للذهاب الى صفحة الكاتب   

العيب لا يُناقش

صالح مهدي محمد

 

في قاموسنا اليومي، هناك كلمات تؤدي وظيفة محددة، وأخرى تتولى إدارة الحياة بأكملها. وكلمة «عيب» تنتمي إلى الصنف الثاني؛ صغيرة في حروفها، واسعة في صلاحياتها، تعمل بدوام كامل، ولا تحتاج إلى شهادة تمنحها حق التدخل في شؤون الناس.

بوسعها أن توقف نقاشًا، وتعيد شخصًا عن فكرة، بل أن تغير موقفك رأسًا على عقب، وكل ذلك من دون تقديم مبرر واحد. يكفي أن تُقال بنبرة واثقة حتى يشعر المخاطب بأنه ارتكب جريمة، وإن كان كل ما فعله أنه فكّر بطريقة مختلفة.

أحد الأصدقاء أراد ذات يوم شراء دراجة هوائية، فاستشار أحد معارفه، فجاءه الرد مختصرًا:

ـ عيب.

استغرب وسأله:

ـ ليش؟

قال الرجل، وهو يتحدث بجدية من اكتشف خللًا خطيرًا في نظام الكون:

ـ رجل وبعمرك تريد تسوق دراجة؟

تأمل صديقنا الأمر، فاكتشف أن المشكلة ليست في الدراجة، ولا في الشارع، بل في كرامته التي يُحتمل أن تتعرض لحادث وهي تسير على عجلتين. تراجع عن الفكرة، واشترى سيارة مستعملة، ودخل في أقساط أرهقت راتبه أشهرًا طويلة.

وهكذا خسر جزءًا من راتبه، لكنه ربح شيئًا أثمن في حسابات المجتمع: شهادة غير مكتوبة تثبت أنه رجل لا تليق به الدراجة الهوائية.

في مناسبة اجتماعية، قرر رجل عدم الحضور لأنه كان متعبًا، فأجابه أحد أقاربه:

ـ عيب، لازم تجي!

ذهب الرجل، وجلس في أحد الأركان، صامتًا، يجرّ تعبه من دقيقة إلى أخرى. وبعد ساعة، التفت إليه أحد الحاضرين وسأله:

ـ شبيك ساكت؟

قال:

ـ تعبان، حرارتي مرتفعة ورجلي توجعني.

فردّ عليه مستغربًا:

ـ زين، ليش جاي إذا تعبان؟

عندها اكتشف الرجل أن كلمة «عيب» تجبرك على الحضور، لكنها لا تتكفل بتفسير حضورك، ولا تتحمل مسؤولية ما يترتب عليه. المهم أن تؤدي واجب المجاملة، حتى لو اضطررت إلى التضحية براحتك وصحتك كي لا يقال إنك قصّرت في واجب اجتماعي.

أما الأطفال، فلهم مع الكلمة حكاية أخرى.

سأل طفل أباه :

ـ بابا، ليش السماء زرقاء؟

جاءه الجواب سريعًا:

ـ عيب، شنو هالأسئلة؟

لم يفهم الطفل ما الذي ارتكبه، لكنه فهم أن بعض الأسئلة تضع صاحبها في موقف محرج. ومع مرور السنوات، كبر وهو يبتلع فضوله قبل أن يصل إلى لسانه، ويؤجل أسئلته حتى لا يسيء إلى أحد.

وحين صار رجلًا، أصبح يعرف كيف يصمت أكثر مما يعرف كيف يسأل. لقد نجح الكبار في تعليمه الأدب، لكنهم نسوا أن يتركوا له مساحة يتعلم فيها التفكير.

لقد لقّنوه كيف يتجنب السؤال، ولم يعلّموه كيف يصل إلى الإجابة.

لكن الكلمة نفسها قد تظهر في موقف معاكس تمامًا. فقد ترى شخصًا يتمسك بموقفه رغم الضغوط، أو يرفض مجاملة على حساب قناعته، فيأتيه صوت من الخلف:

ـ عيب، لا تكبّر الموضوع!

وهكذا تتبدل وظيفة الكلمة بحسب مزاج المتحدث ومصلحته. مرة تُستدعى لحماية الأخلاق، ومرة لإسكات صاحب موقف أخلاقي، ومرة أخرى لتغطية سلوك لا يريد أحد مناقشته.

أما داخل العائلة، فقد تحولت «عيب» إلى اختصار مريح يوفر على الجميع عناء الحوار.

يسأل الابن عن سبب منعه من أمر ما، فيأتيه الرد:

ـ عيب.

يحاول أن يفهم، فيسمع:

ـ عيب يعني عيب، خلصنا!

ينتهي النقاش قبل أن يبدأ، ويخرج كل طرف بانتصاره الخاص؛ الكبير لأنه فرض رأيه، والصغير لأنه تعلم أن بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح، بل تحتاج إلى عمر طويل من الصمت.

والمفارقة أن السؤال عن سبب المنع قد يصبح، هو الآخر، عيبًا. وهكذا تدخل الكلمة في دائرة مغلقة، تحرس نفسها بنفسها، فلا تسمح لأحد بمناقشة هيبتها، لأنها تتولى إدانة كل من يحاول ذلك.

المشكلة، إذن، ليست في الكلمة ذاتها؛ فثمة أفعال تستحق أن تُستقبح، ومواقف تحتاج إلى حدود أخلاقية واضحة. المشكلة تبدأ حين نستخدم الكلمة بديلًا عن التفكير، وحين نستعين بها لأننا لا نملك تفسيرًا مقنعًا، أو لأننا نخشى أن يكشف النقاش هشاشة ما نؤمن به.

بدلًا من أن نشرح، نقول: عيب.

وبدلًا من أن نقنع، نقول: عيب.

وحين نعجز عن الإجابة، نرفع الكلمة مثل ستارة سميكة، ونغلق خلفها الموضوع كله.

ومع الوقت، يكبر حضورها ويصغر معناها، حتى يصبح الناس أقل انشغالًا بمعرفة الصواب من الخطأ، وأكثر انشغالًا بتوقع ردود الفعل.

يبدأ المرء بمراجعة كل خطوة قبل أن يخطوها: هل سيعترض أحد؟ هل سيسخر مني أحد؟ هل ستلاحقني الكلمة إذا فعلت ما أراه صحيحًا؟

ولأن الإجابات لا تأتي واضحة، يختار الطريق الأكثر أمانًا: ألّا يفعل شيئًا.

يبقى في مكانه، لا يخطئ في نظر أحد، ولا يصيب في نظر نفسه. يعيش حياة خالية من المخاطرة، ويحصل في المقابل على وسام اجتماعي رفيع: لم يقل له أحد «عيب».

ولعلنا نحتاج إلى إعادة الكلمة إلى حجمها الطبيعي، لا إلى قاموس جديد. فبعض المواقف تحتاج إلى تفسير، وبعضها إلى نقاش، وبعضها إلى شجاعة تعترف بأن العادات ليست كلها قوانين، وأن ما اعتدناه لا يصبح صحيحًا لمجرد أننا ورثناه.

أما «عيب»، فلتبقَ كلمة لها مكانتها حين تحمي كرامة الإنسان، وتصون حقوق الآخرين، وتردع الأذى، لا حين تتحول إلى عصًا نلوّح بها في وجه كل فكرة لا تشبه أفكارنا.

فليس كل جديد عيبًا، ولا كل مألوف صوابًا، ولا كل صمت دليلًا على الأدب.

فالعيب الحقيقي ليس أن نفعل شيئًا يختلف عليه الناس، بل أن نمنح كلمة واحدة سلطة محاكمة الجميع، ثم نمنع الجميع من مساءلتها. وحين يسأل أحدهم: «بأيّ حق؟»، نجيبه، بكل ثقة: «عيب تسأل!».