسارًا للتفسير، فيما تمنح مفردات أخرى معاني مغايرة للحدث ذاته. ومن ثم، تصبح اللغة أحد المداخل الأساسية التي تُبنى من خلالها الحقيقة المتداولة، إذ تتسلل الأحكام إلى الكلمات، وتتوارى المواقف داخل التعابير التي تبدو مألوفة ومحايدة.

 

ومع تكرار هذه العمليات، تتكوّن ذاكرة جماعية تستند إلى شظايا الصور والعناوين والانطباعات المتراكمة. فما يبقى في الأذهان يرتبط، إلى حد بعيد، بما حظي بالعرض والتكرار والانتشار، بينما تتراجع تفاصيل أخرى تحت ضغط النسيان أو محدودية الحضور. ومع مرور الزمن، تتداخل الوقائع مع طرق تمثيلها، فتغدو الذاكرة التاريخية مزيجًا من صور متفرقة، وعناوين لامعة، وتعليقات سريعة، وتأويلات تتوارثها الأجيال. وعندئذ، يتسع السؤال ليشمل طبيعة الحدث وكيفية عرضه، والجهات التي اختارت زاوية الرؤية، والظروف التي منحت روايةً بعينها قدرةً أكبر على البقاء في الوعي الجمعي.

 

تعمل المرآة المهشّمة، بهذا المعنى، على فرض إطارها البصري، مستندةً إلى قدرتها على الإغراء والإقناع. فهي تمنح المتلقي شعورًا بالاطلاع والإحاطة، بينما توجه انتباهه عبر حدود رسمها اختيار الموضوع، وترتيب التفاصيل، وتحديد مساحة الظهور. ومن هنا تنبع قوة الصورة الإعلامية؛ إذ تستمد جانبًا من تأثيرها من الإحساس بكفايتها، ومن سهولة التعامل معها بوصفها تمثيلًا مباشرًا للواقع. وكلما ازداد هذا الإحساس رسوخًا، تراجعت المسافة النقدية بين المتلقي والمادة المعروضة، وأصبح استكشاف العناصر الغائبة مهمةً تحتاج إلى وعي ومساءلة وبحث يتجاوز حدود المشهد الظاهر.

 

ومع ذلك، تظل استعادة القدرة على الاقتراب من الحقيقة ممكنةً عبر تجديد العلاقة النقدية بالإعلام، والوعي بآليات إنتاج الرسائل وتداولها. ويبدأ ذلك بقراءة الخبر بوصفه صياغةً للوقائع ضمن سياق محدد، وفحص الصورة في ضوء ما تتضمنه وما تتيحه من دلالات، والسؤال عن العناصر الغائبة بقدر الاهتمام بالتفاصيل الحاضرة. كما يتطلب الأمر مقارنة المصادر، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين الواقعة وتفسيرها، وبين المعلومة والرأي، وبين الوصف الذي يقدّم الحدث والتأويل الذي يمنحه معناه. وتمنح هذه الممارسات المتلقي مسافةً نقدية تساعده على رؤية العلاقات بين الشظايا، واستعادة بعض ما تفرّق من دلالات، وفهم الكيفية التي تتكون بها الصورة العامة للواقع.

 

الحقيقة، في نهاية المطاف، تظل موضوعًا مستمرًا للفحص وإعادة الفهم، تتجدد مقاربتها بتجدد الوقائع وتعدد زوايا النظر إليها. وبين من ينتج الرسالة، ومن يعيد صياغتها وعرضها، ومن يتلقاها ويمنحها معنى، تتقاطع مستويات متعددة من التأثير والتأويل، تتفاوت في وضوحها وفي قدرتها على توجيه الوعي العام. ومن هنا، يتجاوز السؤال حدود الجهة التي تصوغ الصورة إلى مساءلة الشروط التي تمنحها سلطة الانتشار والتأثير: من يمتلك القدرة على رؤية الحقيقة خارج الإطار السائد؟ وكيف يستطيع المتلقي استعادة استقلال نظره وسط تدفق الصور وتزاحم الروايات؟ لعل البداية تكمن في إعادة النظر إلى المرآة ذاتها، وتأمل شظاياها، وفهم العلاقات التي تجمعها، حتى تصبح الرؤية أكثر اتساعًا، ويغدو الاقتراب من الحقيقة فعلًا واعيًا يقوم على الفحص والمقارنة والمساءلة، لا على الاكتفاء بما تمنحه الصورة من انطباع أولي.