اغتراب المثقف وانفصامه عن الأنا والآخر

عماد خالد رحمة

برلين.

 

الاغتراب أو الاستلاب يعبِّرُ عما يعانيه الفرد من انفصال عن ذاته، حيث ينفصل الفرد عن مشاعره الخاصة ورغباته، ومعتقداته وهو فقدان الإحساس بالوجود الفعَّال. فالمثقف هو من تشغله معضلة المعنى حسب الفيلسوف الفرنسي وأحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث دايفيد إميل دوركايم الذي أكَّد أنّ المثقف يتحلّى بروح مستقلة محبة للاستكشاف والتحرّي وذات نزعة احتجاجية ونقدية باسم حقوق الروح وحقوق الفكر فقط على ما يذهب إليه المفكر المغربي محمد أركون، ومن يصرِّح بالحق في وجه السلطة أياً كانت. ويعكِّر الصفو العام بحسب المُنظر الأدبي الفلسطيني- الأمريكي إدوارد سعيد، ومن تكون موضوعات العالم كلها بما فيها ذاته بالنسبة إليه، محل رؤية عقلانية نقدية صارمة لا تهادن بحسب عدد كبير جداً من مفكري الحداثة وما بعد الحداثة، بدءاً بإيمانويل كانط، ورينيه ديكارت، وباروخ سبينوزا، وكارل ماركس، وليس انتهاءً بهابرماس وميشيل فوكو وجاك ديريدا وإدوارد سعيد ومحمد أركون. وفي هذا المقام، أقصد بالاغتراب تلك الحالة المركَّبة من الشعور بالغربة ـ إذ أن الاغتراب هو شعور أولاً، أي ظاهرة سيكولوجية ـ الغربة التي تتخذ مستويات متعددة، بدءاً من الشعور بانفصال الذات عن الآخرين وعن محيطها.. عن معطيات هذا المحيط، فالذات المغتربة هي الذات المعزولة.. الذات التي فقدت قناة التواصل مع الآخرين، والاقتناع بفقدان أي فرصة للتواصل مستقبلاً، وهذه الذات تنكفئ على نفسها، وتؤثر الصمت غالباً على الكلام. غير أن الاغتراب هو صناعة سلطة أو دولة ما وسلوكها ونهجها وممارساتها في معظم الأحوال. من هؤلاء عدد كبير من المثقفين اليساريين الديمقراطيين، والليبراليين، والعلمانيين، وهؤلاء يمكن أن يكونوا منتظمين في أحزاب أو حركات أو مؤسسات، لكننا هنا لا نتناولهم لصفتهم هذه، مع استبعادي بالمقابل لمروجي الإيديولوجيات الدوغمائية وساكني الأبراج العاجية. فالاغتراب هو إخفاق التواصل الحقيقي بين المثقف وبيئته الاجتماعية وهي معضلة معقدة جداً تزداد عصياناَ على الحل بسبب ذات النظرة المتعالية والفوقية، المشحونة بالخيلاء والتطاوس والنرجسية أحياناً، بخاصة تلك التي تخص بها الحكومات المثقف العربي، بوصفه يمثل ما بات يُعرَف بـ (أرستقراطية موهبة) عاجزة عن الفعل السياسي المؤثر، أرستقراطية يمكن منحها فسحة تعبير هنا ونافذة رأي هناك على سبيل عرض الحكومات لذواتها ومنهجها بوصفها راعية للثقافة و (المثقفين)، وليس عدوا أو معارضاً أو مقاوما لها.

 

  والمعروف تماماً أنَّ مجتمعاتنا العربية تتشبث بمثاليات وقيم (حلم وسيط)، بمعنى أنها راحت تحيا في غياهب حلم عبثي بوهيمي يتطلَّع إلى العودة إلى القرون الوسطى وإلى أجوائه بما فيها وما عليها، ودليل ذلك ظهور وانتشاء الحركات السلفية سياسياً، إضافة إلى ذلك تطور الحركات الرجوعية الماضوية المتمثلة بالحنين المتعامي إلى الماضي المطوي وإلى الناستولوجيا، بغض النظر عن الحاجة إلى ملاحظة أهمية أو ضرورات مواكبة العصر الحديث والمعاصر، واستمكان مخاطر الفجوة الحضارية المتسعة التي تفصل مجتمعاتنا عن المجتمعات المتقدمة التي تقدر المثقف، وشعور المثقف بصدمة حضارية تستمر بمرافقته طول العمر على البرغم من كبواته وإسقاطاته واستحالاته، بالاحترام والتقدير. ولكي لا نكون أكثر دقة فتاريخنا العربي ولغتنا العربية عرَّفت الاغتراب كما ورد في المعاجم والقواميس: غرَّب: أي ذَهَبَ وتنحَّى من الناس، والتغرُّب يعني البُعد، والغُربة والغرب يعني النزوح عن الوطن، والغريب هو البعيد عن وطنه .وكلمة اغتراب هي ترجمة للكلمة الإنكليزية Alienation .

 

الاغتراب أو الاستلاب الذي يصف الناس من بعض الجوانب بأنه جوهر الأنواع، كما يوصف بأنَّه الحالة السيكواجتماعية المسيطرة بشكلٍ تام على الفرد نتيجة العيش في مجتمع طبقي على حد تعبير الفيلسوف الألماني كارل ماركس، أي إنَّ الاغتراب عن الذات هو نتيجة كون الإنسان جزءاً مكانيكياً من الطبقة الاجتماعية، وهو وضع يجعل الفرد يغترب عن إنسانيته. نتيجة ضغط العمل وضيق الوقت وتبدُّل المناخ، بحيث يتم تحوّله إلى شخصٍ بعيد عن بعض النواحي الاجتماعيّة غريبٍ في واقعه ومجرى حياته الاجتماعية المُعاشة. وتسيطر فكرة الاغتراب في الوقت الراهن على تاريخ الفكر الاجتماعي والأدب المعاصروالثقافة بشكلٍ عام ، حيث ظنَّ رجل الأعمال ومنتج الأفلام الأمريكي، (ملفن سيمن) Melvin Seeman أهميّة هذا الأمر للتحليل الاجتماعي عن طريق مقالة تمّ نشرها في المجلّة الأميركيّة لعلم الاجتماع، تحت عنوان (حول معنى الاغتراب)، أما البروفسور (آر. نسبت) فقد تطرّق خلال دراسته الفكر الاجتماعي إلى التركيز على الاغتراب في كتابه (تساؤلات عن المجتمع المحلّي). هذا وقد تابعنا ما كتبه عالم النفس العلاجي الدكتور إجلال محمد سري من الأكاديمية العربية في الدانمارك حول تعريف الاغتراب قال عام (1993): (الاغتراب هو اضطراب يعبِّر عن اغتراب الذات عن هويتها، وبعدها عن الواقع وانفصالها عن المجتمع، وهو غربة النفس، وغربة عن العالم، وغربة بين البشر.

 

ويعرِّفه الدكتور: ابو بكر محمد محمد مرسي. مدرس بقسم المناهج وتدريس التربية الرياضية، كلية التربية الرياضية بالوادى الجديد، جامعة أسيوط بأنه شعور الفرد أنه غريب عن ذاته ، لا يجد نفسه كمركز لعالمه وأنه خارج عن الاتصال بنفسه كما هو خارج عن الاتصال بالآخرين.