
يوميات حسين الاعظمي (1510)
مقاميون بلا حدود/ 20
حمزة السَّعداوي المقامي المثابر (1928-1995)
ملف خاص عن مطرب المقام العراقي حمزة السعداوي. من كتابي (الطريقة القبانجية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في كانون ثاني 2009.
بالنسبة الى نشأة مطرب المقام العراقي حمزة السعداوي الاولى، كانت في محافظة كربلاء. التي ولد فيهاعام 1928. وهي من محافظات وسط العراق.وقد أنهى دراسته الابتدائية في ربوعها. ومنذ نعومة أظفاره كان محباً للغناء والموسيقى التراثية وخاصة غناء المقام العراقي. وفي شبابه إنتقل ليقيم في العاصمة بغداد التي أتاحت له فرصاً طيبة للتعرف والاتصال بأصحاب الشأن المقامي. امثال المطرب الخبير مجيد رشيد الحيالي الذي علَّمهُ عدة مقامات عراقية..! وكذلك المطربون السيد جميل الاعظمي الحيالي ويونس يوسف الاعظمي وحسن خيوكة واحمد موسى وآخرين تعلم منهم الكثير. ولكنه في هذه الفترة من بدايات مسيرته الفنية، كان قد تأثر تأثراً كبيراً بالمطرب الكبير يوسف عمر. الذي سيطر على كل ذوقه وجمالياته. وأصبح حمزة السعداوي بالتالي مقلداًليوسف عمر بصورة تكاد أن تكون متطابقة..!! وفي عام 1956 إفتتح حمزة السعداوي مقهىً شعبياً أسماها (مقهى الجزائر)(هامش1) في جانب الكرخ من بغداد والتي أصبحت ملتقىً لعشاق المقام العراقي. وفيها إلتقى بالخبير المقامي الكبير الحاج هاشم محمد الرجب الذي إستمع الى صوت حمزة السعداوي ورأى فيه خيرأً فأعطاه الكثير من الملاحظات والارشادات الفنية. وبعد حين تحدث السعداوي الى الرجب راجياً منه المثول أمام اللجنة المقامية في الاذاعة للاختبار، التي كان الرجب أحد أعضائها والارجح أنه كان رئيسها. وبعد مثول حمزة السعداوي أمام اللجنة، نجح في الاختبار وتمت الموافقة على تسجيله أول مقام عراقي له في الاذاعة العراقية وكان مقام الاوشار مع اغنية (بالحاجب ادعي بخير) ثم تلا بعد ذلك تسجيلات مقامية اخرى كشكل(الشعر مع الأُبوذية) ثم استمر الأمر في تسجيله للمقامات العراقية في الاذاعة والتلفزيون لحين وفاته رحمه الله عام 1995.
مقهى المُتحف البغـدادي
بعد مرور أكثر من خمسة عشر عام، أي في مطلع السبعينات، إستأجر وإفتَتَحَ حمزة السعداوي مقهىً جديداً في بناية المتحف البغدادي الكائن عند رأس جسر الشهداء من جانب الرصافة ببغداد، ولكن هذه المرَّة جعلها مقهىً خاصاً لغناء المقام العراقي إذ أقام فيها بصورة منتظمة ومستمرة حفلات أُسبوعية لغناء المقامات العراقية وذلك مساء الجمعة من كل أُسبوع. حيث غنى فيها الكثير من مُغنّي المقام العراقي من المعاصرين لهذه الحقبة الزمنية. منهم المقامي عبد القادر النجار والمقامي عبد الرحمن العزاوي والمقامي محمد العاشق والمقامي حسن البناء وشباب آخرين ممن أُتيحت لهم فرص الغناء. فضلاً عن مشاركة صاحب المقهى حمزة السعداوي بإِستمرار. وشارك في مرَّات قليلة المطرب الكبير يوسف عمر. وقد شهد مسرح المتحف البغدادي هذا في مقهاه المقامية ضمن إحدى حفلاته الأُسبوعية بدايتي وصعودي عليه لأول مرَّة. حيث غنَّيتُ(مقام المخالف) في ذلك اليوم الذي صادف يوم الجمعة (23 /3 /1973) بتشجيع من المطرب حمزة السعداوي(هامش2).
تقليديَّة السَّعداوي
لقد كان حمزة السعداوي بكل ما تلقــَّاه من تعليم مقامي وعلى يد أكثر من أُستاذ كما مرَّ بنا، تقليدياً صرفاً..!! معتمداً على ما يسمعه من مقامات عراقية جاهزة بصوت يوسف عمر..! ولم يستطع أن يصهر كل هذه المعلومات والتأثيرات المقامية وتنوع أساليب أساتذته الادائية في أُسلوب خاص به يمكن أن يتميَّز به عن معاصريه..! اذ يبدو لنا بصورة واضحة وأكيدة، انه إستسلم جمالياً في التلذذ التام بسماع وتذوق المقامات العراقية التي أداها الفنان الكبير يوسف عمر بأُسلوبه المعروف الذي سيطر به على كيان حمزة السعداوي في نواح فنية عديدة..! ورغم كل ذلك كان حمزة السعداوي أكثر وعياً من معاصره المطرب عبد الرحمن خضر في تقليد أُستاذه محمد القبانجي. فقد كان حمزة السعداوي كثيرَ الإِهتمام بالشكل المقامي والأُصول التقليدية لمسارات اللحن المقامي، متفهماً ومدركاً لأهمية وقيمة هذه الأُصول في الأُداء المقامي. وله قدرة جيدة في الحديث عن المقام العراقي وأُصوله الأَدائية بصورة جيدة تدلُّ على وعي بتفاصيل المسألة. يصلح أن يكون معلـِّماً بجدارة..! ولكن رغم الطبقات الادائية المختلفة في صوته وسعته كمساحة من فصيلة (التنور) إلا أنه لم يمتاز بجمال هذا الصوت..! إذ يشعر السامع لمقاماته العراقية المسجلة وكأن الصوت يأتي من بعيد، أو أن صوتَه عند الأَداء يبدو وكأنَّه مضغوط ٌعليه..!!
لقد كان المطرب المقامي حمزة السعداوي من حيث شخصيته المقبولة في المجتمع المقامي، في وضع يساعده على التواجد دائماً في الاوساط المقامية. والافادة من كل هذه الخبرات التي جعلته مستمراً في عطائه كمطرب للمقام العراقي. ذلك أن بداية حياته الفنية كانت مشجعة كما يبدو لنا، بافتتاحه المقهى ولقائه بالحاج هاشم الرجب وغيره من المؤدين والمتخصصين في شؤون المقام العراقي. ومن خلال هذه الاجواء تشبَّع بجماليات المقامات العراقية بحيث جعلت منه مطرباً مقامياً معروفاً في ولاء تام وحب مخلص له. وقد لاقى إستجابة لابأْس بها من قبل الجمهور، خاصة بعد أن لاقت مقاماته العراقية الاولى التي سجلها في دار الإِذاعة العراقية صدىً جيداً.
مقــامــاتــُـه
وإِليك عزيزي القاريء بعضُ القصائد والزهيريات والأُبوذيات التي أدّاها المطرب حمزة السعداوي. ففي مقام الدشت غنّى هذه الأَبْيات العروبية.
(وطن العروبة موطني وبــلادي/لا فرق بين حواضر وبــوادي)
(قوْمي اذا فاخرتهم بجدودهـــــم/ذكروا الحما ومفاخر الاجــداد)
(وصحيفة خُطَّتْ بسيل دمائهـــم/للمجد مشرقة بيوم جهــــــــاد)
(في كل منعطف سجل حافـــــــل/بالتضحيات وصولة الآســــاد)
ومن سلَّم مقام اللامي غنى هذه الابوذية ..
(زمان الخير إنا عاد يـــــــــــــــــــــــــاصاح)
(بعد ذاك الظلم هيهات ياصــــــــــــــــــــــاح)
(طير السعد عالاغصان ياصــــــــــــــــــــاح)
(بنعمته وبشر بخير البريــــــــــــــــــــــــــة)
*************
(محمد منزلة بالكرم منـــــــــــــــــــــــــزال)
(على صدره كتاب الله منـــــــــــــــــــــــزال)
(قلب اليوده دوم مـنــــــــــــــــــــــــــــــزال)
(الالم منه ولا تجيسه الاذيـــــــــــــــــــــــة)
وفي مقام الأَورفة غنّى هذه الأَبيات
(نور من الله في العلياء يبتســــــــم/ووجه طه قد انجابت به الظلــــم)
(ملائك الارك في رحب السما هتفت/هذا البشير وهذا الطاهر العلــــم)
(يا اشرف الخلق يا نور الاله ومــن/تعتز في ذكره الاجيال والامـــــم)
(انت الملاذ اذا مكروهة نـــــــــزلت/وانت منقذنا ان مسَّنا ألــــــــــــم)
وهذا الزهيري من نظم الفنان شعوبي إِبراهيم غناه السعداوي في مقـــــــام المدمي ..
(ريم الخطفني برمشاته سهم ماضـــــــــي)
(لحشاي طرها وخلاني بسقم ماضـــــــــي)
(مثله ابد منوجد بالحاضر وماضـــــــــــي)
(العيون وسعة وشفت فوق الوجن شاملة)
(ويفوح طيب ومسج لمن يمر شاملـــــــة)
(اهيف عزيز النفس كل الحسن شاملـــــة)
(كامل الاوصاف بعيونه السحر ماضـــــي)
وأخيراً هذا مقام الراشدي بهذا الزهيري.
(يا موطن العرب قلبي هلهتف باسمـــــاك)
(راية ترفرف الك بعز النصر باسمـــــــاك)
(دجلة وفرات ابتسم او شاركت باسمـــاك)
(حبك بقلبي ثبت ملكيت غير وجــــــــــــد)
(غنيت من فرحتي بيك بمسرة وجـــــــــد)
(اهل الشجاعة العرب معلوم ابا وجـــــــد)
(تاريخ يشهد لها وبنيانها باسمـــــــــــاك)
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
هامش1: مقهى الجزائر - إنطلاقا من أن العراق كان من أكبر القلاع القومية العربية على مدى تاريخه الوطني والسياسي، فقد انتشرت الكثير من المسميات باسم الجزائر للامكنة الشعبية والرسمية في عقدي الخمسينيات والستينيات عشية ثورة استقلال الجزائر الحرة. فقد كان الدعم في كل شيء ماديا ومعنويا للجزائر. ليس في العراق لوحده فحسب، وانما في كل الوطن العربي الكبير.
هامش2: في مطلع عام 1973 نبـَّهني احد ابناء محلّـتي ومن اصدقائنا فيها، فاروق قاسم الاعظمي، الذي كان يحترف قراءة الشعائر الدينية ثم اصبح مطربا للمقام العراقي بعدئذ. الى وجود مقهى المتحف البغدادي التي تؤدى فيها حفلات المقام العراقي كل اسبوع بإدارة مطرب المقام العراقي حمزة السعداوي. وقد شجـَّعني وألح عليَّ بالذهاب الى هناك في محاولة لتجربة حظنا في الظهور على مسرح المقهى وغناء احد المقامات العراقية. فذهبنا يوم الثلاثاء 20 /3 /1973. مكثنا في المقهى بعض الوقت ننتظر السعداوي ولكن دون جدوى. وفي محاولة اخرى من فاروق الاعظمي، ألح عليَّ لأعادة الكرة ثانية علــَّنا نلتقي بالسعداوي، فذهبنا يوم الخميس 22 /3 /1973. والتقينا بالسعداوي لاول مرة. وقد قدمني اليه بعض الحاضرين، فأسمعته بعض المقامات العراقية، وكان من ضمنها مقام المخالف، فأبدى إعجابه الشديد بمعرفتي وادائي وقال لي غداً تأتي وتغني مقام المخالف، وهكذا صعدتُ على المسرح لاول مرة في حياتي يوم الجمعة 23 /3 /1973. ومن هذا التاريخ تقرر مصير حياتي..!(الباحث).
صورة 1 / المطرب المقامي حمزة السعداوي.

صورة 2 / في بهو معهد الدراسات النغمية العراقي اثناء احدى زيارات الفنانين الى المعهد عام 1975 يظهر فيها. الجالسون من اليمين عائدة الخطيب والحاج هاشم الرجب وعبد الرحمن خضر ومحمد عبد الجبار ومحمد زكي.الواقفون باسل كامل وفاضل خيوكة وميسان عارف ومختار وحميد وهيثم شعوبي ونبيل وحمزة السعداوي ود. صباح عبد النور وجمال توفيق ورزكار خوشناو وحسين الاعظمي في اقصى يسار الصورة.
