
لا يزال يقرأ كثيرا
صالح مهدي محمد
في الخامسة والستين، ما زال يرى في الكتب أبوابا لم تُفتح، وأسئلة لم تفقد دهشتها، وعوالم تتسع كلما ظن أنه اقترب من حدودها. أحمله في ذاكرتي دائما متأبطا كتابا، كأن بينهما موعدا لا يسمح له بالتخلف عنه. أراه مرة في زاوية من مقهى اعتاد ارتياده، ومرة تحت أشجار حديقة ألفها، غارقا في الصفحات، لا يكاد يرفع عينيه إلا حين يستوقفه خاطر أو يلمحه وجه يعرفه. وحين يتحدث، تتدفق من ذاكرته حكايات ومعلومات وصلات بعيدة بين الأفكار، فيخيّل إلى جليسه أنه أمام مكتبة وجدت أخيرا من يفتح أبوابها.
لم تكن عادته في القراءة هي ما يثير انتباهي فحسب، بل ذلك الهدوء الذي يحيط بها، كأن الرجل عقد هدنة خاصة مع الزمن، وترك للعالم أن يستعجل كما يشاء. وفي آخر لقاء جمعني به، قررت أن أسأله عما ظل يحيرني طويلا. راقبته من بعيد؛ كان مندمجا في كتابه إلى حد أن ضجيج المكان بدا كأنه يحدث في مكان آخر. انتظرت حتى أغلقه، ثم اقتربت.
قلت له:
ـ أراك تقرأ باستمرار. ألا تشعر بأنك بلغت من المعرفة ما يكفيك؟
ابتسم، ووضع كفه على غلاف الكتاب، كأنه يتحقق من وجود شيء عزيز، ثم قال:
ـ وهل يكفي الإنسان من العالم لأنه عرف شارعا أو مدينة؟ كلما قرأت كتابا اكتشفت أن وراء ما عرفته أشياء لم تخطر لي على بال. المشكلة ليست في قلة الكتب، بل في الوهم الذي يجعل المرء يظن أن ما يعرفه هو كل ما يستحق المعرفة.
قلت:
ـ لكن العمر يمضي، والجسد يتعب، والعين تضعف. كيف تحافظ على هذه اللهفة؟
قال:
ـ لأنني لا أتعامل مع القراءة بوصفها واجبا ينبغي إنجازه. أنا أذهب إليها كما يذهب المرء إلى مكان يحبه. لو كنت أعد الصفحات لمللت منذ زمن، لكنني كلما انتهيت من كتاب وجدت نفسي أمام سؤال جديد، والسؤال الجيد لا يمنحك الراحة دائما؛ أحيانا يسلبك يقينك، وهذا ما يجعله جديرا بأن يُطرح.
ضحكت وقلت:
ـ يبدو أنك لا تنوي التقاعد من القراءة.
أجاب:
ـ أخشى أن أتقاعد من التفكير قبل أن أتقاعد من أي شيء آخر.
كانت إجابته غير متوقعة، فتركتها تمر لحظة، ثم سألته:
ـ وماذا يبقى لك من كل هذه الكتب؟ لا بد أنك نسيت كثيرا مما قرأت.
قال:
ـ أنسى أسماء، وتواريخ، وتفاصيل، وهذا طبيعي. لكن بعض الكتب تترك فيك شيئا لا تستطيع استعادته على هيئة معلومة، لأن أثره يظهر في طريقة حكمك على الأشياء. قد تنسى عبارة قرأتها، لكنك تتذكر، بعد سنوات، أنك أصبحت أقل اندفاعا في إدانة إنسان، أو أكثر قدرة على فهم موقف لم تكن تراه إلا من زاوية واحدة. ليس المطلوب أن تتحول الذاكرة إلى مستودع، بل أن يصبح العقل أقدر على التمييز.
قلت:
ـ ومع ذلك، نرى من يكثرون القراءة ثم يخرجون منها أشد غرورا، كأن الكتب منحتهم حق الوصاية على عقول الآخرين.
تغيرت ابتسامته قليلا، وقال:
ـ لأنهم لا يدخلون إلى الكتب جميعا بالنية نفسها. بعضهم يقرأ ليجد ما يؤكد أنه على صواب، وبعضهم يقرأ ليكتشف أين يمكن أن يكون مخطئا. الأول يبحث عن أدلة ينتصر بها في النقاش، والثاني يبحث عن نافذة يرى منها ما لم يكن يراه. وقد يتحول الكتاب، في يد الأول، إلى سلاح؛ بينما يصبح في يد الثاني مرآة لا تجامله.
ثم أضاف، وهو ينظر إلى الكتاب الموضوع بين يديه:
ـ أخطر ما قد يصيب القارئ أن يخرج من كل كتاب مقتنعا بنفسه أكثر، من دون أن يتغير فيه شيء.
تأملت عبارته، ثم قلت:
ـ وكيف تغيرت أنت؟ هل كنت تقرأ بالطريقة نفسها في شبابك؟
صمت قليلا، وأعاد ترتيب الكتاب على ركبتيه، قبل أن يجيب:
ـ في البداية كنت أريد أن أعرف أكبر قدر ممكن. ثم صرت أبحث عن المعنى وراء ما أعرفه. أما الآن، فأقرأ وأنا أكثر انتباها إلى ما لا أعرفه. في شبابي كنت أفرح حين أجد إجابة، واليوم أفرح أحيانا حين أكتشف أن السؤال الذي ظننته بسيطا أعقد بكثير مما تصورت.
قلت:
ـ أليس في ذلك شيء من الإحباط؟ أن تقضي سنوات طويلة في القراءة، ثم تكتشف أن المسافة بينك وبين المعرفة ما زالت بعيدة؟
هز رأسه نافيا.
ـ الإحباط أن تظن أنك وصلت، ثم تكتشف متأخرا أنك لم تتحرك. أما أن تعرف أن الطريق أطول، فذلك يمنحك سببا لتواصل السير. لا أريد أن أبلغ مرحلة أرى فيها أنني لم أعد بحاجة إلى كتاب؛ لأن ذلك يعني أنني لم أعد أرى في العالم ما يستحق السؤال.
سكتُّ قليلا، ثم سألته:
ـ وماذا تقول لشاب يؤجل القراءة إلى أن تستقر حياته، ويجد الوقت المناسب؟
ضحك وقال:
ـ سأقول له إن الحياة لن ترسل إليه دعوة رسمية تعلن فيها بدء وقت الفراغ. المشاغل تتكاثر، وما ينتظره اليوم سيجد له شبيها غدا. فليبدأ بصفحات قليلة، وليختر كتابا يوقظ فضوله، لا كتابا يشتريه كي يبدو مثقفا. المهم أن يبدأ، وأن يمنح نفسه فرصة اكتشاف ما لم يكن يعرف أنه يجهله.
ثم سألته عن الكتاب الذي يقرؤه في تلك الأيام. ذكر عنوانه، وأخذ يحدثني عن فكرة فيه أعادته إلى كتاب قديم، وعن مسألة قادته إلى اسم لم ينتبه إليه من قبل. كان يتحدث بحماسة هادئة، لا حماسة من يريد استعراض محفوظاته، بل من عثر مصادفة على باب جديد في بيت ظن أنه يعرف غرفه.
قلت مازحا:
ـ أخشى أنك ستظل تقرأ حتى آخر يوم في عمرك.
أغلق الكتاب برفق، ورفع عينيه إليّ.
ـ أتمنى ذلك. لا أريد أن يأتي يوم أقول فيه إنني انتهيت من المعرفة. أريد أن أبقى قادرا على الدهشة، وأن أجد، حتى في آخر الطريق، شيئا يجعلني أتوقف وأسأل: كيف لم أنتبه إلى هذا من قبل؟
افترقنا، لكن حديثه ظل يرافقني. لم يكن الرجل يتباهى بما قرأ، ولا يتخذ من معرفته منصة يعلو بها على الآخرين؛ كان يترك لأفكاره أن تتسع، ولأسئلته أن تبقى مفتوحة. أدركت أن ما يميزه لم يكن عدد الكتب التي عبرها، بل أنه لم يسمح لما قرأه أن يتحول إلى جدار يفصله عن العالم.
ومنذ ذلك اللقاء، كلما رأيت شخصا يتأبط كتابا في مقهى أو حديقة، تساءلت عما قد يحدث خلف تلك الصفحات: أهي معلومة ستضاف إلى ذاكرته، أم فكرة ستبدل موقفا، أم حقيقة ستدفعه إلى مراجعة شيء ظل يؤمن به سنوات؟
أما صاحبي، فما زال يقرأ كثيرا. لم يتخذ من عمره حجة للتوقف، ولا من حصيلته الثقافية شهادة تمنحه حق إصدار الأحكام. وما زال يفضل أن يمنح جليسه سؤالا يفتح أمامه طريقا، بدلا من إجابة تغلقه.
ولعل سر علاقته بالكتب أنه فهم، بعد كل تلك السنوات، أن المعرفة لا تجعل الإنسان أكبر من الآخرين، بل تجعله أكثر وعيا بمحدودية نظرته. فكلما اتسعت رؤيته، تراجعت ثقته بالأحكام السريعة، وصار أكثر استعدادا للإصغاء والتعلم.
في الخامسة والستين، لم يكن يخشى أن يموت قبل أن يقرأ كل الكتب؛ كان يخشى أن يأتيه يوم يعتقد فيه أنه قرأ ما يكفي. فالأول قدر لا مفر منه، أما الثاني فموت يستطيع الإنسان أن يبدأه وهو ما يزال على قيد الحياة.
