من خنادق 1914 إلى مسيّرات أوكرانيا.. تاريخٌ يتكرر بصيغة عصرية

ئاريان كركوكي

 

من أوهام الحسم الخاطف إلى حرب الاستنزاف المفتوحة

عندما اندلعت شرارة الحرب الروسية الأوكرانية في الـ 24 من شباط (فبراير) لعام 2022، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعتقد أن كييف ستسقط في غضون أيام معدودة، مستنداً إلى حسابات هجومية سريعة تشبه "الحرب الخاطفة". غير أن الواقع الميداني جاء مخيباً لتلك التوقعات؛ فقد تحول الصراع -وفقاً لتقارير الصحف الأوروبية والأوكرانية والروسية- إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. واليوم، ومع مرور أكثر من أربع سنوات وثمانية أشهر على انطلاق المعارك، تكون حرب أوكرانيا قد تجاوزت رسمياً المدة الزمنية للحرب العالمية الأولى (التي استمرت قرابة أربعة أعوام وثلاثة أشهر بين 1914 و1918)، حطّمة بذلك أرقامها القياسية. ومع وصول القتال إلى مرحلة بالغة التعقيد تتداخل فيها ضربات المسيّرات بعيدة المدى مع ضغوط عقوبات الطاقة وتباطؤ مسارات الدبلوماسية الرسمية، يجد الطرفان والقوى الدولية أنفسهم أمام صراع مفتوح يُعيد إنتاج دروس التاريخ بأسلوب عصري قاسيوهم الحسم السريع: تشابه البدايات الخاطفة

 

وهم الحسم السريع: تشابه البدايات الخاطفة

يظهر أول وجه تشابه بين الحربين في قراءة خطط البداية؛ ففي عام 1914، شنت ألمانيا هجوماً خاطفاً نحو باريس على أمل تحقيق نصر حاسم، وهو سيناريو يشبه إلى حدٍّ كبير تقدم القوات الروسية نحو كييف في الأيام الأولى للحرب. وفي كلتا الحالتين، اقتربت القوات المهاجمة من أهدافها الرئيسية، لكنها عجزت عن تحقيق نصر ينهي المعركة، واضطرت للتراجع والدخول في مواجهة استنزافية طويلة.

 

ثورة الابتكار العسكري وتأثير التكنولوجيا على ميزان القوى

تماماً كما ظهرت الدبابات كابتكار عسكري جديد كسر جمود جبهات القتال في الحرب العالمية الأولى، تبرز اليوم الطائرات بدون طيار (المسيّرات) لتلعب ذات الدور المحوري، حيث أحدثت تحولات ميدانية غير مسبوقة بعدما أصبحت التحركات البرية الكبرى مكلفة ومحدودة للغاية بسبب الانكشاف التام للميدان عبر المسح الجوي والفضائي الحي. وقد تحول التركيز إلى ضربات المسيّرات الانتحارية ومسيّرات الرؤية الشخصية (FPV) بعيدة المدى لتدمير شبكات الإمداد والمدرعات، مما فرض الاعتماد على أجهزة التشويش الإلكتروني والشباك الحديدية كجزء أساسي من تجهيز الخنادق والمركبات. أدى هذا التحول إلى كسر الفارق الاقتصادي التقليدي بعدما تمكنت مسيّرات زهيدة الثمن من تدمير آليات تكلف ملايين الدولارات، مما حوّل خطوط المواجهة إلى ما يشبه "البيت الزجاجي" وألغى عنصر المفاجأة الاستراتيجية.

وهنا يبرز تساؤل محوري حول الاتجاه الحقيقي لشد الحبل في هذا الصراع: هل تعتمد عجلة الحرب وتماسك الميدان على مستوى التقدم العلمي والابتكار التقني المحلي في أوكرانيا، أم أنها محكومة ومسيرة بالكامل عبر منطق السوق الاقتصادية والتأمين المالي الممتد لهذه الحرب؟ الواقع يشير إلى تركيز متداخل بين الطرفين؛ فالابتكار العلمي والتقني يمنح التفوق الميداني اللحظي ومرونة المناورة، لكن استدامة هذه التكنولوجيا وتطبيقاتها على نطاق واسع تظل مرهونة بقدرة السوق الاقتصادية وسلاسل الإمداد على تمويل وتغدية آلة الحرب المستمرة.

 

ثبات الرؤية الأوروبية وتعقيدات المشهد السياسي

أظهرت الأزمة تحولاً هيكلياً في العقيدة الأمنية للقارة، حيث تُحافظ الدول الأوروبية وحلف الناتو على موقفها المبدئي المتمثل في دعم استقلال أوكرانيا ورسم حدود الردع عبر تخصيص ميزانيات ضخمة لتمويل الميزانية الأوكرانية وحزم التسليح، بالتوازي مع انتقال أوروبا نحو تمويل ومشاركة قطاعات التصنيع الدفاعي المشترك داخل أوكرانيا نفسها لاسيما في تكنولوجيا المسيّرات والحرب الإلكترونية. ورغم هذه الصلابة الميدانية، يواجه القادة الأوروبيون ضغوطاً محلية ناتجة عن التبعات الاقتصادية لارتفاع تكاليف الطاقة وإجهاد الموازنات، مما يدفع التكتل للحفاظ على صموده الاستراتيجي مع تحركات خلف الكواليس لإبقاء قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة لتقييم فرص أي تسوية مستقبلية تضمن الأمن والقوة للقارة الأوروبية.

 

إرث الخنادق ومتاهة المستقبل

حين نضع عصر خنادق 1914 جنباً إلى جنب مع عصر الأسراب الذكية ومسيّرات الرؤية الشخصية في حرب أوكرانيا، يتكشف لنا بوضوح عجز الإنسان عن الهروب من فخاخ التاريخ رغم تطور أدواته. ففي الأمس، تسببت الحسابات الخاطئة في إحراق جيل كامل من البشر داخل خنادق أوروبا، والיום تقودنا ديمومة الاستنزاف التكنولوجي والمالي إلى متاهة سياسية واقتصادية عالمية تهدد بانهيار الاستقرار وتآكل ما تبقى من خطوط أمان دولية. إذا استمرت هذه الحرب على وتيرتها الحالية ودون أفق حقيقي للسلام، فإنها لن تقود إلا إلى إعادة تشكيل النظام الدولي على أنقاض الدمار والإنهاك المتبادل، لتثبت مجدداً أن التكنولوجيا قد تتبدل من الدبابات الحديدية إلى الشاشات الرقمية والمسيّرات، لكن غطرسة القوة وعمى الحسابات يظلان الثابت الأبدي الذي يدفع ثمنه الأبرياء.