
الممارسة والدراسة: جدل النظرية والتجربة
صالح مهدي محمد
ثمة فرق بين أن تعرف كيف يحدث الشيء، وأن تعرف كيف تجعله يحدث فعلًا. في الدراسة، تبدو الأمور مرتبة كأن الحياة وُضعت على مقعد دراسي، والتزمت الصمت حتى ينتهي الأستاذ من الشرح. أما في الممارسة، فالحياة لا تستأذن أحدًا، وقد تغيّر السؤال قبل أن نعثر على الإجابة!
خذ مهندسًا درس الأبعاد والمسافات، وأتقن الحسابات، ورسم على الورق دارًا تتوزع غرفها بدقة مدهشة. لكن حين ينتقل إلى الأرض، يكتشف أن الجدار لا يعرف شيئًا عن جمال المعادلات، وأن صاحب الدار يريد غرفة إضافية في مساحة لا تتسع حتى لاعتذار! هنا تظهر قيمة الدراسة في تأسيس المعرفة، وتظهر قيمة الممارسة في اختبارها؛ فالمهندس لا يستطيع بناء دار سليمة بالخبرة العشوائية، ولا يستطيع إسكان عائلة في معادلة رياضية مهما كانت أنيقة.
والأمر لا يقتصر على الهندسة؛ فالطبيب قد يحفظ أسماء الأمراض، لكنه لا يعالج المريض بمجرد استعراض ذاكرته، والمعلم قد يتقن نظريات التعليم، ثم يقف أمام طالب لا يفهم الدرس، فيكتشف أن المنهج لم يتضمن فصلًا بعنوان: «كيف تقنع شخصًا بأن يصغي إليك؟».
المشكلة إذن ليست في الدراسة، فهي أساس المعرفة وبوصلة العمل، وإنما في الاعتقاد بأن الشهادة تمنح صاحبها خبرة جاهزة، كما تمنحه بطاقة تخرج. عندئذ يدخل الخريج سوق العمل واثقًا من معلوماته، فيستقبله إعلان يطلب خبرة خمس سنوات، في وظيفة لا تمنح أصحابها فرصة لاكتساب السنة الأولى! وهكذا يصبح مطلوبًا منه أن يكون خبيرًا قبل أن يبدأ، ومبتدئًا حين يُسأل عن خبرته.
وفي الجهة المقابلة، لا تقل الممارسة غرورًا حين تتصرف وكأن التجربة تغني عن العلم. فقد يعمل المرء عشرين عامًا، لكنه لا يملك بالضرورة عشرين عامًا من الخبرة؛ ربما كرر سنة واحدة عشرين مرة، وأطلق على التكرار اسم الاحتراف!
الحقيقة أن الدراسة والممارسة ليستا خصمين في مباراة، ولا تكفي إحداهما لإعلان فوز الأخرى. الدراسة تمنحنا الأساس، والممارسة تكشف ما ينقصه، والخبرة تصلح أخطاءنا، والتعلم المستمر يمنعنا من تحويل أخطائنا القديمة إلى تقاليد مهنية.
المطلوب أن نُخرج الدراسة من أسر الكتب إلى ميدان التجربة، وأن نمنح الممارسة عقلًا يستند إلى المعرفة، وأن نتابع ذلك بجدية وصدق. كما ينبغي أن ندرك أن الاحتفاء بالشهادة ليس نهاية الطريق، بل إن التخرج هو بداية الامتحان الحقيقي؛ امتحان لا يحدد موعده أستاذ، ولا تُوزَّع أسئلته على الطلبة مسبقًا، بل تفرضه الحياة بما تحمله من تحديات، وتكشف الإجابات عنه قدرة الإنسان على تحويل ما تعلّمه إلى فعل، وما اكتسبه من معرفة إلى أثر ملموس.
ولعل المفارقة أن بعضنا يقضي سنوات يتعلم كيف يبني طريقًا، ثم يعجز عن عبور المسافة بين ما تعلّمه وما يستطيع فعله. فهل المشكلة في بُعد المسافة بين الدراسة والممارسة، أم في أننا لم نتعلم بعد كيف نجعلهما يلتقيان؟
