للذهاب الى صفحة الكاتب   

مشكلة العرب بين التفرج على الحضارة واستهلاك منتجاتها ومحاولة المشاركة في صنعها

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

 

مقدمة

"لقد فقدتُ - مملكةً تلو الأخرى، وإقليماً تلو الآخر- أجملَ نصفٍ في الكون، وقريباً لن أجدَ مكاناً ألجأ إليه بأحلامي" إدوارد سعيد

 

تتمثل مشكلة العرب، في جوهرها العميق، لا في مجرد موقف المتفرج على الحضارة كما قد يُفهم من بعض القراءات السطحية لأفكار إدوارد سعيد، بل في شبكة معقدة من العوامل التاريخية والبنيوية والثقافية والسياسية التي أنتجت حالة من الانقطاع الجزئي عن مسار الإبداع الحضاري المستمر، مع بقاء قدرة كامنة على الإسهام لم تُفعَّل بالقدر الكافي في العصر الحديث. إن اختزال المشكلة في «التفرج» يبسط الظاهرة ويغفل طبقات متعددة من التحليل. فكيف ينبغي أن يتعامل العرب ومثقفيهم مع مشكلتهم؟ وهل يصب المجهود الذي يبذله المثقفون والنخب في هذا الاتجاه الاسترجاعي للدور الحضاري العربي؟

 

الصورة الاستشراقية للعرب

إدوارد سعيد، في مشروعه النقدي حول الاستشراق، لم يقل إن العرب يتفرجون على الحضارة فحسب. بل على العكس تمامًا، سعى إلى تفكيك الصورة الاستشراقية التي رسمها الغرب للعرب والمسلمين ككائنات سلبية، راكدة، غير قادرة على الفعل التاريخي، محصورة في دور المتلقي أو الموضوع المدروس لا الفاعل المنتج. سعيد أكد باستمرار على وجود وكالة للشعوب المستعمرة والمهمشة، ودعا إلى سرديات مضادة تستعيد صوتها وتاريخها. ما قد يُنسب إليه خطأً من فكرة «التفرج» هو في الواقع نقده للتمثيلات الغربية التي تُثبت الشرق في موقع المفعول به، لا الفاعل. أما الواقع العربي المعاصر فيحتاج قراءة تتجاوز هذا الإطار إلى تحليل أعمق لبنية الذات العربية نفسها.

 

تاريخيًا، شارك العرب والمسلمون مشاركة فعالة في صناعة الحضارة العالمية. في العصور الوسطى، نقلوا وأبدعوا في الفلسفة والطب والرياضيات والفلك والكيمياء والجغرافيا، وشكّلوا جسرًا حيويًا بين التراث اليوناني والهندي والفارسي وبين أوروبا. كانت بغداد وقرطبة ودمشق والقاهرة مراكز إشعاع معرفي، لا مجرد محطات مرور. هذا الإسهام لم يكن تفرجًا؛ كان إنتاجًا وإعادة صياغة. لكن منذ القرون المتأخرة، وخاصة بعد سقوط الأندلس ثم مرحلة الاستعمار المباشر وغير المباشر، حدث انقطاع تدريجي. لم يكن السبب الوحيد هو الاستعمار، بل تفاعل عوامل داخلية وخارجية: جمود المؤسسات التعليمية والدينية في مراحل معينة، سيطرة أنماط الحكم الاستبدادي المتكرر، ضعف التراكم الرأسمالي والمعرفي المستقل، وتحول الاقتصاد في كثير من الحالات إلى ريعي يعتمد على الموارد الطبيعية لا على الابتكار.

 

في العصر الحديث، تتجلى المشكلة في عدة مستويات مترابطة. أولها سياسي: هيمنة أنظمة سياسية أعاقت، بدرجات متفاوتة، حرية الفكر والتنظيم والمساءلة. غياب العقد الاجتماعي الفعّال بين الحاكم والمحكوم أنتج بيئة غير محفزة للإبداع، حيث يُنظر إلى المبادرة الفردية أو الجماعية أحيانًا كتهديد. ثانيها تعليمي وثقافي: أنظمة تعليمية في كثير من الدول العربية لا تزال تميل إلى التلقين أكثر من النقد والابتكار، وتُخرج أعدادًا كبيرة من الخريجين دون ربط كافٍ بسوق المعرفة العالمية أو بحاجات التنمية الحقيقية. ثالثها اقتصادي: الاعتماد المفرط على الريع النفطي أو التحويلات أو المساعدات في بعض الحالات خلق اقتصادات هشة، قليلة التنويع، ضعيفة في توليد القيمة المضافة المعرفية والتكنولوجية. رابعها اجتماعي-نفسي: رواسب تاريخية من الشعور بالهزيمة أو الغبن التاريخي، تتراوح بين الاعتزاز المفرط بالماضي المجيد وبين الإحساس بالعجز أمام الحاضر، مما يُنتج أحيانًا خطابًا دفاعيًا أو تبريريًا بدل الخطاب الإنتاجي.

 

هل يتمثل جوهر المشكلة في أنهم «لا يشاركون في صنع الحضارة ويتفرجون عليها»؟

 

 الإجابة الدقيقة هي: جزئيًا نعم من حيث النتيجة الظاهرة في العقود الأخيرة، لكن لا من حيث السبب الجوهري. العرب يستهلكون منتجات الحضارة المعاصرة بكثافة عالية: التكنولوجيا، الطب، وسائل الاتصال، أنظمة الإدارة، وحتى النماذج الفكرية. لكن نسبة مساهمتهم في إنتاج هذه الحضارة – مقيسة بعدد براءات الاختراع، والاكتشافات العلمية المؤثرة، والمؤسسات البحثية الرائدة عالميًا، والنماذج الاقتصادية المبتكرة – تبقى محدودة مقارنة بحجمهم السكاني وتاريخهم. هذا ليس قدرًا حتميًا ولا سمة ثقافية ثابتة، بل نتيجة تراكم خيارات سياسية واجتماعية ومؤسسية.

 

سعيد نفسه كان يحذر من الوقوع في فخ الجوهرانية، سواء الغربية أو الشرقية. فالقول إن «العرب بطبعهم متفرجون» يعيد إنتاج الاستشراق بطريقة معكوسة. الحضارة ليست ملكًا لأحد؛ هي عملية تراكمية مفتوحة. الشعوب التي تساهم فيها اليوم فعلت ذلك عبر مؤسسات قوية، حرية نسبية في البحث، حوافز اقتصادية، واستقرار يسمح بالتخطيط طويل الأمد. حيث توافرت بعض هذه الشروط جزئيًا في العالم العربي – في بعض الجامعات أو المراكز البحثية أو المبادرات الفردية – ظهرت إسهامات ملحوظة، لكنها ظلت استثناءات أكثر منها قاعدة مؤسسية.

 

المشكلة إذن تكمن في فجوة بين الإمكان التاريخي والثقافي وبين الواقع المؤسسي المعاصر. الإمكان موجود: لغة غنية، تراث فكري عميق، طاقات بشرية شابة، موارد مادية في بعض الدول. لكن تحويل الإمكان إلى فعل حضاري مستمر يتطلب إعادة بناء جذرية للعلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين الفرد والمجتمع، وبين الماضي والحاضر. لا يكفي استهلاك منتجات الحضارة أو انتقادها؛ المطلوب إنتاجها من موقع الفاعل، لا المتفرج. وهذا يتطلب تجاوز الخطاب الاحتجاجي أو التبريري إلى خطاب بناء مؤسسي طويل النفس، يحاسب نفسه قبل أن يحاسب الآخرين، ويعترف بأن التخلف ليس مؤامرة فقط، بل أيضًا نتيجة خيارات داخلية متراكمة.

 

هل سرق الغرب حضارة العرب؟

 لم يسرق الغرب حضارة العرب. فكرة «السرقة» تبسيط عاطفي يختزل عملية تاريخية معقدة من النقل والترجمة والاستيعاب والتطوير إلى فعل نهب متعمد. الحضارات لا تُسرق كأنها غنيمة؛ المعرفة تنتقل وتتحول وتتراكم عبر الاحتكاك والتبادل، وكل طرف يأخذ مما سبقه ثم يضيف أو يتجاوز. هذا ما حدث بين الحضارة العربية-الإسلامية وأوروبا، كما حدث من قبل بين اليونان ومصر وبابل، وبين العرب أنفسهم واليونان والهند والفرس.في العصور الوسطى، استوعبت أوروبا اللاتينية كمًا كبيرًا من المعارف التي كُتبت بالعربية أو طُوّرت في المراكز الإسلامية. ترجمت مؤلفات في الطب والرياضيات والفلك والفلسفة والبصريات، وانتقلت تقنيات زراعية وملاحية وصناعية. كان هذا النقل منظمًا في أماكن مثل طليطلة وصقلية، وجزءًا من حركة أوسع لإعادة اكتشاف التراث الكلاسيكي. العلماء الأوروبيون لم يخفوا المصادر العربية في كثير من الحالات؛ أشاروا إلى ابن سينا والرازي وابن رشد والخوارزمي وغيرهم، واعترفوا بفضلهم قبل أن يتجاوزوهم. ما وصل إلى أوروبا لم يكن «حضارة كاملة» جاهزة للسرقة، بل مجموعة من النصوص والأدوات والمناهج التي أُعيدت صياغتها داخل سياق أوروبي مختلف: جامعات ناشئة، مدن تجارية، صراعات سياسية ودينية، وتطور تدريجي للمنهج التجريبي.

 

الفرق الجوهري يكمن في ما حدث بعد ذلك. أوروبا لم تتوقف عند استيعاب ما وصلها؛ حوّلته وأضافت إليه طبقات جديدة كليًا. الثورة العلمية منذ القرن السادس عشر، بما فيها صياغة قوانين الحركة والجاذبية، وتطوير الآلات، واكتشاف الدورة الدموية بدقة أكبر، وبناء المنهج التجريبي المنظم، لم تكن مجرد استمرار للتراث العربي. التنوير والثورة الصناعية والتحولات السياسية الحديثة نتجت عن ديناميات داخلية أوروبية: الطباعة، المنافسة بين الدول، الانفصال النسبي بين السلطة الكنسية والمعرفة، وتراكم رأس المال والتكنولوجيا. بحلول ذلك الوقت، كان العالم العربي-الإسلامي قد شهد تراجعًا نسبيًا في وتيرة الإبداع العلمي والمؤسسي، فلم يعد المصدر الرئيسي للمعرفة الجديدة.

 

رواية «السرقة» تغفل أيضًا أن العرب أنفسهم بنوا حضارتهم على أسس سابقة. ترجموا وأعادوا صياغة التراث اليوناني والهندي والفارسي والسرياني، وأضافوا إليه إبداعاتهم. لو طُبقت معايير «السرقة» بأثر رجعي، لصار كل إسهام حضاري سرقة لما قبله. التاريخ الحقيقي هو سلسلة من الاستعارات والتحويلات، لا سلسلة من السرقات. الأوروبيون أخذوا ما وجدوه نافعًا، كما أخذ العرب من قبلهم، ثم صنعوا شيئًا جديدًا تجاوز المعطى السابق كمًا ونوعًا.

 

الادعاء بالسرقة يخدم أحيانًا حاجات نفسية أو سياسية: تفسير التراجع الذاتي بفعل خارجي، أو تضخيم الإسهام الماضي لتعويض ضعف الحاضر. لكنه لا يصمد أمام التحليل التاريخي. الغرب مدين للعرب والمسلمين بدين معرفي حقيقي في مرحلة تأسيسية، تمامًا كما هو مدين لليونان والرومان والهند. لكن الحضارة الغربية الحديثة ليست نسخة مسروقة من الحضارة العربية؛ هي بناء جديد قام على أسس متعددة، منها الأساس العربي-الإسلامي، ثم انطلق في مسار مستقل. الاعتراف بالدين لا يعني تحويل التاريخ إلى محكمة اتهام، ولا إنكار الأصالة الأوروبية في العصر الحديث.

 

هل شارك العرب في صناعة حضارة الغرب الحديثة؟

لقد شارك العرب – ضمن الحضارة الإسلامية الأوسع – مشاركة جوهرية وغير مباشرة في صناعة الأسس التي قامت عليها حضارة الغرب الحديثة، لكن هذه المشاركة كانت في معظمها عبر نقل المعرفة وتطويرها في العصور الوسطى، لا عبر الإسهام المباشر في الثورات العلمية والصناعية والسياسية التي شكّلت الحداثة الأوروبية منذ القرن السادس عشر فصاعدًا. الفهم الدقيق يتطلب التمييز بين دور الجسر الحضاري الذي لعبه العرب والمسلمون، وبين الفعل الأوروبي الذاتي الذي حوّل تلك الأسس إلى منظومة حديثة مستقلة. في القرون الوسطى، شكّلت المراكز العلمية في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وإشبيلية فضاءات حيوية لحفظ التراث اليوناني والهندي والفارسي وترجمته وتطويره. العرب والعلماء الذين كتبوا بالعربية لم يكتفوا بالنقل؛ أعادوا صياغة العلوم وأضافوا إليها. في الرياضيات، طوّر الخوارزمي الجبر ونشر النظام العشري والأرقام التي عُرفت لاحقًا بالهندية-العربية، فأصبحت أداة أساسية للحساب الأوروبي. في البصريات، وضع ابن الهيثم أسس المنهج التجريبي في دراسة الضوء والرؤية، وهو إسهام أثّر لاحقًا في تطور الفيزياء الأوروبية. في الطب، جمعت مؤلفات الرازي وابن سينا معارف واسعة ونظّمتها بطريقة منهجية بقيت مراجع أساسية في الجامعات الأوروبية لقرون. في الفلسفة، أعاد ابن رشد قراءة أرسطو وقدم شروحًا أثّرت بعمق في الفكر السكولاستي اللاتيني، ووصلت إلى توما الأكويني وغيره. في الفلك والكيمياء والجغرافيا والملاحة، انتقلت معارف وتقنيات ساعدت أوروبا على تجاوز حدودها المعرفية القديمة. انتقلت هذه المعارف إلى أوروبا عبر قنوات متعددة: الأندلس حيث كانت الترجمة من العربية إلى اللاتينية نشاطًا منظمًا في طليطلة وغيرها، وصقلية النورماندية، والطرق التجارية في البحر المتوسط، وحتى الاحتكاك خلال الحروب الصليبية. بحلول القرن الثاني عشر والثالث عشر، كانت أوروبا اللاتينية تستوعب هذا التراث وتعيد هضمه. من دون هذا الجسر، لكان استعادة التراث الكلاسيكي أبطأ وأكثر صعوبة، ولكانت نقطة انطلاق النهضة الأوروبية أضعف.غير أن حضارة الغرب الحديثة – بمعناها الدقيق الذي يشمل الثورة العلمية منذ كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن، والتنوير، والثورة الصناعية، والتحولات السياسية الليبرالية والديمقراطية – نشأت أساسًا من ديناميات داخلية أوروبية. اعتمدت على تراكم مؤسسي خاص: الجامعات المستقلة نسبيًا، المدن التجارية، الطباعة، المنافسة بين الدول، والانفصال التدريجي بين السلطة الدينية والمعرفة التجريبية. العلماء الأوروبيون أخذوا ما وصلهم من التراث العربي-الإسلامي ثم تجاوزوه بمناهج جديدة وأسئلة مختلفة. بحلول عصر النهضة وما بعده، كان العالم العربي-الإسلامي نفسه قد دخل مرحلة من التراجع النسبي في الإبداع العلمي، بينما تسارع الإنتاج الأوروبي بشكل مستقل. إذن، المشاركة العربية حقيقية وعميقة على مستوى الأسس المعرفية والمنهجية المبكرة، لكنها ليست مشاركة مباشرة في صناعة الحداثة الغربية ذاتها. العرب لم يكونوا شركاء في مختبرات الثورة العلمية أو مصانع الثورة الصناعية أو صالونات التنوير؛ كانوا قد أسهموا في تهيئة الأرضية التي وقف عليها الأوروبيون لاحقًا. هذا الدور يشبه دور اليونان والرومان والهند والصين في تغذية مسارات حضارية أخرى: إسهام تأسيسي ثم انتقال الفاعلية إلى مراكز جديدة.

 

هل يمكن أن يعود العرب إلى دورهم الحضاري؟

يمكن للعرب أن يعودوا إلى دور حضاري فاعل، لكن هذا الإمكان ليس قدرًا حتميًا ولا وعدًا مضمونًا بالتاريخ أو بالذاكرة الجماعية. هو احتمال مشروط بتحولات جذرية في البنى السياسية والاقتصادية والثقافية والمؤسسية. الحضارة ليست ملكية وراثية تُستعاد بمجرد استحضار الماضي، ولا هي حق مكتسب يُمنح بالشكوى من الحاضر؛ هي نتيجة تراكم مستمر للمعرفة والإنتاج والمؤسسات والحرية النسبية التي تسمح بالإبداع. التاريخ مليء بأمثلة لحضارات انحدرت ثم نهضت، وأخرى بقيت في هامش الفعل لقرون طويلة. السؤال الحقيقي ليس «هل يمكن؟» فحسب، بل «تحت أي شروط، وبأي كلفة، وفي أي مدى زمني؟»الإمكان موجود موضوعيًا. العرب يمتلكون رصيدًا تاريخيًا عميقًا من الإسهام المعرفي، ولغة قادرة على استيعاب العلوم الحديثة، وطاقة ديموغرافية شابة هائلة، وموارد مادية معتبرة في عدد من الدول، وانتشارًا جغرافيًا وثقافيًا يمتد عبر قارات. في العصر الرقمي، انخفضت كلفة الدخول إلى مجالات المعرفة والتكنولوجيا مقارنة بما كانت عليه قبل قرن. الجاليات العربية في المهجر تشكل خزانات خبرة وكفاءات يمكن استيعابها. بعض التجارب الجزئية داخل العالم العربي نفسه – في بعض الجامعات والمراكز البحثية والمبادرات التقنية والاقتصادية – أثبتت أن الطاقات الفردية والجماعية قادرة على الإنجاز حين تتوفر بيئة أقل عرقلة. هذه كلها مؤشرات على أن العودة ليست مستحيلة.لكن الإمكان لا يتحول إلى واقع إلا إذا واجهت المجتمعات العربية جملة من العوائق البنيوية بصراحة وعمق. أول هذه العوائق هو طبيعة السلطة السياسية في معظم الدول العربية، حيث لا تزال أنماط الحكم تميل إلى السيطرة على المجال العام أكثر من تمكينه، وتفضل الاستقرار الشكلي على الديناميكية التي ينتجها التنافس الحر والمساءلة. بدون إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس تسمح بحرية البحث والتنظيم والمبادرة، يبقى الإبداع محصورًا في جيوب ضيقة أو مهاجرًا. ثانيها التعليم: ما دام النظام التعليمي يُنتج حفظة أكثر مما يُنتج مفكرين ونقادًا ومبتكرين، وما دام البحث العلمي يعاني من ضعف التمويل والاستقلال والربط بالصناعة، فلن تتراكم المعرفة بالقدر الذي يسمح بإسهام حضاري حقيقي. ثالثها الاقتصاد: الاعتماد الريعي أو شبه الريعي في عدد من الدول يخلق ثقافة استهلاك لا إنتاج، ويضعف الحوافز للابتكار طويل الأمد. رابعها الثقافة الاجتماعية: رواسب الخوف من النقد، وتقديس الماضي على حساب مساءلته، والميول الطائفية أو القبلية التي تُضعف الهوية المدنية الجامعة، كلها عوامل تُبطئ التحول.العودة الحضارية ليست عودة حرفية إلى نموذج بغداد أو قرطبة في العصور الوسطى؛ ذلك النموذج نشأ في سياق تاريخي مختلف تمامًا. المطلوب هو صياغة دور جديد يناسب شروط القرن الحادي والعشرين: دور في إنتاج المعرفة العلمية والتكنولوجية، وفي بناء نماذج تنموية مستدامة، وفي الإسهام في الفكر الإنساني المعاصر لا في اجترار القديم فقط. هذا يتطلب قبول فكرة أن الحضارة المعاصرة ليست «غربية» بالمعنى الجوهراني، بل هي نتيجة تراكم عالمي مفتوح لمن يستطيع الدخول إليه بشروطه: المؤسسات القوية، رأس المال البشري العالي الجودة، والقدرة على التعلم المستمر والتكيف.التجارب التاريخية للأمم الأخرى توضح أن النهوض ممكن حتى بعد انقطاع طويل. اليابان بعد العزلة، والصين بعد قرون من الضعف النسبي، وكوريا الجنوبية بعد الحرب والدمار، كلها أعادت بناء قدراتها عبر خيارات واعية: استثمار هائل في التعليم، انفتاح انتقائي على العالم، إصلاح مؤسسي تدريجي أو جذري، وربط الاقتصاد بالمعرفة. الفرق أن هذه التجارب تطلبت قيادة سياسية قادرة على التفكير الاستراتيجي طويل الأمد، ومجتمعات مستعدة لتحمل كلفة التحول. في الحالة العربية، يظل السؤال مفتوحًا حول مدى توافر الإرادة الجماعية لهذه الكلفة، خاصة في ظل ضغوط إقليمية ودولية معقدة، وصراعات داخلية، وتفاوت كبير بين الدول العربية نفسها في الإمكانات والخيارات.المسار الممكن يمر عبر عدة مستويات متزامنة. على المستوى السياسي، بناء تدريجي لمؤسسات أكثر شفافية وخضوعًا للمساءلة، تسمح بتداول الأفكار والسلطة دون أن ينهار النظام. على المستوى التعليمي، ثورة حقيقية في المناهج وطرق التدريس وربط الجامعات بالبحث العالمي وبالحاجات التنموية. على المستوى الاقتصادي، تنويع حقيقي بعيدًا عن الريع، وتشجيع ريادة الأعمال والابتكار، واستيعاب الكفاءات المهاجرة. على المستوى الثقافي، إعادة تعريف العلاقة مع التراث بحيث يصبح مصدر إلهام نقدي لا قيدًا، ومع الآخر بحيث يصبح شريكًا في المعرفة لا مجرد خصمًا أو مصدر تقليد أعمى. هذه التحولات لا تحدث بمرسوم واحد ولا بجيل واحد؛ هي عملية تراكمية قد تستغرق عقودًا، لكنها تبدأ بقرارات واعية اليوم.

 

خاتمة

الخلاصة أن ما حدث كان انتقالًا حضاريًا طبيعيًا، لا سرقة. العرب أسهموا في تغذية أوروبا بمعارف ساعدتها على النهوض، ثم أصبحت أوروبا مركز الإبداع اللاحق. هذا النمط تكرر عبر التاريخ، وسيكرر. فهمه بموضوعية يحرر من ثنائية الضحية والسارق، ويفتح أفقًا للتفكير في كيفية الإسهام من جديد بدل الاكتفاء بالشكوى من الماضي. الاعتراف بهذا الدور المزدوج – الإسهام الكبير في الجذور، والغياب النسبي عن الثمار الحديثة – ضروري لفهم موضوعي. هو يرفض روايتين متطرفتين: رواية تنكر أي فضل عربي وتصور الحداثة كخلق أوروبي خالص من العدم، ورواية أخرى تبالغ فتعتبر الحضارة الغربية مجرد امتداد أو سرقة للتراث العربي. الحقيقة التاريخية أكثر تركيبًا: العرب شاركوا بقوة في بناء الجسر المعرفي الذي عبرت عليه أوروبا نحو الحداثة، ثم توقفت مشاركتهم الفاعلة حين انتقلت ديناميكية الإبداع إلى الضفة الأخرى. العودة إلى دور حضاري معاصر لا تكون باستعادة دور الجسر القديم، بل بصناعة إسهام جديد يناسب شروط العصر الراهن. ان عودة العرب إلى دور حضاري فاعل ممكنة، لكنها ليست محتومة. التاريخ لا يعيد المجد تلقائيًا لمن يدّعيه، بل يكافئ من يبني الشروط المادية والمؤسسية والمعرفية اللازمة. الإمكان موجود، والعوائق معروفة، والمسؤولية تقع في النهاية على اختيارات المجتمعات والنخب العربية نفسها. إما أن تُفعَّل الطاقات الكامنة في بيئة تسمح بالإبداع والمساءلة، أو أن يستمر الدور الهامشي مع استهلاك منتجات الآخرين. الحضارة لا تنتظر أحدًا؛ من يتأخر عن صناعتها يظل متفرجًا عليها، ومن يقرر المشاركة بشروط العصر يمكنه أن يعود فاعلًا فيها.

 

في النهاية، مشكلة العرب ليست في كونهم متفرجين بطبيعتهم، بل في أنهم لم ينجحوا بعد، كجماعة سياسية وثقافية في العصر الحديث، في بناء البيئة التي تحول المتفرج إلى مشارك فعال ومنتج. سعيد ساعد في كشف الآليات التي جعلت صورة المتفرج تُفرض من الخارج، لكن المسؤولية عن كسر هذه الصورة وتجاوزها تقع في المقام الأول على العرب أنفسهم. الحضارة لا تُصنع بالخطاب وحده، ولا بالتفرج، ولا بالشكوى؛ تُصنع بالمؤسسات والحرية والمعرفة المتراكمة والعمل الدؤوب. فكيف يمكن تحقيق الإصلاح المؤسساتي العربي لكي يتمكن للعرب من أن يعودوا لدور حضاري مستقبلي؟