
صورة وتعليق
نبيل يونس دمان
الصورة قديمة ويعود تاريخها إلى عام ١٩٣٦ في منطقة جميلة ومعروفة في جبل القوش وهي كهف الماء (كبّه دمايا – ܓܘܦܐ ܕܡܝܐ) الذي يقع في صدر الوادي تقريباً من وسط البلدة، ويقع بين أماكن أثرية تاريخية منها: مار سهدونا، وشويثهدكناوي، وكبّه سموقا، ومصناعي. إنه قطع صخر مهيب يظلّل مساحة لا بأس بها، ومدخل من مرقى محفور في الصخر الجبلي يبدأ من أسفل الوادي إلى المكان، إنه بأكمله الكهف الأسفل مع الكهف الأعلى مضافاً إليهما الناقوط أو نبع ماء وكأنه الزلال يجري فيه، كمية الماء غير مشجعة ميزته تظهر في الشاي الذي يجهّز فلا أنقى ولا أطيب منه، باقي مصادر المياه هي الآبار التي حُفرت باليد مع مجرى الوديان أو في بعض البيوت.
امتلكت عائلة دمان هذا المكان من مئات السنين وغيره مثل بسقين (شراكة مع ثلاثة عوائل أخرى) وكذلك (قصيله) وهي أرض واسعة في باب وادي كبّه دمايا، وقد أنشئ فوقه طريق مبلّط يربط المركز القديم (قشله) مع مزار مار يوسف المشرف على محلة سينا.
الرجل الذي في الصورة هو شمعون، والده ججوككميخا دمان الملقّب ججو طعّان، نظراً لصبره ونظرته الصائبة لتطوير المكان في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ليكون زراعياً خصوصاً للخضراوات مثل البصل والكرفس والرشاد والفجل والتبغ، وكذلك صيد الطيور خصوصاً الحمام. عمل ججو بكدّ وتعب فبنى حيطاناً بالاشتراك مع أفراد أسرته، وقد رصّ حجارتها بشكل هندسي متقن، ولازالت أكثريتها شاخصة إلى يومنا هذا، وارتفع العلو مناسباً لحجز التراب فيها من الانهيار في الوادي، وتم نقل كميات كبيرة من تربة الوادي على الأكتاف أو باستخدام الدواب. كان العمل الذي قام به ججو وطوّره نسبةً لمن سبقه، فنظرت الناس إلى عمله بإعجاب وأطلقت محلة أودو المشهورة بإخراج الأسماء والنعوت عليه طعّان، وانتشر الاسم كالنار في الهشيم ليصبح ججو طعّان وسرى على أولاده وأحفاده من بعده.
حسب تفسير أحد أحفاده بأن طعّان تعني طعنات إبرة الخياطة بيد امرأة حاذقة، فبعد إنهائها خياطة الشرشف أو النفنوف أو اللحاف، تظهر الطعنات أو المسافة بين ضربة وأخرى متساوية محكمة تمنح الإنتاج رونقه، فشبّهت تلك الحيطان الساندة التي شيّدها ججو وأولاده بطعنات خياطة ماهرة، يبدو أن هذا السبب كان خلف تسمية طعّان على أحد فروع عائلة دمان النازحة من أشيثا – تياري السفلى في حكاري تركيا عام ١٧٤٣.
في عام ١٩٥٤ توفي شمعون طعّان فحلّ محله أخوه دنو الذي كان له من الأبناء: توما، إيسفو، القس يوسف، إسحاق الذي يعيش في ألمانيا، والبنات: شمي وسمرية. أخذ دنو على عاتقه مهمة والده وشقيقه في الاهتمام وإصلاح تلك الحيطان وبرك الماء وتعزيز الأتربة، وحماية المكان من أغنام الرعاة ومن المتطفلين. أنا لحقت عليه في أوائل الستينات وهو شيخ كبير في السن ينقل على كتفه خراج البصل إلى بيته في محلة أودو، وكانت الناس تقبل لشرائه، وكذلك كان يبيع الأبصال الصغيرة المسمّاة محلياً (كسخي – ܟܣܚܝ).
الطريف ذكره هنا، بل وخير ما نختتم حديثنا عن صاحب الصورة الملتقطة في ذلك الكهف الجميل هذه الحكاية:
في أحد الأيام الذي أصبح العم دنو مسؤولاً عن كبّه دمايا، أقبلت زوجته واسمها مسكو ومعها بعض صديقاتها وجاراتها في المحلة، عند وصولهنّ على مقربة أمتار من العم دنو وهو يعمل ويكدح كالعادة، صاحت بأعلى صوتها (بشوبه دبازيبزبوزي، وبشوبه دنشريقبياثه) ومعناه حلّ محل البزاة (جمع باز) البزازين، ومحل النسور البوم. ما إن فهم العم دنو ما تعنيه وسط دهشة صديقاتها، امتلأ غيظاً وركض خلفها وهو يطلق الشتائم فأطلقت رجليها للريح ورجعت إلى البيت، بعد أن رمى بعض الأحجار خلفها دون أن تصيبها.
ملاحظة:
الصورة من أرشيف الصديق جلال فرج كلية، والذي كتب خلفها بخط يده، شكرا ابن عمتي جلال أبو سلوان وقد حفزتني الصورة التذكارية التي عمرها بالضبط القرن من الزمان أي ١٠٠ عام

CaliforniaonNovember 1st, 2026
