
أمريكا الأخرى بوجه اللوبيات: حين أعادت غزة صياغة المشهد السياسي الأمريكي
نوال عايد الفاعوري
أراد العالم أن يغير غزة، فإذا بغزة تغير العالم، وتوقظ ضمائر الشعوب من سباتها الطويل. لم تكن الحكاية مجرد حرب على أرض محاصرة، ولا مجرد مواجهة عسكرية انتهت أو تتواصل فصولها، بل تحولت إلى زلزال أخلاقي وسياسي تجاوز حدود الجغرافيا، وبدأت ارتداداته تظهر في عواصم القرار، وفي صناديق الاقتراع، وفي بنية الأحزاب التقليدية نفسها.
ما نشهده اليوم ليس مجرد عودة للديمقراطيين، ولا مجرد تراجع للحزب الجمهوري أو لتيار ترامب. إنه، في أحد وجوهه، تراجع لنفوذ المنظومة السياسية التي جعلت تأييد إسرائيل شرطا من شروط العبور إلى مواقع النفوذ، وتحول ذلك التأييد تدريجيا من رصيد انتخابي مضمون إلى عبء يواجه أصحابه بأسئلة الناخبين واعتراضات الأجيال الجديدة.
هذه بعض نتائج غزة. دمها لم يغير المعادلة في المنطقة وحدها، وطوفان السابع من أكتوبر لم يتوقف أثره عند حدود المواجهة العسكرية.
في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، حين انفرد ترامب بجو بايدن، كان الحزب الديمقراطي يعيش واحدة من أسوأ لحظاته السياسية انقسام داخلي، صدام بين أجنحته، وارتباك واضح في مواجهة المد الشعبوي الجمهوري. ولم تكن ضحكة كامالا هاريس الصاخبة كافية لتدارك الهزيمة.
لكن الأحزاب الحقيقية لا تموت بهزيمة انتخابية، ولا تختزلها نتيجة صندوق اقتراع. إنها مؤسسات قادرة على استيعاب الخلافات، وإعادة ترتيب أوراقها، وتحويل الهزائم إلى محطات للمراجعة واستعادة المبادرة.
في الولاية الأولى لترامب، تجاوز الديمقراطيون صدمة خسارة هيلاري كلينتون، وعادوا في انتخابات التجديد النصفي لينتزعوا مجلس النواب، لتبدأ مواجهة مفتوحة بين ترامب ورئيسة المجلس نانسي بيلوسي. يومها لم تتردد بيلوسي في تمزيق نسخة من خطاب الرئيس أمام الكاميرات، في مشهد اختصر طبيعة الصدام بين المؤسسة الديمقراطية والبيت الأبيض.
واليوم يعود الحزب الديمقراطي إلى واجهة المشهد، ولكن في ظل تحولات أعمق من مجرد تبدل المواقع الانتخابية.
فهناك تيار تقدمي ظل طويلا محاصرا داخل الحزب، ينمو على هامشه، قبل أن يتحول إلى قوة سياسية وفكرية يصعب تجاهلها، خصوصا بعد السابع من أكتوبر.
إنه تيار يحمل تصورات مختلفة لأمريكا لا تنطلق من حسابات وول ستريت وحدها، ولا ترى في السياسة مجرد إدارة لمصالح أصحاب الثروات والشركات الكبرى.
إنه يطرح أسئلة العدالة الاجتماعية والرعاية الصحية، وحقوق الفقراء والمهاجرين والمهمشين، ويعيد الاعتبار إلى القضايا الإنسانية بوصفها جزءا من السياسة الداخلية والخارجية.
ولعل أبرز رموزه السيناتور بيرني ساندرز، الذي أسهم في ترسيخ هذا الاتجاه، إلى جانب وجوه شابة مثل ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، التي نقلت خطاب العدالة الاجتماعية من هامش النقاش الحزبي إلى قلبه.
هذا التيار لا يرى أن أموال الأمريكيين ينبغي أن تذهب بلا مساءلة إلى تمويل الحروب، ولا أن تكون حماية إسرائيل أولوية تتقدم على احتياجات المواطن الأمريكي. ومن هنا أصبحت القضية الفلسطينية جزءا من نقاش أوسع حول طبيعة الدولة الأمريكية، وحدود نفوذ جماعات الضغط، والعلاقة بين المال والسياسة والأخلاق.
إنها أمريكا الأخرى أمريكا التي لا تظهر في واجهات البورصات وناطحات السحاب، ولا في الصورة اللامعة التي تصنعها هوليوود. أمريكا الفقراء والمهاجرين والعمال والشباب، الذين يبحثون عن الرعاية والعدالة والفرص، ويتساءلون عن جدوى إنفاق مليارات الدولارات على الحروب، بينما تتفاقم أزماتهم المعيشية في الداخل.
ولعل التحول الأبرز أن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لم يعد بالضرورة عبئا انتخابيا كما اعتادت المؤسسة السياسية التقليدية تصويره، وأن تهمة معاداة إسرائيل لم تعد قادرة وحدها على إسكات كل صوت ينتقد سياساتها أو يرفض الاحتلال.
"إنه يكره إسرائيل، إنه يكره اليهود".
هكذا دأب ترامب على مهاجمة خصومه، مستخدما الخلط بين انتقاد إسرائيل ومعاداة اليهود، في محاولة لتحويل الخلاف السياسي إلى اتهام أخلاقي. لكن هذه اللغة تواجه اليوم جمهورا مختلفا، لم يعد يقبل أن توضع حقوق الفلسطينيين في مواجهة حقوق اليهود، أو أن يصبح انتقاد سياسات دولة ما جريمة سياسية.
ولعل تجربة الطبيب وعالم الأوبئة عبد الرحمن السيد، ابن المهاجر المصري، في انتخابات حاكم ولاية ميشيغان عام 2018، تكشف بعض ملامح هذا التحول. فقد خاض معركة انتخابية مهمة، وحظي بدعم بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، لكنه لم يتمكن من الفوز ربما كانت الظروف السياسية والاجتماعية آنذاك مختلفة عن واقع اليوم، حين لم تكن القضية الفلسطينية قد احتلت المساحة نفسها في الوعي العام الأمريكي.
أما اليوم، فإن التيار التقدمي لم يعد مجرد جناح معترض داخل الحزب الديمقراطي، بل أصبح طرفا في صراع أوسع مع المؤسسة التقليدية، ومع منظومة المال والنفوذ، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك" ، التي ظلت لعقود تتمتع بتأثير واسع في الحياة السياسية الأمريكية.
ولم تعد المسألة تتعلق بالمال وحده بل بقدرة هذا المال على شراء المواقف وتحديد سقف النقاش العام.
فالأجيال الجديدة باتت تطرح أسئلة لم تكن مألوفة بهذا الوضوح:
لماذا ينبغي أن تكون إسرائيل استثناء من قواعد المحاسبة؟
لماذا تتقدم مصالحها على أولويات الأمريكيين؟
هل يمكن للولايات المتحدة أن تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما تتبنى سياسات تتعارض مع هذه المبادئ؟
وتختصر تجربة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز جانبا من هذه التحولات حين خاضت انتخابات الكونغرس للمرة الأولى وواجهت جو كرولي أحد أبرز وجوه المؤسسة الديمقراطية بإمكانات مالية متواضعة وبحملة اعتمدت على التواصل المباشر مع الناس وكانت رسالتها واضحة: لا يمكن هزيمة رأس المال الكبير بمنافسة أصحاب المال في قواعد لعبتهم بل بنقل المعركة إلى ميدان مختلف ميدان الناس والعدالة الاجتماعية.
وهذا ما فعلته. لم تكن تملك ماكينة سياسية ضخمة، لكنها امتلكت خطابا استطاع أن يخاطب شرائح شعرت طويلا بأن السياسة لا تمثلها.
إنه أثر الفراشة ذلك الأثر الذي لا يراه كثيرون في بدايته، ولا يدركون كيف يمكن لرفرفة جناح صغير أن تترك في مكان بعيد وزمن لاحق، عاصفة تتجاوز حدودها الأولى.
وقد ظهرت بعض هذه الرفرفات في صعود زهران ممداني الذي أحدث فوزه بمنصب عمدة نيويورك تحولا لافتا في المشهد السياسي، وفتح الباب أمام نقاش جديد حول قدرة الخطاب التقدمي على مواجهة نفوذ المليارديرات والمؤسسات السياسية التقليدية.
لكن الفراشة الأكبر والأعمق أثرا كانت غزة
في السابع من أكتوبر خرجت غزة من حدود الجغرافيا المحاصرة لتصبح حاضرة في ضمير العالم.
ومع اتساع العدوان الإسرائيلي لم تعد فلسطين مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية الأمريكية، بل تحولت إلى امتحان أخلاقي للمؤسسات والأحزاب، وكشفت فجوة واسعة بين الشعارات التي ترفعها الديمقراطيات الغربية والمواقف التي تتخذها حكوماتها.
كان الشباب الأمريكي في قلب هذا التحول. في الجامعات والشوارع والساحات العامة، ظهرت موجة احتجاجات واسعة، وأصبح السؤال عن فلسطين جزءا من النقاش السياسي والاجتماعي داخل الولايات المتحدة ولم يعد ممكنا تجاهل الفجوة بين الرواية الرسمية وما يشاهده الناس من صور الدمار والضحايا في غزة.
وهنا تكمن أهمية ما يجري فالمسألة ليست أن الأمريكيين أصبحوا جميعا على موقف واحد، ولا أن المؤسسة السياسية التقليدية فقدت نفوذها، بل إن احتكارها السابق لتعريف المصالح الأمريكية وتحديد المواقف المقبولة بدأ يواجه تحديا متزايدا. لقد دخلت القضية الفلسطينية إلى صلب النقاش الداخلي، وأصبحت مواقف السياسيين منها موضع مساءلة شعبية وانتخابية.
إننا أمام أمريكا تتغير أسئلتها، وتعيد قطاعات من مجتمعها النظر في علاقتها بالمال والسلطة والحروب، وفي معنى العدالة والديمقراطية. أمريكا الفقراء والمهاجرين والشباب، وأولئك الذين لم يعودوا مستعدين لقبول أن تكون مصالحهم رهينة حسابات الآخرين.
لقد أراد العالم أن يغير غزة، فإذا بغزة تكشف للعالم تناقضاته، وتعيد ترتيب أولوياته، وتوقظ في ضمائر الشعوب أسئلة ظن أصحاب النفوذ أنها ماتت إلى الأبد.
قد لا تكون غزة قد غيرت موازين القوى بعد، لكنها غيرت كثيرا من موازين الوعي، وهذا بحد ذاته تحول لا يمكن الاستهانة به.
فالتاريخ لا تصنعه دائما العواصف الكبرى وحدها. أحيانا تبدأ التحولات من مكان صغير ومحاصر، ومن صرخة لا يسمعها أصحاب القوة في البداية، ومن جناح فراشة يرفرف بعيدا عن مراكز القرار، قبل أن يكتشف العالم كله أن اتجاه الريح قد تغير.
تلك هي غزة.. جرح في الجغرافيا، وزلزال في السياسة، وأثر فراشة في ضمير العالم.
