للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1511)

مقاميون بلا حدود/ 21

عبد الرحمن العزاوي مقاميٌ لم ينصفه النقاد (1928–1984)

 

ملف خاص عن مطرب المقام العراقي عبد الرحمن العزاوي. من كتابي (الطريقة القبانجية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في كانون ثاني 2009.

 

        رغم الشهرة التي إكتسبها وحققها كل من المطربيـْن المقامييـْن عبد الرحمن خضر وحمزة السعداوي من خلال أدائهما للمقامات العراقية، والتي فاقت شهرة معاصرهما المطرب الكبير عبد الرحمن العزاوي..! إلا أن كليهما لم يصلا الى المستوى الفني والتقني في الأداء المقامي كالذي وصل اليه المطرب عبد الرحمن العزاوي..!

       نشأ مطربنا الكبير عبد الرحمن العزاوي في (محلة الخالدية) من بغداد. حيث ولد فيهاعام 1928.وهو أحد الاربعة الابداعيين الكبار الذين اخترتهم من مغني المقام العراقي في القرن العشرين بعد إستاذهم المبدع الأكبر ومثيرهم الاول محمد القبانجي، وهم (حسن خيوكة (1912-1962) ويوسف عمر (1918-1986) وناظم الغزالي (1921-1963) وعبد الرحمن العزاوي (1928–1984). وقد خصصت كتاباً خاصاً بهذا الصدد أسميته (الاربعة الكبار في المقام العراقي) طبع في وزارة الثقافة بالعاصمة الجزائرية عام 2007، ومنذ فتوّة وشباب عبد الرحمن العزاوي، إستفاد كثيرأً من تعلـُّمه في الملّا (الكتاتيب)(هامش1) مما ساعده ذلك على تقويم لغته النحوية ولفظه للكلمات والحروف العربية بصورة جيدة وإدراكه لمعاني وأهمية الشعر المُغنّى وتوضيح الكلام في الناحية اللفظية. وتعلَّم من والده الذي كان يملك محلاً للخياطة يجتمع فيه الكثير من مُؤدّي ومُحبّي المقام العراقي ليصبحَ ملتقىً للوسط المقامي كالمطرب المقامي رشيد القندرجي والمقامي نجم الشيخلي والمقامي عباس كمبير وغيرهم.

 

بـدايتُـه الفـنيّة

         أكمل عبد الرحمن العزاوي المدرسة الابتدائية والمتوسطة، ثم أخذ يتردد على الأمكنة التي تمارس فيها الشعائر الدينية من تلاوةٍ للقرآن الكريم أو المدائح والمناقب النبوية الشريفة والتهاليل والاذكار. للتلذذ بسماعها وتعلـُّمها. ثم مارسها عملياً بصورة إحترافية. وأتذكر أنني شاركتُ معه أكثر من مرَّة في هذه المناقب النبوية، ومنها كانت بمعية الملاّ بدر الاعظمي في منقبة نبوية أُقيمت في بيت الصديق العزيز عبد الخالق العزاوي (رحمه الله) أو أحد أقرباء السيد عبد الخالق في الأعظمية قرب رأس الحواش خلف سينما الأعظمية عام  1975. وقد قمتُ بتسجيل هذه المنقبة النبوية الشريفة حينها وما زلت محتفظاً بالتسجيل..! ورغم ذلك فقد بدأت مسيرته الفنية على صعيد الفن بالتمثيل ونظم الشعر..! وليس بالغناء..! إذ عمل مع بعض الجمعيات من خلال فرقها الفنية كجمعية النهضة الفنية وجمعية مجاهد وجمعية انصار التمثيل والسينما. ويقال انه شارك في حفلة مع المطرب الكبير ناظم الغزالي عام  1959. ولكنه لم يبدأ رسمياً في تسجيل المقامات العراقية في دار الاذاعة العراقية إلا في عام 1963 عن طريق الخبير المقامي الحاج هاشم الرجب. فكان مقام الراشدي أول المقامات العراقية التي سجّلها في الاذاعة بكلام هذا الزهيري.

 (بهواها شفت العجب من يوم خلتنــــــــــــــي)

(بفنونها والحسن ياربي خلتنــــــــــــــــــــــي)

(بين الحيا والامل والموت خلتنـــــــــــــــــــي)

 

                        (حاير صرت يا ترى بين الجفا وامـــــــــــان)

                        (متعاهد اويا الولف باقسامنا وامـــــــــــــان)

                        (بعد الحلف والقسم يمته الوصل وامـــــــان)

 

(بلكي يعود الهنا يا قلبي خلتنــــــــــــــــــــي)

 

ومنذ هذا التاريخ بدأت مسيرة المطرب الكبير عبد الرحمن العزاوي على المستوى الاعلامي بصورة منتظمة، حيث سجّل العديد من المقامات العراقية سواء في الاذاعة أو التلفزيون حتى وفاته يوم(1 آذار 1983) رحمه الله.

 

رؤيتُه المقامية الفنية

         إنَّ المطربَ الكبير عبد الرحمن العزاوي خيرُ حالة تقدم للفحص والإختبار في تاريخ غناء المقام العراقي. وإن أداءه المقامي في تسجيلاته الاذاعية والتلفزيونية، يعبـِّر تماماً عن شخصيته وحياته. فتعابيره توحي بتجاربه، إذ كان يرى أن فن أداء المقام العراقي إنما يتطلب منه ترتيب المواد الاولية والعناصر المكونة للشكل المقامي بأُصوله ومساراته اللحنية التقليدية. وهكذا إكتسبت تسجيلاتُه المقامية صوراً نموذجية في الأداء ودقة ترتيب وتوزيع الأُصول والمواد المقامية بصورة متناسبة داخل غنائه للمقام العراقي المغنى..! أي أنه كان يصمم في ذهنه وأحاسيسه ورؤيته، الشكل الذي يراه نموذجياً تاريخياً لغناء المقام العراقي أو المقامات العراقية بصورة عامة. إذ توحي لنا بأن ما نسمعه نماذج جيدة ومبسطة لعموم المقام العراقي. وقد ثبتَ لديه خطأ الاداء من قبل بعض المغنين مرَّة بعد اخرى، بما يمارسونه من إنتهاكات للشكل المقامي والتلاعب بأُصوله التاريخية..! ودعا الى الاخلاص في إنكار الذات بالمحافظة والالتزام بالشكل المقامي الرصين. وقد إنساق مطربنا الكبير عبد الرحمن العزاوي الى معادلة بسيطة، هي(الحب + الرغبة + الإخلاص) أساساً وقبل كل شيء لموسيقى وغناء المقام العراقي. والحاجة الملحة والمتزايدة الى التعابير الجميلة في مضامين الاداء المقامي والتجارب التي تبعث في النفس قدراً أكبر من الارتياح..! وهناك إعتبار آخر، لاشك أن مطربنا العزاوي وجد الادلة عليه من خلال نجاحه في اداء المقام العراقي، فـــدعا الى معادلته إعتماداً على تجربته الفنية الخاصة.

 

ثقافة ُعبد الرحمن العزاوي

        إكتسب عبد الرحمن العزاوي ثقافة عامة متوسطة..! فأعطى جُلَّ إهتمامه لغناء المقام العراقي ونظم الشعر وطرح الملاحظات الفنية و(النقدية الجارحة) في أغلب الاحيان هنا وهناك، ولكن بعض هذه الملاحظات النقدية الجارحة كانت على درجة جيدة من صحة الملاحظة..!! وكان من حيث الواقع في وضع يساعده على الإفادة من هذا الاهتمام وهذا الاخلاص. لكنه كان ذا شخصية غريبة..!! فقد كان تفكيره غير طبيعي، ويعتقد أن الجن تكلمه..! ومن ناحية اخرى فقد كان لسانه سليطاً على معاصريه من المؤدين، كذلك لم يتميـَّز بالتواضع إلا في مرَّة واحدة إذ قال(لا وجود لأي مطرب في العالم غير أنا وأم كـلثوم..!!) وإشارته هنا لأم كلثوم تعتبر تواضعاً منه..! فقد كان يرى نفسه وحيداً في الغناء لا يُضاهيه فيه أحد..!! ومن جانب آخر فقد كان من الوجهة النفسية لا يحب أن يصبح غنيـَّاً..! ليس تزهـُّداً، وإنما يتلذَّذ كما يبدو عندما يكون لا يملك شيئاً..!! فهو لا يعمل ولا يرغب في ذلك..! واذا أوجد له بعض الاصدقاء المحبين عملاً، فإن نَفَسَهُ قصير فيه، إذ سرعان ما يتركه ليعود الى الإفلاس..!! وفي إعتقادي أنه لو كانت شخصيته طبيعية ومتـَّزنة، لأصبح ظاهرة كبيرة جداً في تاريخ اداء المقام العراقي، أو رُبَّما ظاهرة عصره على الأقل. إن له إمكانيات ومواهب طيبة، لكنه أضاع منها الكثير، نتيجة شخصيته المربكة. فقد كانت لديه إضافة الى إمكانياته الادائية، البصيرة الجيدة والرؤية الثاقبة في معرفة أُصول المقام العراقي. ووفرة في الحماسة التي تميـَّز بهما في خدمة غناء المقام العراقي. ومع كل مقومات هذه الشخصية ورغم كل ذلك، فقد كسب عبد الرحمن العزاوي جمهوراً ينصتُ لصوته ويقتني تسجيلاته المقامية وإزدادوا إعجاباً كلما أدّى في حفلة من الحفلات..!!

 

تسجيلاتُه في الاستوديو والمسرح

       بعض الغرابة في الأمر..! هي حينما نستمع الى التسجيلات المقامية التي سجَّلها عبد الرحمن العزاوي في ستوديوهات دار الاذاعة العراقية، نراها سريعة الاداء ومبالغ في إختصارها على غير ما نعهده في أداء عبد الرحمن العزاوي في أمكنة أخرى غير الاستوديو..! وكأنها سجلت كنماذج مقامية تقليدية توثيقية..! ورغم أننا لا نعرف شيئاً عن ظروف تسجيلها، لكنها ملاحظة موجودة. لكننا أيضاً نستطيع أن نتحدث عن بعض مقاماته، فهذا مقام العجم عُشَيْران الذي يغني فيه عبد الرحمن العزاوي قصيدة لتقي الدين السروجي، حيث نلاحظ التتابع الذي يبدو سريعاً ومكثفاً في بنائِه للجُمل الأدائية لهذا المقام الرئيسي.

 (انعمْ بوصلِكَ لي فهذا وقــــــــــــــــــــــتُهُ/يكفي من الهِـِجران ما قد ذقــــــــــــتُهُ)

(أنفقتُ عمري في هواكَ وليتنـــــــــــــــي/أُعطى وصولاً بالذي انفقـــــــــــــــــتُهُ)

(يامن شُغِلْتُ بحبهِ عن غيــــــــــــــــــــرهِ/وسلوتُ كل الناسِ حين عشِقــــــــــتُهُ)

(كم جال في ميدانِ حبِكَ فـــــــــــــــــارسٌ/بالصدقِ الى رضاكَ سبقــــــــــــــــــتُهُ)

(قال الوشاةُ قد ادعى بك نســـــــــــــــــبةً/فسررْتُ لما قالَ قد صدقــــــــــــــــــتُهُ)

(بالله إن سألك عـــــــــــــــــــــني قـــل له/عبدي وملــــــــــــــك يدي وما أعتقته)

(أو قيل مشتاق إليك فـــــــــــــــــــقل لهم/أدري بــــــــــــــــــذا وأنا الذي شوقته)

 (يا حسن طيف من خيــــــــــــالك زارني/من عظم وجــــــــــــــدي فيه ما حققته)

 (فمضى وفي قـــــــــــــــــــلبي عليه حسرة/لو كان يمكــــــــــــنني الرقاد لحقته)

 

بعضُ الملاحظات الفنية

         نرى أن أداء عبد الرحمن العزاوي لهذا المقام الرئيسي كشأن المقامات العراقية الأُخرى، أداءاً سريعاً وكأنه نموذج لأداء الشكل المقامي يصلح أن يكون تعليمياً. إضافة الى أن هناك نقصاً في الأداء الأُصولي من حيث الشكل التقليدي لهذا المقام، فجلسة المقام الواقعة  قبل(الميانة)(هامش2)الاولى لم يؤدِّها بشكلها الكامل..! فقد كان فيها تقصير من حيث الأُصول التقليدية. وتكرر ذلك مرَّة اخرى في التسليم حيث يعاد مسار لحن الجلسة ثانية في نهاية المقام ليعتبر موقعها هنا(تسليم) المقام. وقد كان هذا التسليم فرصة لتلافي النقص الذي حصل له في المرَّة الاولى في موقع الجلسة، ولكنه لم يفعل ذلك. والحق أن هذا النقص غير معهود في أداء عبد الرحمن العزاوي للمقامات العراقية بصورة عامة ونادر ايضاً في تسجيلاته. فهو مطرب تقني في صدد أداء الشكل وتطبيق الأُصول المقامية العراقية التقليدية ولا يُعاب عليه.

وعندما نستمع الى تسجيل (الشعر مع الابوذية) نراها سريعة وفي نفس المنحى.

 (لا جزى اللهُ دمعَ عينيَ خيــــــــــــــراً

                                         وجزى اللهُ كلَ خيرٍ لســــــــــــــــــــــــاني)

(باحَ دمعي فليسَ يكتمُ ســـــــــــــــــراً

                                          ورايتُ اللسانَََ ذا كتمــــــــــــــــــــان)

(كنتُ مثلَ الكتابِ اخفاه طـــــــــــــــيرٌ

                                          فاستدلوا عليه بالعنـــــــــــــــــــــــــــوان)

 

(كتم السر لساني يروم ســـــــــــــــــــراي)

(اودمعي للذي منهم ســـــــــــــــــــــــراي)

(كتاب او جنت مطوي افضح ســـــــــراي)

(الدمع لمن غدة عنوان الـــــــــــــــــــــيه)

 

        وهناك مقامات عراقية أُخرى على هذه الشاكلة، كمقام الجهاركاه ومقام الصبا ومقام الشرقي رست الذي ترافقه فيه فرقة الجالغي البغدادي (هامش3) حينما يقول في مطلع الزهيري.

 (يامن جمالك حوى حسن الورود وجـــــله)

(والبدر امسى لوجهك بالشعاع او جــــــله)

 

 

    في حين أنَّ نفسَ هذا المقام(الشرقي رست) الذي أداه برفقة فرقة(التخت البغدادي)  المُكوَّن من فرقتي الجالغي البغدادي وبقية الآلات العربية. قد تفنن في أدائه لهذا المقام، وأعطاه روحاً تطريبية جميلة، ومثل هذه التسجيلات الجميلة المسجلة في الاستوديو قليلة لديه، لأن غالبية تسجيلاته في الاستوديو تبدو مقتضبة، وهذا هو مقام الشرقي رست المُغنّى بهذا الزهيري مع التخت البغدادي.

 (يامن عليك الدمع فوق الوجن ليــــــــله)

(سهران بجفاك ما ضكت الكرى ليــــــله)

(ارجوك فد يوم زور امتيمك ليـــــــــــله)

 

                     (واتشوف نارك توج بين الحشا والــــــراي)

                     (واعليك دمعي يكت شبه المزن والــــــراي)

        (لتلومني لو ذهب مني العقل والـــــــــــراي)

 

(مجنون قبلي ابتلى وجن بهوى ليــــــله)

 

         وكذلك الأمر في مقام الحكيمي عندما يؤديه مع فرقة التخت البغدادي ايضاً، إذ نرى أن البناء الادائي والمزاجي جيد، حيث يوحي لنا عبد الرحمن العزاوي بأن العطاء الصوتي لموسيقى التخت البغدادي يروق له. ويمنحه مزاجاً أفضل..! وهذا هو كلام الزهيري في مقام الحكيمي لكاتبه محمود الخطاب.

 (يامن محياه حياه البدر وانظـــــــــــــــــــام)

(مكنون ثغره سبه الليلو بحسن وانظـــــــام)

(واسى سبيل الرضى بتصدني وانظـــــــــام)

 

                  (واني عليك بحياتي الغالية ماظـــــــــــــــــن)

                  (حبك بكبدي ماض السهم ماظـــــــــــــــــــن)

                  (ترضى بضيم او ظلم اقضي العمر ماظـــــن)

 

(حاشاك ترضى بودادك انظلم وانظـــــــــــام)

 

         إنَّ هذه التناقضات المزاجية موجودة في تسجيلات المقامات العراقية لدى بعض المُغنّين المقاميين المعاصرين، فالنظر إليها من زاوية تقييم نهائية شيء في غير محله..! وأعتقد أنه يمكننا الحديث عن مقامات عبد الرحمن العزاوي العراقية بإيجابية صريحة ونحن مطمئنون، عندما يتعلق الأمر بشأن حفلاته على المسارح وأمام الجمهور، حيث يكون العزاوي في ذروة مزاجه الادائي..! إذ يتفاعل مع الجمهور ويتفاعل معه الجمهور بقوة..! ولا أنسى تلك اللحظات الخالدات التي كنا نجلس فيها على خشبة مسرح المتحف البغدادي اوائل السبعينيات مع آخرين من المُغنّين المقاميين ينتظرُ كلّ منـّا دورَه في الغناء في الجمعة من كل أسبوع، وإستمع إليه عندما يأتي دورُه، ومرَّة غنى مقام الحجاز ديوان بأُسلوبه التعبيري الذي يعجز الكلام عن وصفه وجماله وكأنَّني أستمعُ اليه في كل لحظة حتى يوم الناس هذا..! هكذا كان عبد الرحمن العزاوي على المسرح وهو يواجه الجمهور، غالباً ما ينقلنا الى جوِّ عالمٍ خياليٍ مُهيب، بتعابير تعجز الكلمات عن وصفها..!! فقدرة عبد الرحمن العزاوي في التَّفّنُّنْ بأداء المقام العراقي وتعابيره الجميلة، تتجلَّى عندما يؤدي ذلك على المسرح وأمام الجمهور في أغلب الأحيان.

 

في أُسلوب غنائِه

        على كل حال، اذا تأملنا الآن فيما تركه لنا عبد الرحمن العزاوي من تسجيلات غنائية مقامية. ندرك انه من أتباع(الطريقة القبانجية)، رغم أنه لا يرضى إطلاق هذه الصفة عليه..! ويقول تبجحاً بأنه تعلَّم من والده، في حين أن والده لم يكن معروفاً في هذا المجال، فضلاً عن أن أُسلوبَ غنائِه مُستقى بصورة كبيرة وواضحة من الطريقة القبانجية. هذا بالرغم من أنه تميَّز بأسلوب خاص إهتم من خلاله بالشكل المقامي التقليدي وبمضمون تعبيري جميل أقرب الى التعابير الروحانية والدينية..! ولكنه لا يخرج عن طوق الطريقة القبانجية. ورغم أن العزاوي يرفض القول انه من أتباع الطريقة القبانجية كما قلنا، إلا أنه لا ضيرَ في ذلك، فشأنه شأن معظم المغنين الذين يدَّعون بأنَّ طرُقَهُم هي من إبتكاراتهم الخاصة..! في حين أن حقيقة الأمر غير ما يقولون..!!

 

بعضٌ من آرائهِ

         في حوار صحفي أُجري مع المطرب عبد الرحمن العزاوي، حاوره فيه الناقد الموسيقي الكبير عبد الوهاب الشيخلي، نُشر بجريدة العراق في العدد 1019 صفحة 8 في عام 1979. حيث سأله الناقد الشيخلي.

      هل إستطعت أن تحقق طموحاتك من خلال نشاطاتك في المتحف البغدادي..؟

       أجاب عبد الرحمن العزاوي بالنفي. والسبب في ذلك ضعف الإعلام وقلة الحفلات الشهرية والتي لا تتجاوز الأربع حفلات، تبدأ من الساعة الرابعة عصراً ولغاية الساعة السادسة من مساء كل يوم جمعة. يحضرها عدد محدود من الناس.

       وعن المساهمين من  مطربي المقام العراقي في هذه الحفلات الأُسبوعية..؟

       أجاب. محمد العاشق وعبد الرحيم الاعظمي وابو عبد البغدادي وعلي ارزوقي.

       سؤال آخر، من تسمع من المغنين العراقيين والعرب..؟

       أجاب العزاوي. إنني أستمع الى كثير من المغنين العرب، وبنفس الوقت أنا من أشد المعجبين بصوت المطربة أنوار عبد الوهاب حالياً، لأنها تحمل في طيات حنجرتها ملامح المطربات العراقيات اللّواتي عـُرفن بعذوبة الصوت وقوة الأداء.

 

        إن مطربنا الكبير عبد الرحمن العزاوي وكما قلنا كان مُغنياً مقامياً تقنياً، وقد كان يميل الى التقليدية في أداء الشكل المقامي وينفر من التجديد فيه. وأتذكـَّر مرَّة من المرَّات كنا سوية في إجتماع فني في دار الاذاعة والتلفزيون لمغني المقام العراقي أداره مدير المنوعات الفنان المعروف طالب القرغولي، وفي سياق كلام المطرب عبد الرحمن العزاوي وهو يتحدث في الاجتماع، جاءت بعض الكلمات إشارة عنّي حيث قال(إنَّ حسين الأعظمي مطرباً مجدداً..!) فكانت هذه الاشارة السريعة نقدية ولا يقصد فيها المديح، أو شبه بذلك..!فهو لا يرضى بالتجديد،  في حين كانت بالنسبة لي أن هذا الكلام يعتبر إعترافاً بخصوصية منهجي الغنائي ومن مطرب لا يرضى على أحد غير نفسه، وبالتالي ولـَّـدَت عندي  شعور بالإرتياح رغم مقاصد نقدها.

         على الإجمال، فإن عبد الرحمن العزاوي بامتلاكه موهبة أصيلة في التعبير المبتكر، أنتج نسبة لا بأس بها من تسجيلات مقامية أُعتبرت له نجاحا فنياً بحق. وتاريخاً جيداً في هذا المجال. وبالإجمال تظل تسجيلاته في الحفلات أفضل أعماله، حيث لم تكن معظم تسجيلاته الاذاعية أو التلفزيونية في الاستوديو بمستوى تسجيلاته في الحفلات المسرحية وأمام الجمهور. إن المرء يكتشف فيه مؤدياً مرموقاً ذا شخصية مثيرة ميتافيزيقية ولو أنَّها مهزوزة..!! وفي النهاية فإنها حقيقة عبد الرحمن العزاوي، ومع ذلك فإن المرء في الوقت نفسه، يأسف لهذه الموهبة المهدورة..! لأن عبد الرحمن العزاوي بمقدرته الفطرية والعفوية وموهبته وبالمادة التي حفظها من تراثه الغنائي، يمتلك مزيجاً كان من الممكن أن يبني عليه مستقبلاً أدائياً فذَّاً في غناء المقام العراقي ولأصبحَ ظاهرة َعصره.

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

هوامش

هامش1:الكتاتيب : مرَّ ذكرها وشرحها ..

هامش2: انظر شرح عناصر الشكل المقامي، التحرير والقطع والاوصال والجلسة والميانة والتسليم، في مقدمة البحث وفي كل كتبي الصادرة.

هامش3:الجالغي البغدادي - تعارف الناس على تسمية الفرقة الموسيقية الصغيرة التي ترافق غناء المقام العراقي بـ (جالغي بغداد او الجالغي البغدادي) وكلمة جالغي تركية الاصل ترجع الى التعبير المركب من (جالغي طقميسي)الذي يعني جماعة الملاهي ، وتتألف هذه الفرقة الموسيقية من الآلات التالية .. السنطور ، الجوزة ، الطبلة ، الرق ، واحيانا تضاف اليها آلة النقارة الايقاعية .. (رشيد , الدكتور صبحي انور، الآلات الموسيقية المصاحبة للمقام العراقي ، اللجنة الوطنية العراقية للموسيقى ، بغداد ، 1989 ، ص9)

-     آلة الجوزة - الجوزة تسمية حديثة سائدة في العراق فقط ، وترجع هذه التسمية الى المادة التي يصنع منها الصندوق الصوتي للالة وهو (جوز الهند) . اما في الاقطار العربية فان هذه الآلة تعرف باسم(الرباب)ذات الوتر الواحد ، في حين ان الجوزة في العراق ذات اربعة اوتاروامكانياتها تقارب امكانيات آلة الكمان ..(نفس المصدر السابق ص30)

-    آلة السنطور - هذه الآلة يرجع اسمها الى اللغة الآرامية العائدة الى عائلة اللغاة السامية التي تنتمي اليها اللغة العربية ، والسنطور آلة وترية بشكل شبه منحرف يعزف عليها بواسطة المضارب(نفس المصدر السابق ص12)

 

 

صورة 1 / في المقهى البغدادي التي افتتحها الفنان المسرحي الكبير محمد القيسي لأقامة حفلات غناء المقامات العراقية بالثمانينيات، ويظهر في الصورة حسين الاعظمي في اليمين وهو يتحدث الى المرحوم محمد القيسي عندما قام الاعظمي بزيارته في مقهاه عام 1987 الكائنة عند شارع ابي نؤاس الشهير على نهر دجلة الخالد.

 

صورة 2 / مطرب المقام العراقي الكبير عبد الرحمن العزاوي.

 

صورة 3 / في عام 1987 عند إفتتاح بيت المقام العراقي، يظهر فيها المرحوم الموسيقار منير بشير يتوسط مجموعة من مغني المقام العراقي، من اليمين عبد المجيد العاني وفاروق الاعظمي وحسين الاعظمي وحسن البناء ويحي إدريس وعبد الملك الطائي.