
وأخيرا أتى المطر...
نوال عايد الفاعوري
غضبت الغيمات، فهطل المطر. غضب جاء ليطفئ غضبا آخر.
في الأيام الأخيرة، كانت في داخلي عواصف وأعاصير، وغيمات داكنة لا تعرف كيف تهدأ. هذا المساء، وأنا أترك نفسي للمطر وأسير بلا هدى، كنت أشعر بزخاته تمتص غضبي ونقمتي، وتعيد إلي الكثير من يقيني وتوازني.
في النهاية، لا بد أن يأتي المطر بخصبه وأحلامه وحصاده المؤجل، ليطفئ مواسم القهر والغضب.
وللمطر في هذا الوقت من العام حكاية مختلفة. إنه مطر يأتي بعد القيظ، بشوق الغائبين ولهفة العائدين إلى اللقاء من جديد. ينهمر دون مقدمات، من غيمات رمادية لم يكتمل عتمها بعد، وتكون زخاته ثقيلة ومندفعة، كأنها تسابق الريح لتعانق التراب.
هنا، بعد الصيف، تختلف رائحة التراب. آه، ما أطيب تلك الرائحة التي تفوح من الأرض السوداء مع أولى زخات المطر! إنها تشبه رائحة الحب، رائحة الحياة. وحين تتسلل إلى أنفك، تشعر بخدر يسري في حواسك. إحساس لا تفي الكلمات بوصفه، لكنه يترك في داخلك أثرا لا يفارقك مدى الحياة.
كم أحببت تلك الرائحة، وكم أستعيدها في ذاكرتي! وكلما عادت إلي، عاودتني تلك الرغبة الطفولية في تذوق التراب. لم أنس يوما رائحته، ولا طعمه بعد هطول المطر.
أجلس على الشرفة وأراقب المطر، حتى إن صوت الرعد المزمجر لم يعد يخيفني. وفي ذهني تعبر كلمات عدنان الصائغ:
"أيها المطر.. يا صديقي المغفل حذار من التسكع على أرصفة المدن المعلبة ستتبدد مثلي.. لا محالة.. قطرة، قطرة وتجف على الإسفلت لا أحد يتذكرك هنا وحدها الحقول البعيدة.. ستبكي عليك."
الشتاء والوحدة مرتبطان جداً لأن الوحيد يدرك أن المطر يثرثر، هو يريد سماع أي صوت في عزلته ليرد عليه
الوحدة ليست بمصطلحها الجاف، ليست أن تجلس وأن يظهر بجانبك كرسي فارغ .
أحيانا تكون بين أعز أصدقائك ووحيد .
تجلس في قاعة ممتلئة حتى آخرها ووحيد .
تحتسي الشاي الدافئ بين أهلك ووحيد .
الشتاء يجعلك تشعر بالوحدة لأنه يريد منك أن تصغي إلى نفسك أكثر، وأن تعترف بما تخفيه، وأن تكف عن المراوغة.
يريدك أن تكون أكثر صدقا مع نفسك، وأن تعبر من الفراغ إلى الامتلاء. وربما كانت الوحدة في الشتاء ألفة من نوع آخر، ألفة لا تجدها إلا حين تجلس مع نفسك وجها لوجه.
والشتاء والذكريات مرتبطان كثيرا أيضا. فالغرف المهجورة لا نعود إليها إلا حين يتسرب الماء إليها، وحين يشتد المطر نضطر إلى فتح الغرف المغلقة وتفقد ما تركناه فيها. يعز على الإنسان أن تتبلل أوراقه القديمة، حتى إن لم تعد تعنيه كثيرا، وكأن المطر يعرف كيف يفتح الصناديق الموصدة، بخفة ومهارة، ويوقظ ما ظنناه نائما إلى الأبد.
في داخل كل منا صندوق مغلق، وفي كل مرة يهطل فيها المطر، يقدم لنا مفتاحا ويدعونا إلى فتحه. وما علينا إلا أن نعود إلى الوراء قليلا، بالقدر الذي يسمح لنا بأن نتأمل ما مضى، ونفهم ما تركه فينا، ونعيد ترتيب علاقتنا بذكريات لم تنته تماما.
ينظر إلي المطر من خلف النافذة، وأنا أبكي.
يقول مازحا:
لماذا تقلدينني؟
لماذا تنهمرين؟
نوال عايد الفاعوري
