للذهاب الى صفحة الكاتب   

خبير النصح لا غير!

صالح مهدي محمد

 

 

اعتاد جبار التدخل في شؤون الناس دون انتظار دعوة أو طلب مشورة؛ فقد اعتبر نفسه مستشارا اجتماعيا متطوعا، يقدم النصائح بلا مقابل، مدفوعا بإحساس دائم بأهمية دوره في إرشاد الآخرين، سواء طلبوا مشورته أم لم يفعلوا. كان يكفي أن يسمع طرفا من حديث حتى يجد لنفسه مكانا فيه، ويبدأ بتوزيع آرائه بسخاء، غير مكترث إن كان المستمع راغبا فيها أم يتمنى الخلاص منها. المهم أن يقول ما يراه مناسبا، وأن يثبت حضوره في كل حكاية، حتى لو لم يكن له فيها سوى فضول عابر.

 

صباحا، وكعادته أحيانا، كان جبار يحضر إلى دكان عيدان المعروف في الحي، حيث اعتاد أن يقضي ساعة تمتد أحيانا إلى أكثر مما ينبغي، وتتقلص أحيانا بحسب ما توفره أحاديث الجالسين من فرص للتدخل.

 

كان رجلان يتحدثان عن شراء منزل، ولم يمض وقت طويل حتى وضع جبار فنجانه جانبا، وانضم إلى الحديث بثقة الخبير:

ـ لا تشترِ الآن، الأسعار ستنخفض قريبا. أنا أعرف السوق جيدا.

سأله أحد الرجلين:

ـ هل لديك مكتب عقاري؟

أجاب جبار دون أن يتردد:

ـ لا، لكنني أتابع حركة العقارات وأعرف متى ترتفع الأسعار ومتى تنخفض.

تبادل الرجلان نظرة سريعة، ثم انصرف أحدهما، فيما عاد الآخر إلى حديث سابق مع عيدان، وكأن شيئا لم يحدث.

 

قال عيدان مستفسرا:

ـ أكمل يا أبا حكيم، أين وصلتم في موضوع زواج ابنك؟ هل وجدتم بنت الحلال؟

أجاب أبو حكيم:

ـ أخبرتك أننا تريثنا قليلا، وبعد أن تعثرت الأمور مع ابنة الأستاذ صلاح، اتجهنا إلى بيت أبي حامد. هم أقارب، وإن كانوا من بعيد، لكن بيننا معرفة قديمة.

وكالعادة، لم يترك جبار الحديث يمر دون أن يضع بصمته عليه، فقال:

ـ الزواج يحتاج إلى اختيار دقيق، وكثير من الناس يفسدون حياتهم بسبب سوء الاختيار. المسألة ليست مجرد توافق عائلي، بل معرفة بطبيعة الطرف الآخر وشخصيته.

ابتسم عيدان وسأله:

ـ وربما كان زواج ابنك مثالا على الاختيار غير الموفق؟

تغير وجه جبار قليلا، ثم أجاب:

ـ الأمر مختلف تماما، المشكلة أنها لم تفهم طبيعة ابني وشخصيته!

 

لم يعلّق أحد، فقد اعتاد رواد الدكان أن تكون حياة جبار سلسلة من النصائح التي يجدها صالحة للجميع، باستثناء صاحبها.

 

وفي يوم آخر، دخل شاب إلى الدكان يشكو خلافا مع مديره في العمل. استمع جبار إليه بإنصات بدا وكأنه يستعد لإلقاء محاضرة، ثم قال:

ـ المشكلة في ضعف الشخصية. الإنسان يجب أن يعرف كيف يفرض احترامه، ولا يسمح لأحد بأن يتجاوز حدوده معه.

ضحك عيدان قبل أن يقول:

ـ كلام جميل، لكنك أنت تركت عملك بعد خلاف مع مديرك!

تبدلت ملامح جبار، وأعاد ترتيب جلسته، ثم قال:

ـ هناك فرق بين أن تترك العمل حفاظا على كرامتك، وبين أن تعجز عن إدارة خلاف مهني. حالتي كانت مختلفة تماما.

ضحك عيدان، فالتفت إليه جبار مستنكرا:

ـ أنت تضحك لأنك لا تعرف أصول التعامل المهني!

 

وفي نهاية الأسبوع، تعطلت سيارة جبار أمام الدكان، فطلب من عيدان مساعدته في دفعها إلى جانب الطريق. وما إن تجمع بعض المارة حول السيارة حتى وجد جبار فرصة جديدة لإظهار خبرته، فراح يشرح لهم أخطاء صيانة السيارات، وأهمية اختيار الميكانيكي المناسب، وضرورة إجراء الفحص الدوري، ثم ختم حديثه بقوله:

ـ المشكلة أن الناس لا تعرف كيف تتعامل مع الأشياء!

سأله أحد المارة وهو ينظر إلى المحرك المفتوح:

ـ وإذا كنت تعرف كل هذا، فلماذا تعطلت سيارتك؟

نظر جبار إلى المحرك، ثم أغلق غطاء السيارة ببطء، وقال بلهجة من يشرح حقيقة علمية لا تقبل النقاش:

ـ المعرفة شيء، والتطبيق شيء آخر!

غادر الرجل مبتسما، فيما عاد جبار إلى دكان عيدان، واستأنف حديثه عن الطرق الصحيحة لتجنب أعطال السيارات، وكأن سيارته لم تكن قبل دقائق شاهدا على فشل نظريته.

 

وهكذا، كان جبار يعرف كيف يختار الناس منازلهم، وكيف ينجحون في زيجاتهم، وكيف يديرون خلافاتهم الوظيفية، وكيف يحافظون على سياراتهم، بل كان يمتلك رأيا جاهزا لكل مشكلة تعترض طريق أحدهم. أما مشكلاته الخاصة، فكانت وحدها خارج نطاق خبرته الاستشارية.

ولم يكن أهل الحي يجهلون هذه المفارقة، لكنهم اعتادوا سماعه حتى صار حضوره جزءا من يومهم، وصاروا أحيانا يطرحون موضوعا عابرا لمجرد معرفة النصيحة التي سيقدمها، أو المشكلة التي سيكتشفها في حياة الآخرين.

وفي الحقيقة، لم يكن جبار يفتقر إلى النصائح، بل كان يعاني فائضا منها، حتى لم يعد يجد وقتا كافيا لتجربة واحدة منها في حياته.