للذهاب الى صفحة الكاتب   

الآشوريون في التاريخ- الحلقة 44

الحضارة الآشورية

يعكوب أبونا

 

المقدمة في الحضارة الآشورية:

فهي إحدى الحضارات العظيمة لبلاد ما بين النهرين، وهي امتداد لحضارات سومر وأكد وبابل. نشأت في شمال بلاد ما بين النهرين، وارتبط تاريخها بمدينة آشور الواقعة على نهر دجلة، بالقرب من مدينة الشرقاط الحالية في محافظة صلاح الدين .

وقد تطورت آشور من مركز حضري وتجاري إلى مملكة إقليمية، ثم أصبحت في الألف الأول قبل الميلاد مركزًا لإمبراطورية واسعة امتد نفوذها إلى مناطق كبيرة من الشرق الأدنى القديم .

 

كان آشوربانيبال يقول بفخر واعتزاز: «أنا آشوربانيبال، لقد حصلت على حكمة نابو (نابو هو إله العلم والكتابة) وكل فنون الكتابة، واستوعبت معارف كل الحرفيين بكل تعدادهم... وكما حصلت على كل الأسرار المخبأة لفن الكتابة...» —

عن ماتفييف واسازونوف، حضارة ما بين النهرين، ص. 17.

 

إلى جانب كل ذلك، كان ذواقًا للموسيقى، وملمًّا بالعلوم والآداب والفنون، وكان دبلوماسيًا ماهرًا ومشهورًا. وقد زادت شهرته عندما اهتم بشكل جدي وكبير بجمع الكتب وتشكيل مكتبته المشهورة .

فمن إحدى رسائله التي يوردها لنا عالم الآثار الأمريكي (إ. كييرا)، خطابه الذي جاء في :

خطاب الملك إلى شادونو: " أنا بخير، فلتكن سعيدًا. عندما تتسلم رسالتي هذه، خذ هؤلاء الرجال الثلاثة (للعلم، كييرا لم يذكر أسماءهم).

ولكن أسماء الرجال الثلاثة هي: كما جاء برسالة تتعلق بالألواح مدينة بورسيبا بأمر الملك آشوربانيبال، المصدر أرشيف النصوص الآشورية:.

(Šumaya) 1. شمايا  ابن شُما أوكين  (Šuma-ukin).

2 بِل إيتيرأخو أبلايا (Bel-eṭir)،

  3.أبلايا ابن أركات ايلاني (Aplaya) (Arkat-ili).

والعلماء من مدينة بارسيبا، وتفقّد جميع الألواح الموجودة لديهم، وكذلك تلك التي تُحفظ في معبد إيزيد. ابحث عن الألواح الثمينة الموجودة في أرشيفاتكم، والتي لا يوجد منها في مدينة آشور، وأرسلها لي.

فلقد كتبت لجميع الموظفين والحَفَظة، ولا أحد يحجب عنك أية لوحة أو مجموعة الألواح التي كتبت لك عنها. وكل لوحة تعتبرها هامة للقصر، ابحث عنها وخذها وأرسلها لي".

فجمع الآلاف من هذه الألواح، وجُلبت إلى نينوى، العاصمة الآشورية. ولاستيعاب هذه الألواح الفخارية، أُسست مكتبة خاصة ضمّت عشرات الآلاف من الألواح الفخارية (الكتب الفخارية).

ويُقال إنها بلغت أكثر من (30) ألف لوح فخاري، ونُقلت بالكامل إلى متحف لندن .

ولم تكن أهمية المكتبة لاحتوائها على ما كُتب في شؤون شتى في زمنه فحسب، بل إن ما زاد من أهميتها هو جمع المؤلفات المكتشفة ونسخها، والعمل على ترجمة تلك الكتب إلى اللغة الآشورية

فحوّلت القصور الملكية إلى مراكز ثقافية متقدمة. وكانت مكتبة آشوربانيبال، التي أقامها في نينوى، من أضخم المكتبات، وتميّزت عن غيرها بأهميتها، إذ وُجد في محفوظاتها كتب مسمارية بلغتين معًا .

وهذا ما ساعد على فك رموز الكتابة المسمارية، وفهم اللغتين السومرية والأكدية. وكان ذلك من الأسباب القوية التي أدت إلى إحياء اللغة السومرية خاصة، والتي كانت ميتة منذ مئات السنين.

 

ومن الجدير بالذكر أن آشوربانيبال كان قد حذّر من مغبّة تجاوز الآخرين وجرأتهم على أخذ هذه الألواح، إذ ورد في بعض السطور المسمارية على لوح فخاري ما يلي:

إن كل من يجرؤ على أخذ هذه الألواح، فليلعنه آشور وبيلليت، أما اسمه وسلالته، فليطوِهما النسيان في هذا البلد".

إلا أن هذا التحذير والتهديد لم يُرهبا الباحثين الذين سعوا إلى فك رموز الكتابة المسمارية، والتوصل إلى معرفة ما تخفيه هذه الألواح. فكان الباحثون أمثال وتيكس وميونتز وغروتفيند وراولنسون وغيرهم من هؤلاء العلماء والمنقبين، توصلوا إلى خدمة البشرية ومدّها بنهر من المعرفة بحضارة وادي الرافدين. وإذا بنا جميعًا مدينون لهم بما بذلوه من جهد في فك رموز الكتابة المسمارية والتعرّف إلى أقدم الحضارات في العالم، رغم صعوبة هذه اللغة حتى على معاصريها.

 

كانت مكتبة آشوربانيبال الآشورية تحتوي على عشرات الآلاف من الكتب الفخارية. وقد تناولت هذه الرُّقُم الطينية مواضيع شتى، وبحثت في أمور مختلفة، منها الأمور الدينية والآداب والفنون والأساطير وغيرها من الأمور الحياتية وشؤون الدولة..

وتتجلّى أهمية هذه الكتب في أنها انكبّ المترجمون الآشوريون على ترجمة النصوص السومرية إلى اللغة الآشورية المحكية. فحفظت المكتبة الكتب المسمارية بلغتين معًا، السومرية، واللغة الآشورية التي تُرجمت إليها.

 

يفتخر آشوربانيبال بما قام به من ترجمة الكتب ونسخها، فيقول

"المختار من فن كتابة الرُّقُم التي لم يملكها أحد من الملوك أسلافي، وحكمة نابو (نابو هو إله الكتاب والكتابة والحكمة)، والأسافين المضغوطة على اختلافاتها، كتبتها على ألواح ورتبتها وراجعتها، ثم وضعتها وسط قصري لرؤيتها وقراءتها".

هذا ما ساعد وسهّل التوصل إلى فك رموز الكتابة المسمارية. ولولا هذا العمل العظيم الذي قام به آشوربانيبال، والمتمثل في ترجمة اللغة السومرية إلى اللغة الآشورية، لما استطاع علماء الآثار والمنقّبون والمختصون بدراسة التاريخ، خاصة، إلى معرفة ما كانت عليه حضارة أبناء بلاد ما بين النهرين ..

ولكانت المعرفة البشرية قد حُرمت من الوصول إلى معرفة تاريخ آلاف السنين من الحضارة الإنسانية في بلاد الرافدين. فلولا الكتابة التي اختُرعت في حدود 3500–3200 قبل الميلاد، لما توصلنا إلى معرفة تلك الأقوام، ولا تاريخهم، ولا علمهم ولاحضارتهم..

 

يذهب الخبير الأثري (واتلين)، الذي شارك في حفريات كيش، في كتابه حفريات كيش، الجزء الرابع، الصادر عام 1934، ص. 1، إلى القول:

إن أقدم أثر لاستيطان الإنسان السامي القديم لتربة كيش السامية يتمثل بأدوات من حجر (المايكروليتيك)، التي وُجدت لأول مرة في المكان. وهذه الصناعة انفردت بها المنطقة الشمالية من العراق، ولم يُعثر على أثر لها في الجنوب، مثل منطقة أور السومرية. وإن وجود هذه الأدوات في كيش يمثل الصلة بمراحل نزوح سكان صحراء بادية الشام في عصور ما قبل التاريخ من الشمال إلى الجنوب، إثر جدب المنطقة، وتمثل كيش بالنسبة للنازحين أقصى منطقة في الجنوب في تلك الأزمان".

 

كانت المجموعات التي جِيء بها بأمر آشوربانيبال إلى نينوى من حاران في الشمال، وبابل ونيبور وأور وبورسيبا في الجنوب. وهي تغطي قرونًا طويلة من مسيرة الإنسان الرافديني ..

 

يذكر ليو أوبنهايم، في الصفحة 29 من كتابه بلاد الرافدين، أن معظم تلك النصوص التراثية كانت قد جُمعت ونُسخت بترتيب تقليدي وفق مضمونها منذ زمن بعيد. لقد بدأ تنظيمها، ولا شك، في الربع الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، وخاصة النصوص المعجمية والموسوعية. وكان آخر من قام بذلك آشوربانيبال، عندما جمعها ونسخها الواحد بعد الآخر، وتم استخدامها دون المساس بها حتى وصلت إلينا، حيث صُنفت وفق مضمونها، ووُضعت لها العناوين والأرقام .". ..

كانت تمثل أعظم مكتبة نموذجية تحتوي على معظم التراث الأدبي لبلاد الرافدين، وبضمنه تراث البلاد المجاورة لبلاد الرافدين. وكانت هناك مدارس منتشرة في أرجاء بلاد الرافدين، تُعلّم وتُلقّن اللغة السومرية والأكدية للكتبة المتمرنين على كتابة ذلك الإرث الأدبي أو نقله إلى اللغة الآشورية.

 

  بافتخار بما قام به اشوربانيبال  يقول :

" أنا آشوربانيبال، لقد حصلت على حكمة نابو وكل فنون الكتابة، واستوعبت معارف كل الحرفيين بكل تعدادهم... وكما حصلت على كل الأسرار المخبأة لفن الكتابة

...ولما حظي به من التربية من كافة الجوانب التربوية والتدريبات العسكرية،"..

 

ويذكر جورج رو في كتابه العراق القديم، ص. 455، ما يلي

امتلكت فن سيدي أدابا: كنز المعرفة الكتابية المكنون بأكمله، علامات الأرض والسماء... ودرست السماوات مع أساتذة زيت التقديس الجهابذة. وأوجدت حلولًا لأسئلة طويلة معقدة في القسمة والضرب، وقرأت الخط الفني السومري واللغة الأكدية الغامضة التي يصعب تعلمها، مستمتعًا بمطالعة أحجار ما قبل الطوفان...

كانت هذه هي نشاطاتي كل يوم: أمتطي فرسي وأسير مرحًا، ثم أقصد مقصورة الصيد، وأحمل القوس، وأجعل السهم يطير رمزًا لشجاعتي. وأقذف الرماح الثقيلة كما لو كانت مصنوعة من الخشب، وأمسك باللجام كقائد عربة، فأجعل العجلات تدور.

وتعلمت معالجة دروع (الأريتو) و(الكابابو) كأقواس بكامل عدتها، وفي الوقت نفسه تعلمت قواعد السلوك الملكي و(إتيكيت) السير بخطوات الملوك. ووقفت أمام الملك مولاي، وأصدرت أوامري للنبلاء، فبدون موافقتي ما كان ليُعيَّن أي حاكم، ولا كان ليوظَّف أي مدير في وقت غيابي.

 

لعبت الكتابة المسمارية دورًا مهمًا في التاريخ المعرفي للحضارة الإنسانية، التي استمدت أصولها وجذورها من منبع المعرفة، أرض الرافدين. أما تسميتها بالمسمارية، فترجع إلى العالم الإنجليزي البروفيسور في جامعة أكسفورد، (ت. هايد)، عام 1700 ميلادية، كما ذكرنا آنفًا.

كانت الكتابة المسمارية تُكتب بواسطة القصب، وبعد اكتشاف المعادن، أُخذت الكتابة بواسطة مسامير معدنية. إن الأحرف المسمارية تبدو سميكة من الأعلى ورفيعة من الأسفل. وكانت بدايات ظهور الكتابة تُكتب من الأعلى إلى الأسفل، ومن اليمين إلى اليسار. إلا أن مظاهر الكتابة اللاحقة للفترة السومرية قد تكون رافقت تاريخ ما بعد سقوط الدولة السومرية على يد القبائل العمورية وقيام الدولة البابلية، فنجد بداية التحول التدريجي في كتابة اللغة، إذ أخذت الكتابة تنتقل من اليسار إلى اليمين وبشكل أفقي..

فنشأت الكتابة أولًا في بلاد الرافدين، ومنها انتقلت إلى مصر غربًا، وسُمّيت لديهم بالكتابة الهيروغليفية، ومعناها «النقش المقدس». ونشأ عنها، كما يُقال، الخط الهيراطيقي والخط الديموطيقي..

وكذلك وصلت إلى بلاد السند شرقًا، واقتبسها الفينيقيون في اختراعهم لأبجديتهم، فوجدوا صعوبة في استعمالها في المعاملات التجارية التي كانوا فيها سادة. فاختزلوا واختصروا المئات من الأشكال والمقاطع المستعملة في الكتابة المسمارية إلى عدد من الحروف لتعويض مجموعة تلك الأشكال، فسُمّيت بالحروف الهجائية، التي سادت منطقة أوغاريت وجبيل على الساحل السوري، وكان لها تأثيرها..

بل يذهب البعض إلى القول إنها اللغة التي أخذها الإغريق، وانتشرت في المحيط الغربي للبحر الأبيض المتوسط. فيمكن القول إن اختراع الكتابة في وادي الرافدين كان له التأثير البالغ في ظهور الكتابة ونشأتها في أرجاء العالم أجمع ..

 

كان مستوطنو بلاد الرافدين السبّاقين في اختراع الكتابة، وقد يُعزى ذلك إلى أنهم، وكما هو معروف في حركة التاريخ، لم يكونوا بحاجة إلى شق الأنهار والقنوات لإرواء أراضيهم الزراعية، لأن نهري دجلة والفرات قد أمّنا لمستوطني هذه الأراضي كل الاحتياجات اللازمة لريّها.

وفي العصور اللاحقة، تطورت الكتابة لتأخذ مقاطع خطية في التعبير عن الفكرة المراد الكتابة عنها، فسُمّيت بالكتابة المقطعية أو الرمزية. وكانت أهم مراكز تعليم اللغة هي المعابد، التي كانت تُسمّى بالسومرية (E. DUB)، أي بيت الألواح. وكان الكاتب يُسمّى بالسومرية (DUB.SAR).

 

كان لاهتمام العلماء اللغويين في الجامعات الأوروبية بالكتابة والنقوش، التي استطاع المنقبون والآثاريون الأوروبيون إيصالها إلى أوروبا، أثرٌ كبير في دراسة هذه الكتابات. فما كان من هؤلاء إلا أن انكبّوا على دراستها ومحاولة فك رموزها ..

ومن أهم العلماء الذين انكبّوا على فك رموز الكتابة المسمارية كان (غروتفيند)، أستاذ الإغريقيات في جامعة غوتينغن، الذي حاول فك رموز الكتابة المسمارية التي كُتبت بها الفارسية القديمة، والتي كان قد قام نيبور بنقلها من مدينة بيرسيبوليس (سوسا)  ..

كما كانت للجهود الكبيرة التي بذلها العالم راولنسون بين عامي 1835 و1844م أهمية كبيرة، إذ استطاع أن ينقل كتابات صخرة بيستون الأخمينية في إيران، التي كانت عبارة عن تذكارات نقشها داريوس في أعلى صخرة بثلاث لغات، هي الفارسية القديمة والبابلية والعيلامية، فتمكن راولنسون من ترجمتها. فأصبح ذلك مفتاحًا لقراءة بقية النصوص المكتوبة بالخط المسماري.

ولا يفوتنا أن نذكر الهولندي إدوارد هينكس وجوليوس أوبير، اللذين شكّلا مع راولنسون الثلاثي الذي أُطلق عليه اسم «الثلاثي المقدس»، لأنهم بجهودهم استطاعوا التغلب على أعظم المعضلات الكتابية واللغوية في التاريخ القديم، إذ استطاعوا أن يفتحوا الصفحات الصغيرة من الألواح الفخارية، أو ما يُسمّى «الكتب الطينية ".

ولولا هذه الألواح، لبقيت معرفتنا ببلاد الرافدين والبلدان الأخرى مجرد معرفة سطحية. ولكانت التأويلات والتصورات في تفسير ما تبقى من ركام المدن وبقايا الكنوز في قصور تلك المدن ومعابدها، والأعمال الفنية الظاهرة على جدران تلك القصور، هي المصدر الوحيد للمعرفة ..

 

إلا أن هذه الألواح الطينية المكتوبة قد أزاحت العبء عن كاهل العلماء والباحثين، إذ قدمت لهم أدلة مكتوبة لا يمكن دحضها، تثبت الوقائع تاريخيًا، وهذا هو التوثيق بعينه الذي اعتمدوه في بلاد ما بين النهرين.

وقد أطلق علماء الآشوريات على الكتابة المسمارية الأولى التي اكتُشفت اسم اللغة الآشورية، وبعد فترة من الزمن، صار واضحًا أن هناك لهجات آشورية وبابلية ومارية وإبلائية وغيرها. لذلك ظل اسم الآشوريات يعني ذلك العلم الذي يهتم بالتاريخ المستمد من الكتابات المسمارية والشواهد الأثرية. — مقدمة في علم الأكاديات، ص. 11، الدكتور فيصل عبد الله.

وعندما تم التوصل إلى فك رموز اللغة الآشورية عام 1802، ومن بعدها اللغة البابلية، ذهب البعض إلى القول إنهما لهجتان من الأكدية، التي هي أقدم منهما .

ونتيجة الحفريات والتنقيبات الأثرية، امتلأت خزائن مراكز البحوث بالألواح المسمارية، التي كشفت عن أقدم الحضارات الإنسانية، وعن أقدم التيارات الفكرية المشفوعة بمبادئ العلوم الإنسانية والدينية والفلسفية ..

كل ذلك كان بسبب تمكنهم من اختراع الكتابة التي استطاعوا بواسطتها تدوين تلك العلوم، مما مكّن الفكر الإنساني المعاصر من التوصل إلى قراءة فكر الإنسان الرافدي ومعرفته في الحقب التاريخية الماضية، وما تركوه لنا من إرث حضاري ..

 

تميزت الحضارة الآشورية بمجموعة من الإنجازات، وسنأتي إلى أبرزها في الحلقات القادمة ..

يعكوب ابونا ............27 / 10 / 2026