للذهاب الى صفحة الكاتب   

شُكْرًا جَزِيلًا يَا عَنْكَاوَا وَيَا دِيَانَا

مارتن كورش تمرس لولو

محامي وقاص

 

دعونا نعودُ عدّةَ سنواتٍ إلى الوراء كي لا ننسى موقفَ عنكاوا.

شكرًا جزيلًا يا عنكاوا! شكرًا لكِ وأنتِ تفتحينَ ذراعيكِ كي تستقبلي النازحينَ كافة من قرى ومدنِ سهل نينوى. شكرًا أيتها الأمُّ الرؤومُ وأنتِ تحتضنينَ أبناءَ السهلِ في كنائسِكِ، وبين جدرانِ قاعاتِ ضيافتِكِ، وفي بيوتِ أهلكِ. إنَّ موقفَكِ هذا جاءَ جوابًا بليغًا لكلِّ الذين لم يعرفوا كرمَكِ، فلا أحدَ اليومَ بمقدورِهِ أن يُنكرَ حُسنَ ضيافتِكِ. لقد كان معظمُ الوافدينَ والمُهجَّرِينَ من الأطفالِ، أولئكَ الذين قالَ عنهم الرَّبُّ: "أَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ:» دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ«." (متى 19: 14).

 

يَا مدينةً فتحتْ صدرَها وقلبَها قبل أحضانِها لكلِّ (السورياي) النازحين إليها. يا فتاةً رائعةَ الطَّلْعةِ، تقفُ كشقيقةٍ كبرى على طريق استقبالِ شقيقاتِها، يا حنونةٌ تأوي الأحبّةَ في بيوتِها وحدائقِها وقاعاتِها. يا مدينةً استحقّت اليومَ أن نعتَها بأطيبِ نعتٍ، وأن نطلقَ عليها تسميةً تميّزُها بين المدنِ جميعًا. لقد بدتْ عنكاوا في كرمِها أمّاً رؤوماً تستحقُّ أن يخطَّ الوطنُ في حقِّها كلمةَ شكرٍ بقلمِ تاريخِهِ على بوابةِ مدخلِها! فلا أحدَ يملكُ اليومَ أن يُغمضَ عينيهِ عن حُسنِ وفادتِكِ لكلِّ العوائلِ النازحةِ، أولئك الناجينَ من أتونِ نيرانٍ لا ناقةَ لهم فيها ولا جملَ. عنكاوا... أيتها المدينةُ النابضةُ بالمحبّةِ، التي تستحقُّ اليومَ أن يُقالَ عنها:

دَعُونَا لَهَا نَشْكُرْ

وَفِي كَنَائِسِهَا نَحْضُرْ

فِيهَا كَنَائِسُ عَدِيدَاتْ

أَبْوَابُهَا مَفْتُوحَاتْ

عَنْ أَحْوَالِ النَّازِحِينَ سَائِلَاتْ

وَبِالنازحين والمهجرين قَسْرِيًّا، مُرَحِّبَاتْ:

كَنِيسَةُ مَارْ يُوسُفْ، كَنِيسَةُ مَارْ يُوخَنَّا، وَكَنِيسَةُ مَارْ كُورْكِيسْ

وَكَنِيسَةُ مَارْتْ شَمُونِي، وَكَنِيسَةُ مَارْ إِيلْيَا النَّبِيُّ القِدِّيسْ.

 

هيا يا كلَّ النازحينَ نُطلقُ على مدينةِ عنكاوا تسميةً تليقُ بموقفِها النبيلِ! هيا نقفُ معًا ونُهديَها نعتًا يبقى على مرِّ الزمانِ لوحةً فنيةً تُخلّدُ صنيعَها. بلْ إنَّني لأدعوُ شعراءَ سهلِ نينوى أنْ يقيموا مهرجانًا شعريًا سنويًا، يصدحُ فيه كلُّ شاعرٍ بقصيدةٍ، يُعبّرُ فيها عن شكرِهِ وامتنانِهِ لأهلِ عنكاوا، وعن حُسنِ استقبالِهم، واحتضانِهم، وضيافتِهم لكلِّ النازحينَ من أبناءِ شعبِنا. شكرًا يا عنكاوا الجميلةُ.

 

وإذَا بجرسِ هاتفي المحمول (موبايل) يرنُ:

-   ألو. لُطفًا مَن معي على الخط؟

-   أنا قريةُ دِيَانَا! هل نسيتَ قريتَكَ؟ أم نسيتَ مرتعَ طفولةِ والدِكَ "الراقدِ على رجاءِ القيامةِ"؟ أم نسيتَ بيتَ جدتِكِ دَلالي "الراقدةِ على رجاءِ القيامةِ"؟

-   حاشاي أن أنسى قريتي! وإن لم أترعرعْ فيها، لكنَّ دومًا الأصل يربط الفرعَ به؛ فهل ينسى الطفلُ حضنَ أمه؟ أم يرفض الرضيعُ حليبَ صدرِها؟

-   معكَ رابي قاشا، يترون.

-   على الرَّحبِ والسَّعةِ، جميلٌ أن أسمعَ صوتَهُ.

-   سأتركُهُ معكَ.

-   تفضل رابي قاشا يترون، أهلًا وسهلًا. بل دعني أقفُ لكَ احترامًا وأنا أُكلمكَ عبر الهاتفِ وإن بَعُدت بيننا المسافات. لا يمكنني أن أنكرَ ضيافتكم لأكثر من 500 نازحٍ حلّوا ضيوفاً على كنيستكم؛ فليكن الله في عونكم، وليباركْ خطواتكم وجهودكم. أشكر الله لأنني كنت شاهداً على عملكم الخيري من أجل النازحين من أبناء سهل نينوى، وبالذات من مدينة بغديدا. لا أحدَ يقدر أن ينكرَ عملكم الإنساني؛ فهل يقدر شاهدُ عيانٍ أن ينكرَ ما أبصرته عيناه؟ أنا هو ذلك الشاهدُ الذي عاينَ بأمِّ عينيه صنيعكم الخيري. الرَّبُّ يبارك عمل أيديكم جميعًا، ومعكم لجنة الكنيسة الـ(صيتا). إن القلم يقف احتراماً لعملكم الخيري؛ فما تقومون به في دِيَانَا من حسن ضيافة لأهلنا النازحين والمهجرين، لهو عمل يقف الكلام عاجزًا عن وصفه، لكن الخاطرة تتكلم:

أَنَّهَا قَرْيَتُنَا دِيَانَا

المَحَبَّةُ فِيهَا عُنْوَانَا

عَلَى جُدْرَانِهَا كَتَبْنَا أَسْمَاءَنَا

فِي قِمَّةِ جَبَلِهَا سَكَنَتْ أَحْلَامُنَا

تَحْتَ ظِلِّ أَشْجَارِهَا جَلَسْنَا

لِزَقَازِقِ البَلَابِلِ أَصْغَيْنَا

دِيَانَا... دِيَانَا...

فِيكِ تُصَانُ كَرَامَةُ الإِنْسَان

 

مع شكري لكلِّ الجهودِ التي تُبذلُ من أجلِ تقديمِ الخدمةِ الإنسانيةِ لكلِّ النازحينَ من سهلِ نينوى.